١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


ألقاب الباطنية

ألقابهم التي تناولتها الألسنة على اختلاف الأعصار والأزمنة عشرة ألقاب، وهي: (الباطنية، والقرامطة، والقُرمطية، والخُرّامية، والخمدينية، والإسماعيلية، والسَّبعية، والبابِكية، والمُحمِّرة، والتعليمية) ولكل لقب سبب.


١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


الباطنية

أما الباطنية، فإنما لقبوا بها لدعواهم "أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القِشر، وأنها بصورها تُوهِم عند الجهال الأغبياء صورا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة، وأنَّ من تقاعدَ عقله عن الغوص عن الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها مسارعًا إلى الاغترار؛ كان تحت الأواصر والأغلال، معلنا بالأوزار والأثقال". وأرادوا بالأغلال التكليفات الشرعية؛ فإن مَن ارتقى إلى علم الباطن انحطَّ عنه التكليف واستراح من أعبائه، وهم المرادون بقوله تعالى: (( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) [الأعراف: ١٥٧].
وربما موّهوا بالاستشهاد عليه بقولهم: إن الجهال المنكرين للباطن هم الذين أُريدوا بقوله تعالى: (( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)) [الحديد: ١٣]، وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع، فإنهم إذا انتزعوا عن العقائد مُوجبَ الظواهر؛ قدروا على الحكم بدعوة الباطل على حسب ما يوجب الانسلاخ عن قواعد الدين، إذْ سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة، فلا يبقى للشرع عِصام يُرجع إليه ويُعوّل عليه.

١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


القرامطة

وأما القرامطة، فإنما لُقِّبوا بها نسبة إلى رجل يقال له: حَمْدان قُرْمط، كان أحد دُعاتهم في الابتداء، فاستجاب له في دعوته رجال فسُمُّوا قرامطة وقُرمطية، وكان المسمّى "حمدان قرمط" رجلا من أهل الكوفة، مائلا إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في طريقه وهو متوجه إلى قريته، وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه ولا يعرف حاله: أراك سافرتَ من موضع بعيد، فأين مقصدك؟ فذكر موضعا هو قرية حمْدان، فقال له حمدان: اركب بقرة من هذه البقر؛ لتستريح عن تعب المشي. فلما رآه مائلا إلى الزهد والديانة أتاه من حيث رآه مائلا إليه، فقال: إني لم أُومر بذلك، فقال حمدان: وكأنك لا تعمل إلا بأمر؟ قال: نعم. قال حمدان: وبأمر مَن تعمل؟ فقال الداعي: بأمر مالكي ومالكك، ومَن له الدنيا والآخرة. فقال حمدان: ذلك إذًا هو رب العالمين. فقال الداعي: صدقتَ، ولكن الله يهب ملكه لمن يشاء. قال حمدان: وما غرضك في البقعة التي أنت متوجه إليها؟ قال: أُمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملِّكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب. فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأفض علي من العلم ما يحببني به؛ فما أشد احتياجي إلى مثل ما ذكرتَه. فقال الداعي: وما أُمرت بأن أُخرِج السر المخزون لكل أحد إلا بعد الثقة به والعهد عليه. فقال حمدان: وما عهدك؟ فاذكره لي؛ فإني ملتزم به. فقال الداعي: أنت تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقَه ألا يخرُج سر الإمام الذي ألقيته إليك ولا تفشِ سري أيضا. فالتزم حمدان سرَّه، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استدرجه واستغواه، واستجاب له في جميع ما دعاه، ثم انتدب حمدان للدعوة، وصار أصلا من أصول هذه الدعوة، فسمي أتباعه القُرْمُطيّة.


١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


الخُرّاميّة

وأما الخُرّاميّة، فلقبوا بها نسبةً لهم إلى حاصل مذهبهم وزُبدته، فإنه راجع إلى طيب صافي التكليف، وحطِّ أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات.
وخُرّم لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستلذ المستطاب، الذي يرتاح الإنسان إليه بمشاهدته ويهتز إليه بمشاهدته ويهتز لرؤيته، وقد كان هذا لقبا للمزدكيّة، وهم أهل الإباحة من المجوس الذين نبغوا في أيام قِباس، وأباحوا النساء وإن كنَّ من المحارم، وأحلوا كل محذور، وكانوا يسمون خَمَدِينيَّة، وهؤلاء أيضا لقبوا بها لمشابهتهم إياهم في آخر المذهب، وإن خالفوهم في المقدمات وسوابق الحيل في الاستدراج.

