٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
السبب الأول
السبب الأول من أسباب الفرقة: الشيطان، وهو سبب يستحق الصدارة؛ إذ حرَص الشيطان من البداية بحكم عدائه للبشر أن يفرق كلمتهم، ويقعدَ لهم دون الصراط المستقيم، كما حكاه القرآن الكريم: (( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)) [الأعراف: ١٧]، وقد قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم )) فهو رأى أن الشيطان يسعى دائما بين الناس بالخصومات والشحناء والبغضاء والفتن، وحبائل الشيطان لو تأملتها أدركت أنه يريد من ورائها أن يفرق بين الأخ وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين الابن وأبيه، وهو بذلك يريد أن يفرق جماعة المسلمين ويوقع بينهم العداوة والبغضاء.
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
 |
ولذلك أمرنا الله تعالى بمخالفة الشيطان، والعمل على إفساد وسائله وحبائله وتجنب شبهاته وإغرائه: (( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)) [المائدة: ٩١]، وقال تعالى: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) [فاطر: ٦]، كما قال تعالى: (( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)) [الحشر: ١٦، ١٧]. |
 |
وكم تجد في كتاب الله -عز وجل- من تحذير من الشيطان، من حبائله ووساوسه التي تأتي بصورة الخطوات، ولو عن طريق الخير أولًا، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ....)) [النور: ٢١] الآية. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
السبب الثاني
أولياء الشيطان الذين هم أعداء الإسلام خاصةً، وأشد عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، وقد بنوا سياستهم مع غيرهم على مبدأ "فرِّقْ تَسُد"، ولقد صدق الله العظيم إذ قال: (( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)) [المائدة: ٨٢]، وقال أيضا: (( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)) [البقرة: ١٢٠].
 |
لقد جرب اليهود مبدأ "فرِّقْ تَسُد"، فوجدوه ناجحا أيما نجاح، قد جربوه مع أتباع المسيح عليه السلام، وجربوه مع الأوس والخزرج قبل الإسلام، ومن ثَمَّ حرصوا على استخدامه كلما لاحت لهم فرصة أو سنحت لهم بادرة اهتبلوها من أجل تفريق الكلمة وتمزيق الصف المسلم، وكيف لا وهم الذين فرقوا كلمة المسلمين الأوائل -الأوس والخزرج- بعد أن آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينهم، وألف الله تعالى بين قلوبهم؟ ومع ذلك فقد استطاعوا أن يوقدوا نار الحرب بينهم، لكن الله أطفأها بفضله ومنّه. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
 |
وقد حذرَنا ربُّنا -سبحانه وتعالى- منهم، ونهانا عن موالاتهم، وأمرنا بالإعداد لهم ومعرفة مخططاتهم؛ وأنه لا بد من الصراع بين الحق والباطل، ولكن في الآخر: (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)) [الأنبياء: ١٨]. |
 |
فأعداء الإسلام حريصون كل الحرص على تفريق كلمة المسلمين؛ لأنهم عرفوا أن هذا السلاح أمضى وأقوى، وأنهم ما استطاعوا أن يجابهوا المسلمين أو أن ينتصروا عليهم إلا في ظل تفريق كلمتهم وتمزيق وحدتهم، وصدق ربنا إذ قال: (( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) [الأنفال: ٤٦]. |
 |
واليهود حريصون على هذا المعنى كل الحرص، فما من دولة إلا وحاولوا إيجاد الفرقة بين أبنائها، والتنازع على الحدود بينها وبين الدولة المجاورة لها وفي ذات الدولة، وها نحن نرى ما يحدث في العراق وما حدث في فلسطين، وما حدث قبلُ في الأندلس، إنه مبدأ "فرِّقْ تَسُد".
