٣.١ معنى الفرقة لغة واصطلاحًا، ومعرفة الفرق بين الفرقة والاختلاف
تعريف الفرقة
 |
معنى الفرقة لغة لها عدة معانٍ، فتكون من الفصل كما قال تعالى: (( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)) [الدخان: ٤]، وتكون من الفلق كقوله تعالى: (( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ)) [البقرة: ٥٠]، وتكون من الفرق كقوله تعالى: (( فالفاريقات فرقا))، وتكون من الفرقة والافتراق التي هي ضد الوحدة والتجمع، كما في قوله تعالى: (( فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)) [المائدة: ٢٥] فالفرقة ضد الوحدة، وتفرّق ضده: تجمّع وتوحّد، ومنه قوله تعالى: (( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا)) [آل عمران: ١٠٥]. |
|
 |
وهذا المعنى هو المراد في حديثنا عن الفرقة، وهو ما جاءت به جل آيات القرآن الكريم محذرة منه، وناهية عنه، ومنبهة على خطورته، ومحذرة من مغبته وعاقبته، ومثاله قول الله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)) [الأنعام: ١٥٩]، وقوله جل وعلا: (( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)) [البينة: ٤]، ومثلها كلمة المنازعة التي فيها النزاع الذي يؤدي إلى الفرقة، ويورث الفشل المنهي عنه في قوله تعالى: (( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ))، أي: قوتكم. |
٣.١ معنى الفرقة لغة واصطلاحًا، ومعرفة الفرق بين الفرقة والاختلاف
|
 |
وتذكر الفرقة ويراد بها الاختلاف، ولكن بينهما عموم وخصوص، فالعموم يكون بمعناها ويكون مرادفًا لها، وقد استعمل القرآن الكريم كلمة الاختلاف بهذا المعنى؛ لأنه لما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يفضي إلى التنازع، استعير ذلك للمنازعة والمجادلة في مثل قوله تعالى: (( فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ )) [مريم: ٣٧]، وكذلك: (( ولا يزالون مختلفين))، وقوله تعالى: (( إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ)) [الذاريات: ٨]، وقوله جل وعلا: (( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) [السجدة: ٢٥]. |
|
 |
وأما الخصوص الذي بينهما؛ أن الفرقة لا تكون بمعنى الخلاف، ولا يكون الخلاف بمعنى الفرقة، بل تكون الفرقة مذمومة على كل حال، ويكون الاختلاف منه ما هو محمود وما هو مذموم، فاختلاف أملاه الحق يكون محمودًا، واختلاف أملاه الهوى يكون مذمومًا. كما أن الاختلاف في الأصول يكون مذمومًا، والاختلاف في الفروع إن كان مبنيًّا على اجتهاد يكون محمودًا، وهكذا فلا شك أن الفرقة تغاير الاختلاف، وإن وردت بمعناه على سبيل العموم. |
 |
وأما الفرقة اصطلاحًا فهي: تباعد الأمة وتناحرها، ولا يتعلق بوجهات النظر، بل يكون من الغرور واتباع الهوى، وذلك يؤدي إلى شتات الأمة وضعفها، وسقوطها أمام أعدائها.
هذا، وبين الفرقة والاختلاف تغاير، نوضحه بعد بيان المعنى اللغوي والاصطلاحي للفرقة، فنقول: |
٣.١ معنى الفرقة لغة واصطلاحًا، ومعرفة الفرق بين الفرقة والاختلاف
٣.١ معنى الفرقة لغة واصطلاحًا، ومعرفة الفرق بين الفرقة والاختلاف
 |
ولأن الاختلاف يتعلق بالفروع ولا يكون في الأصول الأساسية، ويكون في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها، مثل وجهات النظر بين الناس، وهذا النوع من الاختلاف جائز؛ لأنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ولكن إذا أدى إلى تفرق المسلمين؛ فإنه يدخل ضمن الاختلاف المذموم، ويجب أن نعلم أن الخلاف في الفروع أمر واقع ما له من دافع، وقد وقع هذا الخلاف بين الصحابة -رضوان الله عليهم- دون أن يفرق كلمتهم أو يمزق وحدتهم، ومنه ما وقع في حياة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وما وقع بعد وفاته أيضًا. |
|
 |
ومثال ما كان في حياته -صلى الله عليه وسلم- اختلاف الصحابة -رضوان الله عليهم- في فهمهم لحديث: (( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة )) فلما خرجوا مسرعين، وحان وقت العصر دون الوصول إلى بني قريظة، فمنهم من قال: نصلي الصلاة لأول وقتها كما علمنا النبي -عليه الصلاة والسلام- ولا نؤخرها، ومنهم من قال: لا، قال لنا النبي -عليه الصلاة والسلام: (( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة )) ، فلنصلها في بني قريظة وإن تأخرت عن إبانها، فقالوا لهم: ما أريد منا هذا، ما أريد تأخير الصلاة، إنما أريد الهمة في الخروج والإسراع.
فأصر كل فريق على رأيه، الذين أخذوا بظاهر النص أبوا إلا أن يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وإن تأخر عن وقته، والذين أخذوا بمفهوم النص صلوا العصر في الطريق؛ حتى لا يؤخروا الصلاة عن وقتها، هكذا وقع الخلاف بين الصحابة، لكن دون أن يفرق جماعتهم، ودون أن يمزق وحدتهم. |
٣.١ معنى الفرقة لغة واصطلاحًا، ومعرفة الفرق بين الفرقة والاختلاف
|
|
ولما رجعوا في ذلك إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وسألوه عما عَنّ لهم، وعما فهموه من النص، فإذا بالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقر كلًّا منهما ويقول: (( كلٌّ على خير))؛ لأن هذا الأمر كان من باب الاجتهاد في النص، وما دام الأمر كذلك فهو اختلاف محمود، وليس مذمومًا إلا إذا أدى إلى التفرق.
إذًا الخلاف وقع في حياة النبي -عليه الصلاة والسلام- بين الصحابة لما كانوا بمنأى عنه، أما وهم قريبون منه، فسرعان ما كانوا يلوذون به ويرجعون إليه -عليه الصلاة والسلام.
|
|
 |
وأما ما وقع بعد وفاته -صلى الله عليه وآله وسلم- من الخلاف فهو كثير، وقد بدأ مبكرًا مع وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام- حيث وقع الخلاف في تغسيل النبي -صلى الله عليه وسلم: أنغسله في ثيابه، أم ننزع عنه قميصه -صلى الله عليه وسلم؟ |
|
 |
وكذا اختلفوا في مكان دفنه -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغهم الحديث: (( يدفن الأنبياء حيث ماتوا))، واختلفوا فيمن يتولى الخلافة من بعده؛ لعدم وجود نص صريح بتعيين الخليفة من بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- وإن كانت هناك مؤشرات قوية في اختيار أبي بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- ولكن عدم التنصيص عليه أوقعهم في خلاف، كما حدث في سقيفة بني ساعدة، فيمن يكون خليفة بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى انتهى بهم الأمر إلى اختيار أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه- وقد توالت الاختلافات بعد ذلك دون أن تنال من وحدة الأمة في شيء. |
كانت هذه نظرة عجلى حول الاختلاف، ومتى ظهر، والفرق بين الاختلاف والفرقة.