١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


اعلم -رحمك الله- أن الفرقة بين المسلمين ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب، بل لها بذورها وجذورها، وأصولها البعيدة التي تمتد بها إلى القرن الأول الهجري، وحتى حاضرنا هذا المؤلم، فقد بدت الفرقة تطل برأسها منذ هجرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وصحبه الكرام -رضوان الله عليهم- إلى المدينة المنورة، وقد أسست دولة الإسلام الفتية، وقد حرص النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على أن يقيمها على أسس قوية، ودعائم متينة، وصلات صحيحة فيها صلة المسلم بربه، مرموزًا إليها بالمسجد: (( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) [التوبة: ١٠٨]، وصلة المسلم بإخوانه المسلمين، فكان الإخاء بين الأوس والخزرج، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، في أُخوة ما عرفت الدنيا لها مثيلًا من قبل ولا من بعد: (( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) [آل عمران: ١٠٣].
ثم دعامة ثالثة وهي صلة المسلم بغير المسلم، فانبنت على المعاهدات بين المسلمين واليهود، وقامت على أن اليهود لهم حق الجوار، وحق النصرة وحماية المدينة، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، في وثيقة ملؤها العدل وملؤها السماحة، ما عرفت الدنيا مثل هذا العدل ولا هذا البر ولا تلك السماحة، التي أرساها النبي -صلى الله عليه وسلم.

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


ووفى النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكن اليهود لم يوفوا؛ لأن اليهود أهل غدر وأهل خيانة ونقض للعهود، نعم نقضوا العهود من أول الأمر، وتوالى عداؤهم لهذا الدين، وأحزن اليهود وأفزعهم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- دعاهم للدخول في دينه، ولم يجعلهم خارجًا عن دائرته، وخافوا على دنياهم وعلى سيادتهم، سيما من كان سيتوج ملكًا عليهم، هذا المدعو عبد الله بن أبي بن سلول.
فكشروا عن أنيابهم، وأعلنوا عن عدائهم، وأظهروا كراهيتهم للإسلام ولنبيه -عليه الصلاة والسلام- ولدعوته الجديدة، ثم عادوا فجبنوا، فتظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر، فظهر النفاق والمنافقون، وحرص المنافقون أشد الحرص على تفريق كلمة المسلمين، يعاونهم اليهود في ذلك، وقد استخدموا في ذلك أساليب شتى، منها ما حكاه القرآن الكريم: (( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) [آل عمران: ٧٢].
ومنها أنهم بنوا لأنفسهم مسجدًا له مهام معينة، حددها القرآن الكريم، أهمها تفريق كلمة المسلمين كما قال تعالى: (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) [التوبة: ١٠٧].

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


ثم كان حرصهم الأكبر على نقض دعامة الأُخوة، التي أرساها النبي -صلى الله عليه وسلم- بين المسلمين، وكان ذلك فيما بين الأوس والخزرج، وقد قام بهذا الدور شاس بن قيس -عليه لعنة الله- وذلك حين آخى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بين الأوس والخزرج، وتناسوا الحروب التي كانت بينهم، والتي طال زمانها حتى أكلت الأخضر واليابس، فقد آخى النبي -عليه الصلاة والسلام- بينهم، وألّف الله -عز وجل- بين قلوبهم كما قال تعالى: (( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)) [الأنفال: ٦٣]، فجلس الأوس والخزرج يتضاحكون ويتمازحون، فمر شاس بن قيس، ذلك اليهودي الذي أسن في يهوديته، فرأى الأوس والخزرج يتضاحكون ويتمازحون فإذا به يقول: "والله لا مكان لليهود، إذا اجتمعت كلمة هؤلاء"، ثم أمر شابا يهوديا أن يدخل بينهم، وأن يحرش بينهم، وأن يذكرهم بما كان بينهم من حروب وعداوات، وأن ينشدهم من الأشعار التي قالوها يوم بُعاث، في حرب كانت بين الأوس والخزرج.
فدخل الشاب اليهودي، واستطاع أن يأخذ خيط الكلام، وأن يذكِّر الأوس والخزرج بما كان بينهم من حروب، وأنشدهم بشيء مما قالوه من الأشعار، حتى حرّك فيهم الحمية الجاهلية، وتسابّ رجلان من الحيين الأوس والخزرج، ثم وثبا على خيلهما وقد قال أحدهما للآخر: "إن شئتم، والله أعدناها حربًا جذعة فتية –أي: شابة قوية- كما كانت يوم بعاث"، فتنادى الفريقان بالسلاح، وتواعدا بالحرة خارج المدينة.