|
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
السبب الثالث
 |
من أسباب الفرقة: التنازع على السياسة والملك، وإننا إذا استقرأنا التاريخ وجدنا كثيرا من ألوان الفرقة وقعت بسبب التنازع على السياسة وحب الرئاسة، وهذا السبب ذاته انبنى على حب الدنيا الذي تمكن من قلوب بعض المسلمين، فأوجد في النفوس أغراضا وفي القلوب أمراضا، كانت من أهم الأسباب في تفريق كلمة المسلمين وذهاب قوتهم وضياع عزهم. |
 |
وما ضاعت الأندلس وأخواتها إلا بمثل هذا السبب، وكذا في كل عصر ومصر، فإذا نظر الإنسان إلى نفسه وعمل لحسابه ولم يبالِ بدينه وأمته؛ فإن ذلك يجر على الأمة ويلات وهزائمَ، حين يكون الإنسان معجبًا لرأيه حريصا على سيادته، فمن هنا تقع الفرقة لمثل هذا التنازع على السياسة والملك، والتنازع لا بد وأن يورث الفشل: (( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) [الأنفال: ٤٦]، وقد ضاعت الأندلس بسبب هذا وأمثاله، حتى رُئِيَ أحد الملوك وهو يبكي، فقالت له أمه: ابكِ كالنساء مُلكًا لم تحافظ عليه كالرجال. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
السبب الرابع
 |
التعصب للأشخاص والإعجاب بالرأي، فكم رأينا أناسا يستميتون في التعصب لمشايخهم ولآراء العلماء الذين يتتلمذون على أيديهم، وللمذاهب التي يتمذهبون بها، وكم أضر هذا التعصب بالأمة المسلمة أيما ضرر! |
 |
كما ابتُليت الأمة بأناس إذا اقتنعوا برأيهم، لا يحيدون عنه وإن كان خاطئا، وهذا من العصبيات التي تعُجّ بها المجتمعات، وقد حذر القرآن الكريم من ذلك بقوله تعالى: (( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)) [الفتح: ٢٦]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم وآله وسلم: (( ليس منا من دعا إلى العصبية )) . |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
السبب الخامس
 |
المفاهيم الخاطئة في حياة المسلمين، سواء أكان ذلك بالتفسيرات الخاطئة لبعض الآيات، أو الإسرائيليات في بعض التفاسير، أم كان ذلك بفهم خاطئ لبعض الأحاديث الصحيحة وانتشار أحاديث ضعيفة أخرى أو موضوعة، وكذلك بانتشار شبهات المستشرقين ومفتريات المنصّرين، فكل ذلك يعد خلطًا بين الحق والباطل، وإذا اختلط الحق بالباطل شوّش على المسلمين فاختلفت كلمتهم، وتفرقت وحدتهم، ولو عرفت الأمة الفهم الصحيح في ذلك؛ ما كان هذا حالهم من ضعف وهزيمة وذل ومهانة. |
 |
فهذا الباب الذي هو باب المفاهيم الخاطئة في حياة المسلمين باب واسع، باب خطير، استشرى حتى شمل جُلّ معالم الدين، يقوم بهذا الأمر المستشرقون، وينشره تلامذتهم من المستغربين، ففي كتاب الله -عز وجل- آيات وضعت في غير موضعها، وفي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث فُهمت على غير وجهها، ومبادئ الدين فُهمت بصورة قاصرة، والتاريخ المزيف المُحرَّف عدوه سندا ودليلا وجعلوه مرجعا لهم يردون به على الحقائق الثابتة، وعلى الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وأمور أخرى تندرج في هذا الباب تدخل تحت هذا السبب كان لها أكبر الدور في تفريق كلمة المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
السبب السادس
 |
السبب السادس من أسباب الفرقة: الجهل بطبيعة هذا الدين، فهذا الدين له عقيدة وأصول واحدة لا يُختلف عليها، الحق فيها واحد لا يتعدد، كما قال تعالى: (( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)) [يونس: ٣٢]، وفيه فروع وتشريعات يمكن أن يتعدد فيها الحق ولا يتوحد، ويقع فيها الاختلاف باختلاف اجتهادات المجتهدين مع الاتفاق على وحدة المصدر والمنشأ، والذين جهلوا هذا المعنى لم يفرقوا بين الكليات والجزئيات، ولا بين القطعيات والظنيات، ولا بين المحكمات والمتشابهات؛ فكان ذلك سببا في تفريق كلمة الأمة وتمزيق وحدتها مما أضرَّ بها، وجعل الأعداء ينالون منها.