١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


البابِكية

وأما اسم البابِكية، فاسم لطائفة منهم، بايعوا رجلا يقال له: بابِك الخرَّمِي، وكان خروجه في بعض الجبال بناحية أذربيجان في أيام المعتصم بالله، واستفحل أمرهم واشتدت شوكتهم، وقاتلهم أفشين صاحب حبس المعتصم، مداهنا له في قتاله، ومتخاذلا عن الجد في قمعه إضمارًا لموافقته في ضلاله، فاشتدت وطأة البابكية على جيوش المسلمين حتى مزقوا جند المسلمين وبددوهم منهزمين، إلى أن هبت ريح النصر واستولى عليهم المعتصم المترشح للإمامة في ذلك العصر، فصُلب بابِك وصلب أفشين بإزائه.
وقد بقي من البابكية جماعة يقال: إن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم، ويطفئون سروجهم وشموعهم، ثم يتناهبون النساء، فيثب كل رجل إلى امرأة فيظفر بها، ويزعمون أن من استولى على امرأة استحلها بالاصطياد؛ فإن الصيد من أطيب المباحات، ويدّعون مع هذه البدعة نبوة رجل كان من ملوكهم قبل الإسلام يقال له: شُروين، ويزعمون أنه كان أفضل من نبينا -صلى الله عليه وسلم- ومن سائر الأنبياء قبلهم.

١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


الإسماعيلية

وأما اسم الإسماعيلية، فهو نسبة إلى زعيمهم محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويزعمون أن أدوار الإمامة انتهت به؛ إذ كان هو السابع من محمد -صلى الله عليه وسلم، وأدوار الإمامة سبعة عندهم، فأكبرهم يُثبتون له منصب النبوة، وأن ذلك يستمر في نسبه وأعقابه، وقد أورد أهل المعرفة بالنسب في كتاب الشجرة أنه مات ولا عقب له.


١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


السبعية

وأما السبعية، فإنما لُقِّبوا بها لأمرين:
أحدهما: اعتقادهم أن أدوار الإمامة سبعة، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الدور، وهو المراد بالقيامة، وأن تعاقُب هذه الأدوار لا آخر لها قط.
الثاني: قولهم: إن تدابير العالم السفلي -أعني ما يحويه- مقعّر فلك القمر منوطة بالكواكب السبعة، التي أعلاها زحل ثم المشتري ثم المريخ ثم الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم القمر، وهذا المذهب مسترق من ملاحدة المنجمين، وملتفت إلى مذاهب الثنوية في أن النور يدبر أجزاءه الممتزجة بالظلمة لهذه الكواكب السبعة، فهذا سبب هذا التلقيب.

١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


المُحمِّرة

وأما المُحمِّرة، فقيل: إنهم لقبوا به؛ لأنهم صبغوا الثياب بالحمرة أيام بابك ولبسوها، وكان ذلك شعارهم، وقيل: سببه أنهم يقررون أن كل من خالفهم من فرق أهل الحق حمير، والأصح هو التأويل الأول.

التعليمية

وأما التعليمية، فإنهم لقبوا بها؛ لأن مبدأ مذاهبهم إبطال الرأي وإبطال تصرف العقول، ودعوة الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدركَ للعلوم إلا بالتعليم، ويقولون في مبتدأ مجادلتهم: الحق إما أن يعرف بالرأي وإما أن يعرف بالتعليم، وقد بطل التعويل على الرأي؛ لتعارض الآراء وتقابل الأهواء واختلاف ثمرات نظر العقلاء، فتعين الرجوع إلى التعليم والتعلم.
وهذا اللقب هو الأليق بباطنية العصر الذي عاش فيه أبو حامد الغزالي -رحمه الله- وذلك في القرن السابع الهجري، فإن تعويلهم الأكثر كان على الدعوة إلى التعليم، وإبطال الرأي لاتباع الإمام المعصوم، وتنزيله في وجوب التصديق والاقتداء به منزلةَ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