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


وهناك ترامت الأخبار إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، أنقذ أوسًا وخزرجًا، فقد تواعدوا على القتال بالحرة، فخرج النبي -عليه الصلاة والسلام- مسرعًا في من معه من المهاجرين، ووقف بين الصفين ونادى بأعلى صوته: (( الله الله، أتتقاتلون وأنا بين أظهركم؟! الله الله، أتعودون كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، بعد أن نزع الله عنكم عَبِيّة الجاهلية وهداكم للإيمان؟! )) .
وقد وقعت الكلمات موقعها من نفوس الأوس والخزرج، حتى وقع منهم السلاح، وسقطت منهم السيوف وألقوا بها، والتزم كل فريق الآخر، وأخذوا يبكون وندموا، وعلموا أنها مكيدة من مكائد اليهود، ونزغة من نزغات الشيطان، فتابوا واصطلحوا، وانقضت هذه المسألة، وانتهت هذه الفتنة بفضل الله -عز وجل- ثم بوجود النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهم.
هكذا كان حرص اليهود على أن يُوقعوا الفرقة بين الأوس والخزرج، كما حاولوا مرة أخرى عن طريق المنافقين، أن يُوقعوا الفرقة بين المهاجرين والأنصار، وقام بهذا الدور في تلك المرة عبد الله بن أبي بن سلول -عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين- وذلك عند عودة المسلمين من غزوة بني المصطلق، وقد نزلوا منزلًا، وأرسل الأنصار مولى من مواليهم، يدعى سنانا، وأرسل المهاجرون مولى من مواليهم يدعى جهجاه، من أجل أن يأتوا بالماء، فتنازع جهجاه مع سنان عند البئر على الماء، هذا يريد أن يأتي بالماء للمهاجرين، وذاك يريد أن يأتي به للأنصار، فقال جهجاه: "يا للمهاجرين"، وقال سنان: "يا للأنصار".

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


وتحرك بعض الفريقين، وذهبوا وتناوشوا بالكلمات عند البئر، وربما تناوشوا بشيء آخر، ودبّ بينهم الخلاف ووقع بينهم النزاع، وهناك أدركهم النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: (( دعوها؛ فإنها منتنة )) . لعل البعض فهم: دعوا هذا الماء فإنه منتن، أو دعوا تلك البئر فإنها منتنة فتركوها، وأراد عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم: دعوا الفتنة ودعوا الفرقة ودعوا العصبية؛ فإنها منتنة، وابن سلول راح يقول: "هكذا وصل بنا الحال، نازعونا على الماء ونازعونا في كذا وكذا، صار الأمر بيننا وبينهم كالمثل القائل: سَمِّن كلبك يأكلك، جوع كلبك يتبعك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
وهكذا أرادها ابن سلول فتنة بين المسلمين، وفرقة بين الأنصار والمهاجرين، لكن الله -عز وجل- أذهب كيده وأخفقت حملته، ومع ذلك فقد راح لعنه الله يبذر الخلافات ويثير الشائعات، حتى اختلق حديث الإفك، الذي أوجد مرة أخرى فرقة بين الأوس والخزرج، حين سألهم النبي -عليه الصلاة والسلام- عن رجل يتهمه في عرضه، إنه ابن سلول هذا الذي أشاع الأمر، وقال عن عائشة -رضي الله عنها- وقد تخلفت عن الركب وجاء صفوان بن المعطل -رضي الله عنه وأرضاه- يحملها على مرأى ومسمع دون هودج، فقال: "زوجة نبيكم باتت مع رجل، ثم جاء يحملها، والله ما نجت منه ولا نجا منها". وأخذ يروج لتلك الحادثة ولهذا الإفك، والذي انقطع معه الوحي شهرًا، حتى بلغ الأمر مبلغًا كبيرًا، وبعد ذلك جاء اليسر والفرج من الله عز وجل، وتنزلت آيات البراءة من السماء: (( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [النور: ١١] الآيات.