ولا شك أن هناك أسبابا أخرى أدت إلى فرقة المسلمين، يمكن التوسع فيها في غير هذه المقدمة التي ندور في فلكها؛ لندخل بعدُ -إن شاء الله عز وجل- في المضمون. |
 |
حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في افتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة: هذا، وقد ذكر في أمر الفرقة حديث مأثور في افتراق الأمة، الحديث كما صح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة )) ، وفي رواية قال: (( ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) -صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
|
 |
وهذا الحديث الذي تنازع العلماء في شأنه كثيرا، ما بَيْن مصحِّح ومضعِّف، نقول: الحديث من حيث الصحة والضعف -كما قال المحققون من علماء الحديث- هو حديث صحيح، ولست بصدد تخريجه الآن. |
|
 |
هذا الحديث الصحيح فهِمَه البعض فهما خاطئا، وربما فهمه البعض فهمًا قاصرا حين نظر إلى الحديث على مستوى زمانه هو، أو على مستوى مكانه هو، فلربما راح يقول: من هي الفرق الثلاث والسبعون التي ذكرت في حديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ فإن كان مثلا من أبناء مصر راح يقول: هي جماعة كذا وكذا وكذا، أو كان من أبناء الهند يقول: هل هم جماعة كذا وكذا وكذا؟ وهذا لا شك أنه قصور في فهم الحديث، أنه نظر إلى مكان دون مكان، فحصر الأمر في زمان دون زمان. |
|
 |
والذي يبدو لي -والله أعلم- من خلال هذا الحديث، ما نحن فيه من الحديث عن الفِرق تلك التي أطلت برأسها منذ قليل، مُذْ قُتِل فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وجاء عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه فوجدت السبئية أتباع عبد الله بن سبأ على نحو ما هم عليه، منهم من يزعم ألوهية علي، ومن يقول بنبوته، ومن يقول بكذا وكذا، على نحو سنفصل القول فيه بعد إن شاء الله عز وجل. ووجدت الخوارج تكفر عليا ومعاوية، تكفر الحَكَمين، كل من رضي بالتحكيم، وبدأت ترسي لنفسها مبادئ ترى فيها كفر مرتكب الكبيرة وغير ذلك، ثم هي تفرقت بدورها إلى شِيَع وإلى فِرَق كالأزارقة والنجدات والبيهسية والصفرية والإباضية، وغير ذلك من فرق انبثقت عن الخوارج، لمَّا كانت الخوارج تكفر مرتكبَ الكبيرة وتخرجه من ملة الإسلام وتحكم عليه بالنار والخلود فيها، وُجِد من يناقضها،... |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
|
|
... فيرى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان الملائكة والأنبياء، وأنه مخلَّد في الجنان، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فكانت المرجئة. |
|
 |
وهكذا هذه السبئية التي كانت بذرة للشيعة والباطنية، وهذه الخوارج بفرقها المختلفة، وهذه المرجئة وما انبثق عنها من غُلاة المرجئة ومرجئة الفقهاء وغيرهم، ووُجد بعدُ مَن يخالف رأي المرجئة والخوارج، كما جاء رجل يسأل إمام التابعين الحسن البصري -رحمه الله تعالى- عن حكم مرتكب الكبيرة، وأنه رأى أناسا يقولون عنه: إنه مؤمن كامل الإيمان، وأناسا يقولون عنه: كافر مخلد في النيران، فماذا تقول يا إمام الدين؟ ففكر الحسن وقتا؛ لأن الأمر ليس سؤالا يجاب عليه فحسب، بل هو فتنة يريد القضاء عليها، فإذا بتلميذه واصل بن عطاء يقول: أرى أنه في منزلة بين المنزلتين، ليس بالمؤمن ولا بالكافر، لكنه مخلد في النار، واعتزل شيخه وجلس جانبًا من المسجد يُدرِّس الناسَ قوله هذا الذي قاله "المنزلة بين المنزلتين"، فقال الحسن البصري رحمه الله: "اعتزلنا واصل"، وعُرِف واصل وتلامذته من ذلك اليوم باسم المعتزلة، وأنشئوا فرقة وجعلوا لها أصولا ومبادئ، وأهم ما عندهم الأصول الخمسة عند المعتزلة، فمن لم يؤمن بهذه الأصول الخمسة لم يكن اعتزاليًّا. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
