٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


درجات حيل الباطنية

لقد نظموها على تسع درجات مُرتّبة، ولكل مرتبة اسم، أولها: الزِّرَق والتفرّس ثم التأنيس ثم التشكيك ثم التعليق ثم الربط ثم التدليس ثم التلبيس ثم الخلع ثم السلخ، وأبيّن لك الآن إن شاء الله تفصيل كل مرتبة من هذه المراتب، ففي الاطلاع على هذه الحيل فوائد جمة لجماهير الأمة، وأنْ نتعلم من هم الباطنية.
أما الزِّرَق والتفرس فهو أنهم قالوا: ينبغي أن يكون الداعي فطنا ذكيا، صحيح الحدس، صادق الفراسة، متفطنا للبواطن بالنظر إلى الشمائل والظواهر، وليكن قادرا على ثلاثة أمور:

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


أن يميز بين من يجوز أن يطمع في استدراجه، ويوثَق بلين عريكته لقبول ما يُلقى إليه على خلاف معتقده، فربما رجل جمود على ما سمعه لا يمكن أن ينتزِع من نفسه ما يرسَّخ فيه، فلا يضيع الداعي كلامه مع مثل هذا، وليقطع طمعه منه وليلتمس من فيه انفعال وتأثر بما يُلقى إليه من كلام، وهم الموصفون بالصفات التي سنذكرها بعد إن شاء الله.
وينبغي أن نتقي بكل حال بث البذر في السبخ، والدخول إلى بيت فيه سراج، يعني به الزجر عن دعوة العباسية، مد الله دولتهم إرغاما لأنوف أعدائها، فإن ذلك لا ينغرس أبد الدهر في نفوسهم، كما لا ينغرس البذر في الأرض السبخة بزعمهم، ويزجرون أيضا عن دعوة الأذكياء والفضلاء وذوي البصائر بطرق الجدال ومكامن الاحتيال، وبه يعنون الزجر عن بيت فيه سراج.


٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


وأما حال المدعو من حيث المذهب، فإن كان من الشيعة فلنفاتحه بأن الأمر كله في بغض بني تيم وبني عدي وبني أمية وبني العباس وأشياعهم، وفي التبري منهم ومن أتباعهم، وفي تولي الأئمة الصالحين، وفي انتظار خروج المهدي، وإن كان المدعو ناصبيا ذُكر له أن الأمة إنما أجمعت على أبي بكر وعمر، ولا يقدَّم إلا من قدّمته الأمة، حتى إذا أطمئن قلبه ابتدأ بعد ذلك ببث الأسرار على سبيل الاستدراج الذي سنذكره بعد إن شاء الله.
وكذلك إن كان من اليهود والمجوس والنصارى، حاورهم بما يضاهي مذهبهم من معتقداته، فإن معتقد الدعاة ملتقط من فنون البدع والكفر، فلا نوع من البدعة إلا وقد اختاروا منه شيئا؛ ليسهِّل عليهم بذلك مخاطبة تلك الفرق على ما سنحكي من مذهبهم إن شاء الله تعالى.

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


أما حيلة التأنيس، فهو أن يوافق كل من همَّ بدعوته في أفعال يتعاطاها هو ومن تميل إليه نفسه، وأول ما يفعل الأنس بالمشاهدة على ما يوافق اعتقاد المدعو في شرعه، وقد رسموا للدعاة والمأذونين أن يجعلوا مبيتهم كل ليلة عند واحد من المستجيبين، ويجتهدون في استصحاب من له صوت طيب في قراءة القرآن ليقرأ عندهم زمانا، ثم يُتبِع الداعي ذلك كله بشيء من الكلام الرقيق وأطرافٍ من المواعظ اللطيفة الأخّاذة بمجامع القلوب، ثم يردف ذلك بالطعن في السلاطين وعلماء الزمان وجهال العوامّ.
ويذكر أن الفرج منتظر من كل ذلك ببركة أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم، وهو فيما بين ذلك يبكي أحيانا ويتنفس الصعداء، وإذا ذكر آية أو خبرا ذكر أن لله تعالى سرًّا في كلماته لا يطلع عليه إلا من اجتباه الله من خلقه وميزه بمزيد لطفه، فإن قدر على أن يتهجد بالليل مصليا وباكيا عند غيبة صاحب البيت بحيث يطّلع عليه صاحب البيت، ثم إذا أحس بأنه اطلع عليه عاد إلى مبيته واضطجع كالذي يقصد إخفاء عبادته؛ وكل ذلك ليستحكم الأنس به ويميل القلب إلى الإصغاء إلى كلامه، فهذه هي مرتبة التأنيس.