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


وهكذا ظل دور المنافقين ينشط في تفريق كلمة المسلمين، ويزرع بذور الضغائن والعناد، ويغرز وسائل الفتنة والفساد، ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد، فلقد كشف مؤامراتهم وفضح أسرارهم، وأظهر مكنوناتهم، فلم تفلح لهم خطة ولم تنجح لهم مؤامرة، وباءت كل جهودهم بالفشل بفضل الله تعالى، مع نزول الوحي من السماء، حتى أيقنوا بالفشل والهزيمة، وراحوا ينتظرون انقطاع الوحي من السماء بموت النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قتله.
وقد استبطئوا الأجل، فحاولوا قتل النبي -عليه الصلاة والسلام- كثيرًا، وهمّوا بما لم ينالوا، ولكن الله تعالى عصمه منهم (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) حتى مات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بانتهاء أجله، وإن كان متأثرًا بسم الشاة المسمومة، التي أهدتها له امرأة من يهود خيبر، حين قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لأم بِشر: (( لقد عاودتني أكلة خيبر، والآن أحس بانقطاع أبْهَري )) وكان ذلك في مرض موته -صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما انقطع الوحي من السماء بموت النبي -صلى الله عليه وسلم- خرجت الأفاعي من جحورها؛ لتزاول دورها في فرقة المسلمين والقضاء على هذا الدين، وهم بمأمن من فضيحة وحي السماء لهم أو كشف مؤامراتهم؛ ولذلك مما لا يخفى أنه كان لهم دور لا بأس به في أيام خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- بما عرف بحروب الردة، ولكن كانوا بعيدين عن الأعين.

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


وفي خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- أحدثوا بعض المناوشات، وأوقعوا بعض الفساد الذي جعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يبادر بإجلائهم عن جزيرة العرب. ومن بعيد دبّروا لمقتل فاروق الأمة عمر -رضي الله عنه- ولتفريق الكلمة، وقام بتنفيذ المؤامرة أبو لؤلؤة المجوسي -عليه لعنة الله- وانكسر باب الفتنة بمقتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- شهيدًا في المحراب، ولم ينغلق، ولو فتح لانغلق، ولكنه انكسر فلم ينغلق.
إنه بمقتل فاروق الأمة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أطلت الفتنة برأسها من جديد، لتعمل بكل قواها، وتؤدي دورها في كل اتجاه علمي أو عملي، ديني أو سياسي، ولئن كانت الفتنة التي عمل على إيجادها اليهود، وعلى إثارتها المنافقون، لم تنجح من قبل في تفريق الكلمة أو تمزيق الصف، فإن الفتنة من بعد مقتل عمر -رضي الله عنه- وفي أيام خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قد نجحت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبدأت تؤتي ثمارها الخبيثة، في اختلاف ذات البين وتمزيق الصف وضعف الأمة.
والذي تولى كبرها في هذه المرة هو عبد الله بن سبأ، المعروف بابن السوداء سود الله وجهه، ذاك الذي تظاهر بالإسلام، وبحبه لآل بيت النبي -عليه الصلاة وأزكى السلام- فراح يقول بوصاية علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أي: إنه وصيّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأولى الناس بعده بالخلافة، ويذكر في هذا أحاديث قد وضعها كذبًا على النبي -عليه الصلاة والسلام- من ذلك: لكل نبي وصي ووصيي علي، ثم أخذ يذم أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما وأرضاهما- ويتهمهما بأنهما قد انتزعا الخلافة من علي -رضي الله عنه.

