طائفة ضعفت عقولهم وقلت مصائرهم، وسخفت في أمور الدين آراؤهم؛ لما جبلوا عليه من البله والبلادة، مثل السواد وأفجاج العرب والأكراد وجفاة الأعاجم وسفهاء الأحداث، ولعل هذا الصنف هم أكبر الناس عددا، وكيف يُستبعد قبولهم لذلك ونحن نشاهد جماعة في بعض المدائن القريبة من البصرة، يعبدون أناسا يزعمون أنهم ورثوا الربوبية من آبائهم المعروفين بالشباسية؟ وقد اعتقدت طائفة في علي -رضي الله عنه- أنه إله السموات والأرض رب العالمين، وهم خلق كثير لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، فلا ينبغي أن يكثُر العجب من جهل إنسان إذا استحوذ الشيطان واستولى عليه الخذلان، نعوذ بالله تعالى.
طائفة انقطعت الدولة عن أسلافهم بدولة الإسلام، كأبناء الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس المستطيلين، فهؤلاء موتورون قد سكن الحقد في صدورهم كالداء الدفين، فإذا حركَته تخاييل المبطلين اشتعلت نيرانه في صدورهم، فأذعنوا لقبول كل محال تشوقا إلى درك ثأرهم وتلافي أمورهم.
طائفة لهم همم طامحة إلى العلياء، متطلعة إلى التسلط والاستيلاء، إلا أنه ليس يساعدهم الزمان، بل يقصر بهم عن الأتراب والأقران طوارق الحدثان، فهؤلاء إذا وُعدوا بنيل أمانيهم وسُوّل لهم الظفر بأعاديهم سارعوا إلى قبول ما يظنونه مفضيا إلى مآربهم، وسالكا إلى أوطارهم ومطالبهم، فلطالما قيل: حبك الشيء يُعمي ويصم، ويشترك في هذا كل من دهاه من طبقة الإسلام أمر ينم به، وكان لا يتوصل إلى الانتصار ودرك الثأر إلا بالاستظهار بهؤلاء الأغبياء الأغمار، فتتوافر دواعيه على قبول ما يرى الأمنية فيه.
طائفة جُبلوا على حب التميز عن العامة والتخصص عنهم، ترفعا عن مشابهتهم، وتشرفا بالتحيز إلى فئة خاصة تزعم أنها مُطّلعة على الحقائق، وأن كافة الخلق في جهالتهم كالحمر المستنفرة والبهائم المُسيَّبة، وهذا هو الداء العضال المستولي على الأذكياء فضلا عن الجهال الأغبياء، وكل ذلك حب للنادر الغريب، ونفرة عن الشائع المستفيض، وهذه سجية لبعض الخلق على ما شهدت به التجربة، وتدل عليه المشاهدة.
طائفة سلكوا طرق النظر، ولم يستكملوا فيه رتبة الاستقلال وإن كانوا قد ترقوا عن رتبة الجهال، فهم أبدا متشوقون إلى التكاسل والتغافل وإظهار التفطن لدرك أمور تتخيل العامة بعدها وينفرون عنها، لا سيما إذا نسب الشيء إلى مشهور بالفضل، فيغلب على الطبع التشوق إلى التشبه به، فكم من طوائف رأيتهم اعتقدوا محض الكفر تقليدا لأفلاطون وأرسططاليس وجماعة من الحكماء قد اشتهروا بالفضل، وداعيهم إلى ذلك التقليد وحب التشبه بالحكماء والتحيز إلى غمارهم، والتحيز عمن يُعتقد أنه في الذكاء والفضل دونهم، فهؤلاء يستجيرون إلى هذه البدعة بإضافتها إلى من يحسن اعتقاد المستجيب فيه، فيبادر إلى قبوله تشفعًا بالتشبه بالذي ذكر أنه من متنحليه.
طائفة اتفق نشوءهم بين الشيعة والروافض، واعتقدوا التدين بسب الصحابة، ورأوا أن هذه الفرقة تساعدهم عليها، فمالت نفوسهم إلى المساعدة لهم والاستئناس بهم.
طائفة من ملاحدة الفلاسفة والثنوية والمتحيرين في الدين ومَن على شاكلتهم، الذين طلبوا حطام الدين واستحقروا أمر العقبى، ولفقوا الشبه، وتزينوا بالتمويه للحجج على نحو يبعدهم عن الدين.
طائفة استولت عليهم الشهوات، فاستدرجتهم متابعة اللذات، واشتد عليهم وعيد الشرع، وثقلت عليهم تكاليفه، فليس يتهنأ عيشهم إلا إذا اقترفوا الفسق والفجور، وابتعدوا عن الحجاب وعن تكاليف الدين وشرائعه، فزاغوا عن سواء الطريق وحدود التحقيق.