|
 |
ثم تتابعت الفرق حين اختلف الناس في باب الأسماء والصفات مثلا، وقد كان السلف في هذا الباب على نحو ما تعلَّموا من نبيهم -عليه الصلاة والسلام- وكما جاء القرآن في ذلك يمدحهم: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)) [آل عمران: ٧]، كما في الآية بطولها (( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)) [آل عمران: ٧]. |
|
 |
فكان السلف على هذا المعنى، فيما عبَّر عنه امتدادهم بعد ذلك في الأسماء والصفات؛ نقول: نثبت لله -عز وجل- ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- بغير تحريف ولا تكييف، ولا تأويل ولا تعطيل ولا تمثيل، سبحانه سبحانه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
|
 |
ومع وضوح تلك العقيدة عند السلف الصالح -رضوان الله عليهم- إلا أنه وُجِد من يُجسِّم هذه الصفات ويُمثِّلها، وقد عُرِفوا بالمشبهة أو المجسمة، وردُّ فعل لهم من ينفيها ويعطلها، حتى قال أحد السلف: المشبهة يعبدون صنما، والمعطلة يعبدون عدما، ووُجِد من أرادوا أن يوفقوا بين الآراء أو أن يمسكوا العصا من منتصفها، فتأولوا الأسماء والصفات، والتأويل ظني وليس يقينيا، وقد مال إلى هذا التأويل الأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم. |
|
 |
فهناك إذًا الممثلة والمعطلة والمؤولة، وهم فرق في باب الأسماء والصفات خالفوا ما عليه سلف الأمة في هذا الجانب، فهم بذلك فرق.
أقول: وفي ذات الوقت الذي وقع فيه الخلاف في مثل هذه الأمور، ارتبطت الأسماء والصفات بالقضاء والقدر، وقد ترتب على ذلك وجود فرقة كالجبرية والقدرية والإبليسية، وهم في ذلك يخالفون أهل السنة والجماعة في باب القضاء والقدر، وهؤلاء الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي -رضي الله عنه وأرضاه- الخوارج الأول الذين عُرِفوا بلقب المُحكِّمة الأولى، ثم توالت الفِرق مِن بعدهم كالأزارقة والنجدات العاذرية والبيهسية وغيرهم.
في ظل هذه الفتن وهذه الفرق، وُجدَ أناس اعتزلوا هذه الفتن، وأخذوا بمبدأ العزلة، واعتزلوا الدنيا واعتزلوا تلك الفتن والخلافات، وكانوا بمنأى عن ذلك كله، وهؤلاء عُرفوا فيما بعد باسم الزهاد، وهي مدرسة الزهد الأولى، وذلك مع نهايات القرن الأول وبدايات القرن الثاني. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
 |
وهناك من أقام لنفسه خلوة ليعتزل فيها، لكن الناس أمدوا هؤلاء الذين أقاموا في خلواتهم بالطعام والشراب، وأقاموا لهم التكايا وأكثروا لهم الهدايا؛ حتى طمع آخرون في هذا الرزق الوفير الذي صار لهؤلاء الزهاد، وأرادوا أن يكونوا تلامذة لهم، مع الفارق الكبير بين الأساتذة والتلامذة؛ فالأساتذة اعتزلوا زهادة في الدنيا ورغبة في الآخرة، أما هؤلاء التلامذة فأرادوا أن يكونوا مع أساتذتهم رغبةً في الدنيا قبل أن يكون زهادة فيها، فلم يكونوا على شاكلة الأساتذة، بل خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وهذا لا يعني أن الأساتذة معصومون، بل يصيبون ويخطئون، لكنهم أهل سنة وأهل فضل امتدحهم من عرَفهم ومن جاء بعدهم، فهم أئمة على العين والرأس لكنهم بشر ليسوا معصومين، أما تلامذتهم فخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم. |
 |