سبب نصب دعوة الباطنية

مما تطابق عليه نقلة المقالات قاطبة، أن هذه الدعوة لم يفتتحها منتسبٌ إلى ملة، ولا معتقد لنحلة معتضد بنبوة، فإن مساقَها ينقاد إلى الانسلال من الدين كانسلال الشعرة من العجين، ولكن تشاور جماعة من المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية الملحدين وطائفة كبيرة من ملاحدة الفلاسفة المتقدمين، وضربوا سهام الرأي في أن استنباط التدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين، وينفس عنهم كربهم، وينفس عنهم كربة ما دهاهم من أمر المسلمين، حتى أخرسوا ألسنتهم عن النطق بما هو معتقَدهم من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد الحشر والنشر والمعاد إلى الله في آخر الأمر.
وزعموا: أنا بعد أن عرفنا أن الأنبياء كلهم مُمَخرقون وملمّسون، فإنهم يستبعدون الخلق بما يخيلونه إليهم من فنون الشعوذة، وقد تفاقم أمر محمد -صلى الله عليه وسلم- واستطارت في الأقطار دعوته، واتسعت ولايته حتى استولى على ملك أسلافنا، وانهمكوا في التنعم في الولايات مستحقرين عقولنا، وقد طَبَقوا وجه الأرض ذات الطول والعرض، ولا مطمعَ في مقاومتهم بقتال، ولا سبيل إلى استنزالهم عمّا أصروا عليه إلا بمكر واحتيال، ولو شافهناهم بالدعاء إلى مذهبنا لتنمروا علينا، وامتنعوا من الإصغاء إلينا.

١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


فسبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، هم أرقّهم عقولا وأسخفهم رأيا، وألينهم عريكة لقبول المحالات، وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات، ألا وهم الروافض، ونتحصل بالانتساب إليهم والاعتذار لأهل البيت عن شرهم، ونتودد إليهم بما يلائم طبعهم من ذكر ما تم على سلفهم من الظلم العظيم والذل الهائل، ونتباكى لهم على ما حل بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونتوصل به إلى تطويل اللسان في أئمة سلفهم الذين هم أسوتهم وقدوتهم، حتى إذا قبحنا أحوالهم في أعيننا وما يَنقل إليهم شرعهم بنقلهم ورواياتهم؛ اشتد عليهم باب الرجوع إلى الشرع، وسهل علينا استدراجهم إلى الانخلاع عن الدين، وإن بقي عندهم معتصَم من ظواهر القرآن ومتواتر الأخبار، أوهمْنا عندهم أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن أمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وعلامة الفطنة اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المرادة بظواهر القرآن، ثم إذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج سائر الفرق بعد التحيز إلى هؤلاء، والتظهُّر بنصرهم.

١.٣ ألقاب الباطنية، وأسباب التلقيب


ثم قالوا: طريقنا أن نختار رجلا ممن يساعدنا على المذهب، ونزعم أنه من أهل البيت، وأنه يجب على كافة الخلق مبايعته، وتتعين عليهم طاعته، فإنه خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعصوم عن الخطأ والزلل من جهة الله تعالى، ثم لا نُظهر هذه الدعوة على القرب من جوار الخليفة الذي وسمناه بالعصمة، فإن قرب الدار ربما يهتك هذه الأستار، وإذا بعدت الشُّقَّة وطالت المسافة فمتى يقدر المستجيب إلى الدعوة أن يفتش عن حاله، وأن يطّلع على حقيقة أمره.
ومقصدهم بذلك كله الملك والاستيلاء، والتبسط في أموال المسلمين وحريمهم، والانتقام منهم فيما اعتقدوه فيهم وعاجلوهم به من النهب والسفك، وأفاضوا عليهم من فنون البلاء، فهذه غاية مقصدهم ومبدأ أمرهم، ويتضح لك مصداق ذلك بما سنذكره لك بعدُ إن شاء الله عن خبائث مذهبهم وفضائح معتقدهم.