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


والأدهى من ذلك ما افتراه باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على سيدنا عثمان -رضي الله عنه- من افتراءات ما أنزل الله بها من سلطان، واتهامات ليس لها من الحقيقة نصيب ولا من الواقع رصيد، ولكنه أشاع ذلك في الناس، وانتقل في الأقطار والأمصار، وكتب به الكتب وأرسل به الرسائل والرسل؛ يؤلّب الناس على عثمان -رضي الله عنه- فلقي آذانًا استمعت له، ورعاعًا صاروا جندًا له.
وجاء الثوار من الأمصار، خاصة من مصر والكوفة، وخرج الخوارج على عثمان -رضي الله عنه- وثاروا عليه، واجتمعوا حول بيته، وما انفضّوا حتى قتلوه رضي الله عنه وأرضاه، وهؤلاء هم الخوارج أصحاب الفتنة، هم أصحاب عبد الله بن سبأ وتلاميذه ومؤيدوه، ولم يكن فيهم أحد من خيرة الصحابة -رضي الله عنهم- وإنه بينهم وبين خيرة الصحابة أبعد مما بين الحضيض والقمة، بل أبعد مما بين الشر والخير.
ورحم الله ابن تيمية حين قال في كتابه (منهاج السنة): "إن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان، لا قتل ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض، من أوباش القبائل وأهل الفتن، وكان علي -رضي الله عنه- يقول: اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر، والسهل والجبل".

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


وهؤلاء الذين شاركوا في الجناية على الإسلام، بمقتل أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- طوائف على مراتب، فيهم الذين غلب عليهم الغلوّ في الدين، فأكبروا الهنات وارتكبوا في إنكارها الموبقات، ومنهم الذين ينزعون إلى عصبية جاهلية، يبغضون شيوخ الصحابة من قريش، ولم تكن لهم سابقة في الإسلام، فحسدوا أهل السابقة من قريش على ما أصابوا من مغانم شرعية؛ جزاء جهادهم وفتوحاتهم، فأرادوا أن يكون لهم مثلها بلا سابقة ولا جهاد، وفيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم، فأضغنوا في قلوبهم الإحْنَة والغل لأجلها، وفيهم الحمقى الذين استغل السبئيون ضعف عقولهم، فدفعوهم إلى الفتنة والفساد والعقائد الضالة، وفيهم من أثقل كاهله خير عثمان ومعروفه نحوه، فكفر معروف عثمان، عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة والتقدم؛ بسبب نشأته في أحضانه، وفيهم من أصابهم من عثمان من التعزير؛ لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام، فأغضبهم التعزير الشرعي من عثمان، وفيهم المتعجلون بالرئاسة قبل أن يتأهلوا لها اغترارًا بما لهم من ذكاء خلاب، أو فصاحة لا تغذيها الحكمة، فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبّانِه، وفيهم أهل الفتنة وعلى رأسهم السبئيون والمنافقون، وفيهم وفيهم.
وعلى الإجمال، فإن الرحمة التي جُبل عليها عثمان -رضي الله عنه- وامتلأ بها قلبه، أطمعت الكثيرين فيه، وأرادوا أن يتخذوا من رحمته مطية لأهوائهم، ولو صدق التاريخ لأوقفنا على نفسيات هؤلاء الذين خرجوا على عثمان -رضي الله عنه- وعلى أغراضهم ونوعياتهم؛ ليكون من ذلك الدرس والعبرة لطلاب التاريخ الإسلامي.