لكن المصيبة فيما وقع بعد ذلك، أن أناسا دخلوا الإسلام وفيهم فلسفات قديمة وأفكار جاهلية، على رأسها فلسفة وَحدة الوجود أو الاتحاد والحلول، فاندسّوا في خَلَوات هؤلاء الناس الذين أكثر بعضهم من لبس الصوف، حتى عُرِفوا باسم المتصوفة أو الصوفية من كثرة لبسهم الصوف، فاندس في خلواتهم الفلاسفة، وخرج من خرج منهم على الناس بفلسفة وحدة الوجود والاتحاد والحلول كالحلاج وابن عربي وغيرهما، ثم دخل في هذا الباب من لا يحسنه وأراد أن يرتزق من ورائه؛ فوُجدت صوفية الأرزاق، ومن هو شر منهم صوفية الرأس الذين لبسوا لباس المتصوفة، وهم لا يعرفون عن التصوف شيئا ولا عن الإسلام الكثير، بل ما يعرفون من الإسلام إلا اسمَه ومن التصوف إلا رسمَه. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
|
 |
وهكذا وُجدت صوفية الحقائق والأرزاق والرسم، وصوفية الحقائق فيهم أهل السنة والجماعة من الأساتذة كالفضيل بن عياض وابن المبارك وسفيان الثوري وشقيق البلخي ومعروف الكرخي، فيهم التلامذة، فيهم الفلاسفة، والفلاسفة شر من وُجد على ظهر الأرض، بل أكثر من اليهود والنصارى عياذًا بك اللهم، فكانت فرقة في الوقت الذي تعاطف الناس مع آل بيت النبي -عليه الصلاة والسلام- حين قُتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- وذلك في كربلاء فيمن قُتل من أهله، وفيمن شُرِّد من آل البيت، فقويت بذرة الشيعة، ثم راحت هذه الفئة تنقسم على نفسها أقساما وتختلف في الآراء، حتى وُجدت من بينها الباطنية، ففيها الإسماعيلية والأغاخانية، وفِرَق أخرى باطنية. |
|
 |
كل ذلك من هذه الفرق المشار إليها في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (( وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فِرقة، كلها في النار إلا واحدة )) ومن بين هاتين الثنتين والسبعين فرقة النارية، فِرق والت أعداء الإسلام، وأنكرت معلوما من الدين بالضرورة، كهذه البهائية والبابية والقاديانية، وفرق نشئت في الهند على عين الإنجليز أعداء الله، أرادوا من هؤلاء أن يمنعوا الجهاد حتى تستقر أقدامهم في البلاد التي احتلوها، فزعموا لهم نَسْخَ فريضة الجهاد، بل وتطوعوا باعتقاد نسخ شريعة الإسلام التي جاء بها النبي الخاتم محمد -عليه الصلاة والسلام- والباب، وقد ادعوا أنه باب المهدي حتى زعم لنفسه الألوهية، ومن بعده البهاء على نفس الوتيرة والشاكلة، وإن اندثرت البابية فقد بقيت البهائية. ثم جاء من بعدهما ميرزا غلام أحمد القادياني، وادعى أنه خاتم النبيين أو خاتم المرسلين، ومضت فرقته القاديانية تزعم نسخ شريعة الجهاد، ثم تزعم نسخ شريعة الإسلام؛ هذه فرق أيضا. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
|
 |
وإذا مضى بنا التاريخ إلى عصرنا الحديث، وجدنا فِرقا تنطوي تحت راية الإسلام والإسلام منها براء؛ حيث نجد فِرقا تدّعي إنكار السنة ويتسمَّون بالقرآنيين، يؤمنون بالقرآن ولا يؤمنون بالسنة، وهذه فرقة مارقة عن الدين، ونجد من يزعم أنه مسلم شيوعي أو ماركسي يجمع بين إسلامه الذي وُلد عليه وبين أفكار ماركس التي تتلمذ عليها، أو ربما أخذ من ماركس بعض مبادئه كالشيوعية في المال، أو بعض مبادئه في الاقتصاد، وحتى شيوعية النساء، وهذه فرقة مارقة، والعلمانية التي ترى الإلحاد في أصلها وأنه لا دينية، لكنها تطورت حتى فصلت الدين عن الدولة، فتلك فرقة، وكذا الماسونية التي جعلت ولاءها لليهود، بغَضّ النظر عن هذا العضو الماسوني، وبغض النظر عن دينه ووطنه وغير ذلك، إنما ولاؤه الأول والأخير لهذه الماسونية في تحقيق أهدافها، ووجدنا من المسلمين من ينطوي تحت هذه الراية، هذه فرقة، لكنها مرقت عن الدين. |
|
 |
وهكذا يمضي بنا الحديث في بيان هذه الفِرق، فيجتهد العلماء في بيانها قديما وحديثا، كالشهرستاني في (الملل والنحل)، والبغدادي في (الفَرق بين الفِرق)، وغيرهما من العلماء الذين اجتهدوا في إحصاء هذه الفرق الثنتين والسبعين الهالكة، أو النارية، وتبقى الثالثة والسبعون هم كما وصفهم النبي -عليه الصلاة والسلام- الجماعة، الذين عرفوا بهذا المصطلح "أهل السنة والجماعة"، وهم الذين وصفهم النبي -عليه الصلاة والسلام- في وصف عملي فقال: (( ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) . |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
