٣.٣ أهم أسباب رواج حيل الباطنية


لقد استبان زيف هذا المذهب، وضعف حجته وبطلان طريقته، ومع ذلك فقد راج في كثير من البلاد حينا من الزمن، فإن قيل: ما جليتموه من العظائم، لا يتصور أن يخفى على عاقل، وقد رأينا خلقا كثيرا وجما غفيرا يتابعونهم في معتقدهم، ويتابعونهم في دينهم، فلعلكم ظلمتموهم بنقل هذه المذاهب عنهم في خلاف ما يعتقدونه.
وهذا هو القريب الممكن، فإنهم لو أظهروا هذه الأسرار نفرت القلوب عنهم، واطلعت النفوس على مكرهم، وما أباحوا بها إلا بعد العهود والمواثيق، وصانوها إلا عن مُوافق لهم في الاعتقاد، فمن أين وقع لكم الاطلاع عليها، وهم يسترون ديانتهم ويستبطنون عقائدهم؟
قلت: أما الاطلاع على ذلك فإنما عثرنا عليه من جهة خلق كثير، تدينوا بدينهم واستجابوا لدعوتهم، ثم تنبهوا لضلالهم، فرجعوا عن غوايتهم إلى الحق المبين، فذكروا ما ألقوا إليهم من الأقاويل، كذا قاله أبو حامد الغزالي.
وأما سبب انقياد الخلق إليهم في بعض أقطار الأرض، فإنهم لا يفشون هذا الأمر إلا إلى بعض المستجيبين لهم، ويوصون الداعي ويقولون له: إياك أن تسلك بالجميع مسلكا واحدا؛ فليس كل من يحتمل قبول هذه المذاهب يحتمل الخلع والسلخ، ولا كل من يحتمل الخلع يحتمل السلخ، فليخاطب الداعي الناس على قدر عقولهم، فهذا هو السبب في تعلق هذه الحيل ورواجها.
فإن قيل: هذا أيضا مع الكتمان ظاهره البطلان، فكيف ينخدع بمثله عاقل؟ قلنا: لا ينخدع به إلا المائلون عن اعتدال الحال واستقامة الرأي، فللعقلاء عوارض تُعمي عليهم طرق الصواب، وتقضي عليهم بالانخداع بلامع السراب، هم ثمانية أصناف:

٣.٣ أهم أسباب رواج حيل الباطنية


طائفة ضعفت عقولهم وقلت مصائرهم، وسخفت في أمور الدين آراؤهم؛ لما جبلوا عليه من البله والبلادة، مثل السواد وأفجاج العرب والأكراد وجفاة الأعاجم وسفهاء الأحداث، ولعل هذا الصنف هم أكبر الناس عددا، وكيف يُستبعد قبولهم لذلك ونحن نشاهد جماعة في بعض المدائن القريبة من البصرة، يعبدون أناسا يزعمون أنهم ورثوا الربوبية من آبائهم المعروفين بالشباسية؟ وقد اعتقدت طائفة في علي -رضي الله عنه- أنه إله السموات والأرض رب العالمين، وهم خلق كثير لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، فلا ينبغي أن يكثُر العجب من جهل إنسان إذا استحوذ الشيطان واستولى عليه الخذلان، نعوذ بالله تعالى.