ملخص الدرس


ألقاب الباطنية التي تناولتها الألسنة على اختلاف الأعصار والأزمنة عشرة ألقاب، وهي: (الباطنية، والقرامطة، والقُرمطية، والخُرّامية، والخمدينية، والإسماعيلية، والسَّبعية، والبابِكية، والمُحمِّرة، والتعليمية).
أما الباطنية فإنما لقبوا بها لدعواهم "أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القِشر، وأنها بصورها تُوهِم عند الجهال الأغبياء صورا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة، وأنَّ من تقاعدَ عقله عن الغوص عن الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها مسارعًا إلى الاغترار؛ كان تحت الأواصر والأغلال، معلنا بالأوزار والأثقال". وأرادوا بالأغلال التكليفات الشرعية؛ فإن مَن ارتقى إلى علم الباطن انحطَّ عنه التكليف واستراح من أعبائه، وهم المرادون بقوله تعالى: (( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) [الأعراف: ١٥٧].
والقرامطة إنما لُقِّبوا بها نسبة إلى رجل يقال له: حَمْدان قُرْمط، كان أحد دُعاتهم في الابتداء، فاستجاب له في دعوته رجال فسُمُّوا قرامطة وقُرمطية.
والخُرّاميّة لقبوا بذلك؛ نسبةً لهم إلى حاصل مذهبهم وزُبدته، فإنه راجع إلى طيب صافي التكليف، وحطِّ أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات.

ملخص الدرس


والبابِكية اسم لطائفة منهم، بايعوا رجلا يقال له: بابِك الخرَّمِي، وكان خروجه في بعض الجبال بناحية أذربيجان في أيام المعتصم بالله، واستفحل أمرهم واشتدت شوكتهم، وقاتلهم أفشين صاحب حبس المعتصم، مداهنا له في قتاله، ومتخاذلا عن الجد في قمعه إضمارًا لموافقته في ضلاله، فاشتدت وطأة البابكية على جيوش المسلمين حتى مزقوا جند المسلمين وبددوهم منهزمين، إلى أن هبت ريح النصر واستولى عليهم المعتصم المترشح للإمامة في ذلك العصر، فصُلب بابِك وصلب أفشين بإزائه.
والإسماعيلية نسبة إلى زعيمهم محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويزعمون أن أدوار الإمامة انتهت به؛ إذ كان هو السابع من محمد -صلى الله عليه وسلم، وأدوار الإمامة سبعة عندهم، فأكبرهم يُثبتون له منصب النبوة، وأن ذلك يستمر في نسبه وأعقابه، وقد أورد أهل المعرفة بالنسب في كتاب الشجرة أنه مات ولا عقب له.

ملخص الدرس


حيل الباطنية:
لقد نظموها على تسع درجات مُرتّبة، ولكل مرتبة اسم، أولها: الزِّرَق والتفرّس ثم التأنيس ثم التشكيك ثم التعليق ثم الربط ثم التدليس ثم التلبيس ثم الخلع ثم السلخ.
أما الزِّرَق والتفرس فهو أنهم قالوا: ينبغي أن يكون الداعي فطنا ذكيا، صحيح الحدس، صادق الفراسة، متفطنا للبواطن بالنظر إلى الشمائل والظواهر، وليكن قادرا على ثلاثة أمور.
أما حيلة التأنيس، فهو أن يوافق كل من همَّ بدعوته في أفعال يتعاطاها هو ومن تميل إليه نفسه، وأول ما يفعل الأنسَ بالمشاهدة على ما يوافق اعتقاد المدعو في شرعه.
وأما حيلة التشكيك فمعناها: أن الداعي ينبغي له بعد التأنيس أن يجتهد في تغييره اعتقاد المستجيب، بأن يزلزل عقيدته فيما هو مصمم عليه، وسبيله أن يبتدئه بالسؤال عن الحكمة في مقررات الشرائع وغوامض المسائل، وعن المتشابهات من الآيات، وكل ما لا ينقدح فيه معنى معقول.
وأما حيلة التعليق، فبأن يطوي عنه جوانب هذه الشكوك إذا هو استكشفه عنها، ولا ينفس عنه أصلا، بل يتركه معلقا ويهول الأمر عليه ويعظمه في نفسه.

ملخص الدرس


وأما حيلة الربط، فهو أن يربط لسانه بأيمان مغلظة وعهود مؤكدة، لا يجسُر على المخالفة لها بحال.
وأما حيلة التدليس، فهو أنه بعد اليمين وتأكيد العهد لا يسمح ببث الأسرار إليه دفعة، ولكن يتدرج فيه ويراعي أمورا في ذلك.
وأما حيلة التلبيس، فهو أن يُواطئه على مقدمات يتسلمها منه، مقبولة الظاهر مشهورة عند الناس ذائعة، ويرسخ ذلك في نفسه مدة ثم يستدرجه منها بنتائج باطلة.
وأما حيلة الخلع والسلخ، وهما متفقان وإنما يفترقان في أن الخلع يختص بالعمل، أما السلخ فيختص بالاعتقاد الذي هو خلع الدين، فإذا انتزعوا ذلك من قلبه دعوا ذلك سلخا، وسميت هذه الرتبة البلاغ الأكبر.
لقد استبان زيف هذا المذهب، وضعف حجته وبطلان طريقته، ومع ذلك فقد راج في كثير من البلاد حينا من الزمن، فإن قيل: ما جليتموه من العظائم، لا يتصور أن يخفى على عاقل، وقد رأينا خلقا كثيرا وجما غفيرا يتابعونهم في معتقدهم، ويتابعونهم في دينهم، فلعلكم ظلمتموهم بنقل هذه المذاهب عنهم في خلاف ما يعتقدونه.