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


وأما حيلة التشكيك، فمعناها: أن الداعي ينبغي له بعد التأنيس أن يجتهد في تغيير اعتقاد المستجيب، بأن يزلزل عقيدته فيما هو مصمم عليه، وسبيله أن يبتدئه بالسؤال عن الحكمة في مقررات الشرائع وغوامض المسائل، وعن المتشابهات من الآيات وكل ما لا ينقدح فيه معنى معقول، يقول في معنى المتشابه: ما معنى (( الر))، و(( كهيعص)) و(( حم، عسق))؟ إلى غيره من أوائل السور، ويقول: أترى أن تعيين هذه الحروف جرى وفاقا بسبق لسان، أم قصد تعيينها لأسرار هي مودَعة تحتها لم تصادف في غيرها، وما عندي أن ذلك يكون هزلا وعبثا بلا فائدة؟
ثم يشكك في الأحكام فيقول: ما بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ ما بال الاغتسال يجب من المني الطاهر، ولا يجب من البول النجس؟ ويشكك في أخبار القرآن فيقول: ما بال أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة؟ وما قوله تعالى: (( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ)) [الحاقة: ١٧]، وقوله تعالى: (( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)) [المدثر: ٣٠]؟ أفتُرى ضاقت القافية فلم يُكمل العشرين؟ أو جرى ذلك وفاقا بحكم سبق اللسان، أو قصدًا لهذا التقييد ليخيل أن تحته سرا، وأنه في نفسه لسر ليس يطّلع عليه إلا الأنبياء والأئمة الراسخون في العلم، ما عندي أن ذلك يخلو عن سر وينفك من فائدة كامنة، والعجب من غفلة الخلق عنها، لا يشمرون عن ساق الجد في طلبها.

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


ثم يشكك في خلق العالم وفي جسد الآدمي، ويقول: لمَ كانت السموات سبعا دون أن تكون ستا أو ثمانيا؟ ولمَ كانت الكواكب السيارة سبعة والبروج اثني عشر؟ ولمَ كان في رأس الآدمي سبع ثقب: العينان والأذنان والمنخران والفم، وفي بدنه ثقبان فقط؟ ولمَ جُعل رأس الآدمي على هيئة الميم، ويداه إذا مدها على هيئة الحاء، والعجُز على هيئة الميم، والرجلان على هيئة الدال، بحيث إذا جُمِع الكل يشكل صورة محمد أو اسم محمد -صلى الله عليه وسلم؟ أفترى أن فيه تشبيها ورمزا؟ ما أعظم هذه العجائب، وما أعظم غفلة الخلق عنها!!!
ولا يزال يورد على محدثه، ومن يريد أن يشككه، أمثلةً وأسئلة من هذا الجنس؛ حتى يشككه وينقدح في نفسه أن تحت هذه الظواهر أسرارا سُدت عنه وعن أصحابه، وينبعث منه شوق إلى طلبه.