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


ولما قضى الله تعالى أمره وأمضى قدره، وذلك بمقتل ذي النورين عثمان -رضي الله عنه- علم أن الحق ألا يُترك الناس سدى، وأن المسلمين بعده مفتقرون إلى خليفة، مفروض عليهم النظر فيه، ولم يكن بعد الخلفاء الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتُقى ودينًا، فانعقدت له البيعة، ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي -رضي الله عنه- لتدافع إليها الأوباش، فيقع ما لا يُرقع خَرْقُه، ولكن عليا -رضي الله عنه- أبى البيعة وتبرأ من الأمر، وابتعد عنه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار وقالوا له: "ننشدك الله، ألا ترى الفتنة؟! ألا تخاف الله؟!".
فلما رأى أن الأمر فرض عليه؛ انقاد إليه، حتى أتى الناس عليًّا وهو في سوق المدينة، وقالوا له: "ابسط يدك نبايعك، فقال: لا تعجلوا حتى يجتمع الناس، وحتى يتشاوروا".
وتمت له البيعة، وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي -رضي الله عنه- كبيعة إخوانه من قبل، جاءت على قدْرها وقدَرها وفي إبانها، وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة.
ولما استقر أمر بيعة علي -رضي الله عنه- دخل عليه طلحة والزبير ورءوس الصحابة -رضي الله عنهم- وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة ليأتيه منها بالجنود؛ ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في مقتل عثمان -رضي الله عنه- فقال لهما: "مهلًا علي، حتى أنظر في هذا الأمر".

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


ولكن تعجل طلحة والزبير وعائشة -رضي الله عنهم- الأمر، وخرجوا على رأس جيش يطالب عليًّا بالقصاص من قتلة عثمان، وإن كانوا أرادوا أن يتفقوا مع علي -رضي الله عنه- على الطريقة التي يتوصلون بها إلى ذلك، ولكن دسائس السبئيين وحرصهم على عدم الصلح، أدى إلى وقوع موقعة الجمل. هذا، وفي نفس الوقت لم يكن قد بايع أهل الشام وعلى رأسهم معاوية -رضي الله عنه- وقد تأثر الناس بمقتل عثمان -رضي الله عنه- تأثرًا عظيمًا، وعلقوا قميص عثمان وأخذوا يبكون حوله، ويطالبون بدم عثمان، وأرسل علي إلى معاوية يطلب منه البيعة، فرفض معاوية حتى يأخذ علي بالقصاص من قتلة عثمان.
وأما موقف علي من قتلة عثمان، فإنهم كانوا عند البيعة له مستولين على زمام الأمر في المدينة، ولم يكن في استطاعة علي ولا غيره أن يقف منهم موقفًا يستطيع فيه القصاص، في الوقت الذي حرص فيه السبئيون على إثارة الفتن والقلاقل، وإثارة الأحقاد والضغائن، وأخذوا ينفخون في الرماد، ويحاولون إسعار الحرب بين المسلمين مرة أخرى، ويحرضون شيعة علي ضد كل من يطلب بثأر عثمان وقصاصه، وخاصة معاوية الذي عزله علي عن الشام وامتنع من الخضوع لخلافة علي -رضي الله عنه- والتسليم بإمارته إلا بالشرط الذي اشترطه وهو القصاص، وتم تبادل الرسائل بين الطرفين، ولكنها لم تؤدِّ دورها؛ لوجود عناصر تفسد وسائل الصلح؛ لتحقيق أغراضهم ومآربهم. ومن هنا قامت معركة صفين بأحداثها المعروفة تاريخيًّا، وبما جرّت على المسلمين من شر مستطير، حيث كانت الشرارة التي نجمت عنها الفرق، ففي الوقت الذي اشتد فيه القتال دعا قوم إلى التحكيم، والناس ما بين مؤيد ومعارض، أو معارض أولًا ثم موافق بعد ذلك والعكس أيضًا،...