 |
إنهم أهل السنة والجماعة، الذين تَبِعوا القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فسلكوا الصراط المستقيم، ولم تزغ بهم الأهواء، ولم تنحرف بهم الآراء، لم يتبعوا الفِرق، ولا سلكوا مسلك الطُّرق، إنما ساروا على نحو ما قال الله عز وجل: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [الأنعام: ١٥٣]. |
 |
إنهم ليسوا خوارجَ ولا مرجئةً، ولا شيعة ولا معتزلة، ولا راية لهم ولا اسم لهم ولا رسم لهم، إلا أنهم على القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، ينطوون تحت هذه الراية ويبحثون عن الحق، فالحق وجهتهم، والحق جماعتهم، إن الجماعة أن تكون على الحق ولو أن تكون وحدَك، قد يكونون في الناس طائفة كما بين النبي -عليه الصلاة والسلام- هذه الطائفة قلَّ عددها أو كثُر ما داموا يبحثون عن الحق فهم أهل السنة والجماعة، يتمسكون بهذا الدين تمسكا نظريا وعمليا، ويجاهدون في سبيل رب العالمين، ويحرصون على قول الحق ولو تحملوا في ذلك ما تحملوه. |
 |
ويوم أن وُجدت فتنة خلق القرآن وانتصر لها ملوك وأمراء، كان أهل السنة والجماعة على التمسك بالحق الذي عرَفوه من كتاب ربهم -عز وجل- وسنة نبيهم -صلى الله عليه وآله وسلم- حتى إن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- ناله في سبيل ذلك الأذى والشيء الكثير، وأصرَّ -رضي الله عنه- على موقفه يتحمل تبعة ذلك حتى لا يُضلَّ الناس، حيث قال: "القرآن كلام الله، وغير مخلوق". |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
|
 |
ومن كثرة ما ناله من المحنة مع ثباته على ذلك، عُرِف -رحمه الله تعالى- بإمام أهل السنة والجماعة، وإن كانت أهل السنة والجماعة مبدوءةً بأصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ومؤسسها الأول هو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. |
|
 |
وهكذا يستبِين لنا من خلال حديث الفرقة: (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) قصة تاريخ الأمة، وما وقع فيها من فرقة بدَت جذورها مع العهد الأول ومع القرن الأول، وإن كان النبي -عليه الصلاة والسلام- شهد للقرون الثلاثة الأُوَل بالخير، لكن وقعت الفرقة في هذه القرون، وانتشر خطرها وعم ضررها فيما بعد ذلك، ولا تزال الفُرقة تعصف بالمسلمين إلى يوم الناس هذا. |
٢.٢ أهم أسباب الفرقة، التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية
|
 |
وهذه الفُرقة طاعون شرس، وداء خبيث، ومرض فتاك، إذا ما حلّ بأمة قتلها وفتك بها، فلتحذر الأمة من أسباب الفرقة ومن هذه الفتنة، وتعمل جاهدة على أن تكون من أهل السنة والجماعة، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، مستمسكة بالحق، تدعو إلى الوحدة والائتلاف والبعد عن الفرقة والاختلاف، كما تدعو إلى الأُلفة والاعتصام والبعد عن الفرقة والانقسام، والله عز وجل هو الذي يوفق في هذه الوحدة وتلك الألفة، فإن فُرقة الأمة ليست قدَرَا مبرَما، إنما هو أمر ارتبط بأسبابه، وإذا زالت الأسباب يمكن أن تصبح الأمة أمة واحدة كما أرادها الله -عز وجل: (( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)) [المؤمنون: ٥٢]، كذا قال: (( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء: ٩٢]، وما تكرر هذا المعنى إلا لحرص الإسلام على دعوة المسلمين للوحدة، واجتماع الكلمة حتى لا ينال أعداؤهم منهم. |