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


وأما حيلة التعليق، فبأن يطوي عنه جوانب هذه الشكوك إذا هو استكشفه عنها، ولا ينفس عنه أصلا، بل يتركه معلقا ويهول الأمر عليه ويعظمه في نفسه، ويقول له: لا تعجل؛ فإن الدين أجل من أن يُعبث به أو يوضع في غير موضعه ويكشف لغير أهله، هيهات هيهات، جئتُماني لتعلما سر سعدي، تجداني بسر سعدي شحيحا.
ثم يقول: لا تعجل، إن ساعدتك السعادة سنبث إليك سر ذلك، أمَا سمعت قول صاحب الشرع: "إن هذا الدين متين، فأوغِلْ فيه برفق؛ فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى".
وهكذا لا يزال يسوقه ثم يدافعه حتى إن رآه أعرض عنه واستهان به وقال: ما لي ولهذا الفضول، وكان لا يحيك في صدره حرارة هذه الشكوك قطع الطمع عنه، وإن رآه متعطشا إليه وعده في وقت معين وأمره بتقديم الصوم والصلاة والتوبة قبله، وعظّم أمر هذا السر المكتوم حتى إذا وافى الميعاد قال له: إن هذه الأسرار مكتومة لا تودع إلا في سر محصن، فحصن حرزك وأحكم مداخله حتى أودعه فيه.

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


فيقول المستجيب: وما طريقة ذلك؟ فيقول: أن آخذ عهد الله وميثاقه على كتمان هذا السر ومراعاته عن التضييع؛ فإنه الدر الثمين والعرق النفيس، وأدنى درجات الراغب فيه صيانته عن التضييع، وما أودع الله هذه الأسرار أنبياءه إلا بعد أخذه عهدهم وميثاقهم، وتلا قوله تعالى: (( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ)) [الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)) [الأحزاب: ٢٣]، وقوله تعالى: (( وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا )) [النحل: ٩١].
وأما النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يفشِه إلا بعد أخذ العهد على الخلفاء، وأخذ البيعة على الأنصار تحت الشجرة، فإن كنت راغبا فاحلف لي على كتمانه وأنت بالخيرة بعدها، فإن وُفِّقت بدرك حقيقته سعدت سعادة عظيمة، وإن اشمأزّت نفسك عنه فلا غرو، فإن كلا ميسّر لما خُلق له، ونحن نقدر كأنك لم تسمع ولم تحلف، ولا ضير عليك في يمين صادقة، فإن أبى الحلف خلاه، وإن أنعم وأجاب فيه وجَّهَ الحلفَ واستوفاه.

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


وأما حيلة الربط، فهو أن يربط لسانه بأيمان مغلظة وعهود مؤكدة، لا يجسُر على المخالفة لها بحال، وهذه نسخة العهد، يقول الداعي للمستجيب: جعلتُ على نفسك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله -عليه السلام- وما أخذ الله على النبيين من عهد وميثاق، أنك تُسرّ ما سمعتَه مني وتسمعه، وعلمته وتعلمه من أمري، وأمر المقيم بهذه البلدة لصاحب الحق الإمام المهديّ، وأمور إخوانه وأصحابه وولده وأهل بيته وأمور المطيعين له على هذا الدين، ومخالصة المهدي ومخالصة شيعته من الذكور والإناث والصغار والكبار، ولا تُظهر من ذلك قليلا ولا كثيرا تدل به عليه إلا ما أطلقت لك أن تتكلم به، أو أطلقَ لك صاحب الأمر المقيم في هذا البلد أو غيره، فتعمل حينئذ بمقدار ما نرسمه لك ولا تتعداه، جعلت على نفسك الوفاء بما ذكرته لك وألزمته نفسك في حال الرغبة والرهبة والغضب والرضا، وجعلت على نفسك عهد الله وميثاقه أن تتبعني، وجميع من أسميه لك وأبينه عندك مما تمنع منه نفسك، وأن تنصح لنا وللإمام ولي الله نصحا ظاهرا وباطنا، وألا تخون الله ولا وليه ولا أحدا من إخوانه وأوليائه، ومن يكون منهم ومنّا بسبب من أهل ومال ونعمة، وأنه لا رأي ولا عهد تتناول على هذا العهد بما يبطله.

