![]() |
الإسلام الدين العام لجميع الأنبياء والمرسلين، والرسالة الخاتمة المرضية التي ختمت بها الرسالات، على يد إمام الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وقد أنزل الله -عز وجل- قوله: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)) [المائدة: ٣]، فلا يسع أحد أن يتدين بغير الإسلام، الذي أنزله الله على خاتم الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [آل عمران: ٨٥]، وقال صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار )) . الإسلام هو دين الفطرة، وهو دين الهدى والرحمة، وهو دين اليسر ونفي الحرج، وهو دين العلم ودين العقل، والمسلمون هم خير أمة أخرجت للناس؛ لقول رب الناس -جل وعلا: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)) [آل عمران: ١١٠]، فالمسلمون هم الأمة الوسط بلا إفراط ولا تفريط، ولا تعصب ولا تسيب، هم الشهداء العدول على جميع الأمم، قال تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) [البقرة: ١٤٣] -صلى الله عليه وآله وسلم. |
![]() |
إن خير المسلمين هم أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة هم الصحابة -رضي الله عنهم- ومن تبعهم بإحسان في كل زمان ومكان، إنهم السلف الصالح أهل الاتباع والأثر وأهل الحديث والخبر، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، هذه أسماؤهم الكريمة ونسبتهم الشريفة، أهل السنة والجماعة: كل من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وآله وسلم- نبيًّا ورسولًا، ملتزمًا بالإسلام جملة، محكمًا شريعته استسلامًا وانقيادًا، وقد برئ من كل مذهب بدعي ليكون من أهل السنة والجماعة. وهذا يشمل جمهور الأمة الذين لم يخالفوا السنة في أمر كلي، ولم ينطووا تحت راية بدعية، ولم يكفروا سواد فرقة غير مرضية، إنهم وسط بين فرق الأمة جميعًا، لا يختص بهم مكان ولا يخلو عنهم زمان، ولا يخرجون في عقيدتهم عما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحب الكرام، فهم أهل العناية بالقرآن، وأهل الرعاية لسنة خير الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، إنهم يجتمعون على الاتباع وينبذون الفرقة والابتداع، ويوالون بالحق ويعادون بالحق، وبه يحكمون، لا تنفك سيرهم حسنة، كما أن عقيدتهم قويمة وشريعتهم مستقيمة، أخلاقهم ربانية ومسالكهم وسطية، وتربيتهم إيمانية. |
| إن أهل السنة والجماعة يتلقون عقيدتهم عن صحائح المنقول، والإجماع المتلقى بالقبول، وصرائح المعقول والفطرة القويمة، ويعتقدون أن الحجة القاطعة والمرجع الأعلى كتاب الله تعالى، والسنة النبوية الصحيحة، ولو كانت آحادًا، ولا يقدمون على كلام الله تعالى وكلام رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- كلام أحد، كائنًا من كان، ويعتقدون السنة حجة بنفسها في مسائل العقيدة والأحكام، ويتلقون نصوص الكتاب والسنة بالتعظيم والاستسلام، ويعتقدون اشتمالها على جميع مسائل الدين ولا سيما الإيمان، ويأخذونها مأخذ التعويل عليها والاعتماد، ويعتنون بجمع النصوص في كل باب، ويفهمونها بفهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والصحابة الثقات والأئمة الأثبات. يفسرون الكتاب والسنة بهما، ثم بأقوال الصحابة -رضي الله عنهم- ومن سار على منهاجهم، فإن لم يتيسر فبما صح من لغة العرب ولهجاتهم، ويفهمونها على ظاهرها المقبول، ويدرءون باطل التأويل، ويدفعون ما ظاهره التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل، ويعتقدون أن النصوص لا تأتي بمحالات القبول، وقد تأتي بما تحار فيه العقول، فإن وقع ما ظاهره التعارض فمرده إلى الوهم في صحة العقل، أو الثبوت والدلالة في النقل. لا عصمة لأحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا لإجماع الأمة إذا انعقد، وليس لآحادها عصمة، ويعتقدون أن الإجماع في الأحكام حجة قاطعة، وأن الخلاف السائغ موطنًا للسعة، وما اختلف فيه وجب رده إلى الكتاب والسنة، مع الاعتذار عن المخطئ من الأئمة، فلا يُعَصِّمون ولا يُؤثمون، أي: لا عصمة لأحد من الأئمة، ولا إثم على المجتهد إذا أخطأ. |
![]() |
ينبغي أن نفرق بين الخلاف في مسائل الاجتهاد، وبين المسائل التي لا يسوغ الخلاف فيها، ولا نعد مسائل الاجتهاد من الخلاف المذموم، ولا نأخذ بالخلاف الشاذ غير المستساغ، ولا نجري وراء زلات العلماء وهفوات الفقهاء، ولا ينبغي أن يتابَع الفقيه عليها، كما لا ينبغي التشنيع على الفقهاء بسببها، ولا تعارض بين ترك الإنكار والتضييق على المخالف في المسائل الاجتهادية، وبين التحقيق العلمي لها، وبيان ضعف المخالف والتحذير من مذهبه. للفرقة لغة عدة معان، والمقصود بها هنا الفرقة والافتراق التي هي ضد الوحدة والتجمع، وتذكر الفرقة ويراد بها الاختلاف، ولكن بينهما عموم وخصوص. أما الفرقة اصطلاحًا فهي تباعد الأمة وتناحرها، ولا يتعلق بوجهات النظر، بل يكون من الغرور واتباع الهوى، وذلك يؤدي إلى شتات الأمة وضعفها، وسقوطها أمام أعدائها. أما الخلاف وكذا الاختلاف أيضًا، فمعناه: أن ينهج كل شخص طريقًا مغايرًا للآخر في حاله، أو في قوله، والخلاف أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين؛ ولذلك فالخلاف منه المحمود والمذموم، والاختلاف علمي ونظري، وكلاهما لا يؤدي إلى تفرق الجماعة، ولا يمزق وحدة المسلمين. ولأن الاختلاف يتعلق بالفروع ولا يكون في الأصول الأساسية، ويكون في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها، مثل وجهات النظر بين الناس، وهذا النوع من الاختلاف جائز؛ لأنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ولكن إذا أدى إلى تفرق المسلمين؛ فإنه يدخل ضمن الاختلاف المذموم. |