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


... ولكن هذا التحكيم ترتب عليه ما الله به عليم، وإن كانت فتنة التحكيم ليست كما صورتها كتب التاريخ في الروايات المشهورة، وإن كانت باطلة، لكن كان هناك تحكيم أدى إلى خلع علي -رضي الله عنه- ومعاوية عن إمرة الشام -رضي الله عنه.
وعلى المسلمين أن يختاروا واحدًا من بقية الستة، الذين مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ، ولكن هذه النتيجة لم تحقن دماء المسلمين، ولم توقف النزيف، ولم تؤد إلى صلح، ومن هنا خرجت الخوارج الذين كفروا عليًّا ومعاوية والحكمين، وكل من وافق على التحكيم، وجعلوا شعارهم: لا حكم إلا لله، وقالوا: أتحكمون الرجال في دين الله؟! وكان ما كان من أمرهم، كما ستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى.
هذا في الوقت الذي اندس فيه السبئيون في صفوف جيش علي -رضي الله عنه- ثم راحوا يزعمون مزاعم كقولهم بالوصية لعلي، وقولهم بالرجعة، وتكفيرهم لأبي بكر وعمر، ولعنهما مع غلوّ في محبة علي -رضي الله عنه- جعلتهم على طوائف؛ فمنهم من زعم له الألوهية وراح يقول لعلي: أنت أنت قال: ما أنت؟ قال: أنت الله، وقام علي -رضي الله عنه- بتحريق بعضهم ونفي بعضهم، وهو الذي قال:
                                                  لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا
                                                  أججت نارًا، ودعوت قنبرا

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


وقنبرًا هذا مولى علي الذي أجّج له النار، فأوقد النيران على الذين ادعوا ألوهيته، وهم يقولون له: الآن ازددنا يقينًا أنك أنت الله؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار.
وآخرون قالوا بالنبوة لعلي، حيث زعموا أن جبريل -الذي أطلقوا عليه لقب صاحب الريش- قد أخطأ، فبدلًا من أن ينزل على علي، نزل على محمد -صلى الله عليه وسلم.
ومن هؤلاء وأولئك تكونت نواة الشيعة وفرق الباطنية، الذين كانوا على النقيض من الخوارج، على نحو ما سنعرف هؤلاء وأولئك إن شاء الله، خاصة فيما يرتبط بأمر علي -رضي الله عنه.

١.٢ نشأة الفرقة بين المسلمين


فمن هنا نكون قد عرفنا بداية الفرق وكيف نشأت، حيث كانت بداية الفرق وحيث عُرفت بعد بأسمائها، وصار لها وجود في أرض الواقع؛ فهذه الشيعة تحب عليًّا وتناصره، وتنبثق منها الباطنية بآرائها وأفكارها، وتلك الخوارج تبغض عليًّا وتكفره، وهؤلاء توقفوا في الحكم على الأشياء، وأرجئوا فيها الأمر إلى الله تعالى، فكانت المرجئة، وحيث احتج أناس بالقضاء والقدر في مثل هذه الأمور وغيرها، وبدأ الناس يفهمون القضاء والقدر فهمًا خاطئًا، فوُجد في المسلمين من هم على طرفي نقيض، حيث القدرية ينكرون القدر ويقولون: لا قدر والأمر أُنف، أي: مستأنف، والجبرية على عكس ذلك، إذ يرون أن الإنسان مجبر على كل شيء قدرًا، وأنه كالريشة في مهب الريح، وينسبون الشر إلى الله تعالى، ووُجدت الإبليسية تتردد في إثبات القدر ونفيه، ومن حكم على الناس بالكفر لارتكابهم الكبيرة كالخوارج، ومن زعم أنه مؤمن كامل الإيمان كالمرجئة، ومن قال: هو في منزلة بين المنزلتين كالمعتزلة. وفي فترة عمّها الأمن وتوقفت الفتوحات، بدأ الحديث عن قضايا الدين في غوامض المسائل ودقائق الأشياء، فوقع الخلاف في الأسماء والصفات، فوجدت المجسمة والمعطلة والمؤولة، وحيث وُجد أناس يعتزلون الفتن، كانت مدرسة الزهد الأولى، ثم وقع التلاميذ في البدع والمخالفات، فكان المتصوفة، ومن خلالهم وُجد أصحاب الاتحاد والحلول.
وهكذا وجدت الفرقة وأطلت برأسها، وانتشرت في ربوع المسلمين، حتى وجدت بعد ذلك الباطنية بفرقها والبابية والبهائية والقاديانية، إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث، وفيه أهل الحداثة والتغريب والعلمانية والماسونية، كل هذا تحت عباءة الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.