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


فإن فعلت شيئا من ذلك، وأنت تعلم أنك قد خالفتَه، فأنت بريء من الله ورسله الأولين والآخرين، ومن ملائكته المقربين، ومن جميع ما أُنزل من كتبه على أنبيائه السابقين، وأنت خارج من كل دين وخارج من حزب الله وحزب أوليائه، وداخل في حزب الشيطان وحزب أوليائه، وخذلك الله خذلانا بيّنا يعجل لك بذلك النقمة والعقوبة إن خالفت شيئا مما حلفتك عليه بتأويل أو بغير تأويل، فإن خالفت شيئا من ذلك فلله عليك أن تحج إلى بيته ثلاثين حجة، نذرا واجبا ماشيا حافيا، وإن خالفت ذلك فكل ما تملكه في الوقت الذي تحلف فيه صدقة على الفقراء والمساكين الذين لا رحم بينك وبينهم، وكل مملوك يكون لك في ملكك يومَ تخالف فيه فهم أحرار، وكل امرأة تكون لك أو تتزوجها في قابل فهي طالق ثلاثا بتة إن خالفت شيئا من ذلك، وإن نويت أو أضمرت في يميني هذه خلاف ما قصدت، فهذه اليمين من أولها إلى آخرها لازمة لك، والله الشاهد على صدق نيتك وعقد ضميرك، وكفى بالله شهيدا بيني وبينك. قل: نعم. فيقول: نعم. فهذا هو الغرض.

٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


وأما حيلة التدليس، فهو أنه بعد اليمين وتأكيد العهد، لا يسمح ببث الأسرار إليه دفعة، ولكن يتدرج فيه ويراعي أمورا:
أنه يقتصر في أول وهلة على ذكر قاعدة المذهب، ويقول: منار الجهل تحكيم الناس عقولهم الناقصة وآراءهم المتناقضة، وإعراضهم عن الاتباع والتلقي من أصفياء الله وأئمته وأوتاد أرضه، والذين هم خلفاء رسوله من بعده، فمنهم الذين أودعهم الله سره المكنون ودينه المخزون، وكشف لهم بواطن هذه الظواهر وأسرار هذه الأمثلة، وإن الرَّشَد والنجاة من الضلالة بالرجوع إلى القرآن وأهل البيت؛ ولذلك قال -عليه السلام- لمّا قيل: ومن أين يعرف الحق بعدك؟ قال: (( ألم أترك فيكم القرآن وعترتي )) وأراد به أعقابهم، فهم الذين يطّلعون على معاني القرآن، ويُقتصر في أول وهلة على هذا القدر ولا يُفصح عن تفصيل ما يقوله الإمام.


٢.٣ حيل الباطنية لنشر أفكارهم ومعتقداتهم


وأما حيلة التلبيس، فهو أن يُواطئه على مقدمات يتسلمها منه مقبولة الظاهر، مشهورة عند الناس، ذائعة، ويرسخ ذلك في نفسه مدة ثم يستدرجه منها بنتائج باطلة، كقوله: إن أهل النظر لهم أقاويل متعارضة الأحوال متساوية، وكل حزب بما لديهم فرحون، والمطلع على الجوهر الله، ولا يجوز أن يخفي الله الحق ولا يوجد أحد، فكل الأمر إلى الخلق، يتخبطون فيه خبطَ عشواء، ويقتحمون فيه العماية العمياء، إلى غير ذلك من المقدمات المستعضلة.
وأما حيلة الخلع والسلخ، وهما متفقان وإنما يفترقان في أن الخلع يختص بالعمل، فإذا أفضوا بالمستجيب إلى ترك حدود الشرع وتكاليفه يقولون: وصلت إلى درجة الخلع، أما السلخ فيختص بالاعتقاد الذي هو خلع الدين، فإذا انتزعوا ذلك من قلبه دعوا ذلك سلخا، وسميت هذه الرتبة البلاغ الأكبر، فهذا تفصيل تدريجهم مع الخلق واستغوائهم، فلينظر الناظر فيه وليستغفر الله من الضلال في دينه، نعوذ بالله تعالى.