٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


الروح في اعتقاد الهندوس

ثم يعقب الدكتور رءوف شلبي تحت عنوان "ملاحظة" يقول: في النصوص التي قرأتها باللغة الشرقية عبارات تفيد:
‌أن الروح لا تنتقل من بدن إلى بدن آخر.
‌ولكنها بعد أن تنال نصيبها من النعيم أو الجحيم تولد من جديد.
‌لم تبين النصوص محل هذه الولادة ولكنها ذكرت أن هذه العملية تكرر دون أن تصف المحل التي تحل فيه الروح.
‌غاية الأمر أن عملية تكرار نعيم الروح وعذابها، ثم ولادتها من جديد لها نهاية هي: أنّ الرّوحَ تَتّصلُ منفردة بربها؛ فتَعْرِفَ حَقيقتها، وعندئذ يكتب لها الخلود والبقاء.

ولعل هذا المعنى بعيد كل البعد عن مفهوم تناسخ الأرواح، أو لعل هذا مذهب في مفهوم تناسخ الأرواح، صحيح أن الشهرستاني قرر أن أصحاب التناسخ مختلفون في تقرير هذا المبدأ، لكنه عنف الهندوس ووصفهم بأنهم أشد الناس اعتناقًا في التناسخية، ولعل هؤلاء الذين وصفهم بذلك غير البرهانية؛ لأنه ينطبق عليهم وصف الشهرستاني لأصحاب الروحانيات، الذين أثبتوا متوسطات روحانية جاءت برسالة من عند الله في صورة البراهمة، التي نقلت عنها أسماء الريش، الملهمون الذي نزلت عليهم كتب الويدا.


٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


وإذن فليس صحيحًا على الإطلاق أن يقال: إن الهندوسية تقول بالتناسخ بمفهومه المصطلح عليه؛ أن تحل الأرواح في صورة حيوانات، ويُؤكد هذا النحلة الجينية، وهِي النِّحلة التي قامت تُعارض الهندوسية، تقول بتناسخ الأرواح، وهذا يُبَرهِنُ على أن الهندوسية لا تقول به؛ لأن الجينية قامت خاصة لمعارضة التدين الهندوسي.

ولست أدافع عن الهندوسية؛ فهي نحلة ضالة -ولا شك في ذلك- ولكنني أحب أن أكون أمينًا فيما قرأته من مصادرهم المباشرة أنهم يقولون ببغي نقل الروح إلى بدن آخر، ويقولون كذلك بعودة الروح إلى الوجود الذي يتكرر؛ حتى تخلص الروح إلى ربها، فتخلد في عالم السرور والبهجة، وذلك حسب منطقهم ولغتهم؛ فمن استطاع أن يثبت لهم تناسخًا بأدلة علمية، فلست مُحاجًّا ولا خصمًا في هذه القضية. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

وعن مسألة العمل والجزاء يقول: "كارما بهالا" هاتان عبارتان معناهما العمل والجزاء العمل "كارما"، والجزاء "بهالا"؛ فالأعمال الخيرة جزاؤها لا بد أن يكون خيرًا وحسنًا، والأعمال الشريرة لا بد أن يكون جزاؤها مثلها شرًّا ومقتًا؛ ولهذا فإن فكرة الخير والشر هذه تدفع الإنسان إلى أن يحرس دائمًا كل تصرفاته بفعل الخير، وأن يبتعد عن كل ما يفسد الخلق والسلوك والحياة.


٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


أنواع الجزاء

والجزاء الذي يعطى للمحسنين الخيرين ثلاثة أنواع:
سان شيتا: وهي النِّعم والآلاء التي يعيشُ فيها الإنسان حاليًا، ولها دوام في المستقبل.
و"بارابدا"؛ النِّعمُ التي نعيشُها في وقت محدود، وليس لها استمرار.
و"كريامانا" الجزاء الطيب الذي لم نحصل عليه في حياتنا المعاصرة، سوف نحصل عليه في الحياة المستقبلة بعد الموت، فالمحسنون الطيبيون في الدنيا الذي لا يحصلون على أجر في الدنيا سوف يدخر لهم جزاؤهم الطيب في الحياة الآخرة.

ويقولُ عن مسألة الخلاص أيضًا: الخلاص من جاذبية الدنيا: إنّ غاية الغايات للإنسان ليس فقط أن يقدم الخير لنفسه وللمجتمع، وليس فقط أن يرتفع عن الآلام والبلايا، ولكن غاية الغايات أن يتمكن من الخلاص من جاذبية الحياة الدنيا، التي يعبر عنها بلغة القوم "موسكا" والخلاص من جاذبية مشاغل الحياة الدنيا ليس بالموت والفناء، بل يُمكن الحصولُ على هذه الغاية والإنسان ما زال حيًّا، وذلك عن طريق الفداء والتضحية المستمرة، حتى يحصل على رضوان الإله "سانج هانج ويدي".


٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


على رضوان الإله الخالق، ووسيلة ذلك هي ممارسة رياضة "اليوجا" تلك الرياضة التي تقوم على أساس من التذكر والتفكير والصمت، وبهذه الرياضة يحصل الفرد على "جنانا" الوسيلة الوحيدة للخلاص من كل الآلام والبلايا والمصائب، تلك التي تأتي لتمحص الإنسان، وتدفعه إلى أعلى؛ ليحل فيه الروح المُقَدّس التي يشعر بسببها بسمو روحه، وترفعها على الشعور بالمصائب والآلام؛ فالبلايا في صورتها السهلة مثلما تفعله الأم بولدها، عندما تَربط يديه كي لا يأكل التراب؛ فهو يبكي ويتألم، ولكنها مسرورة؛ لأنها تدفع عنه شرًّا وبيلًا، وكذلك البلايا إنها تأتي بخير الإنسان، وعليه أن يتخلص منها بالرياضة والحصول على "جنانا".

فالرّجل المُتدين هو الذي يبتسم للأذى؛ فذلك أرقى أنواع الطب الروحاني، وبذلك أيضًا في الآلام والبلايا لا تترك أثرًا في البدن الجسماني، أما عن "اليوجا" التي هي وسيلة الحصول على السعادة الروحية "موسكا" فهي :
أولًا: الاتصال والوحدة مع الإله، وهي "جنانا يوجا".
ثانيًا: العملُ على أن يَحصُل المَرء على "جنانا" بأسلوب العبادة الخالصة، وفعل الخيرات وهي باللغة السنسكريتية "بهيكتي يوجا".
ثالثًا: أن يفعل المثل العليا دون انتظار شكر من الناس وهي بلغة القوم "كارما يوجا".
رابعًا: أن يعيش زاهدًا "تيبا" آمنًا خاشعًا متبتلًا وهي بلغة "رايجا يوجا".


٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


وهذه الفواصل الأربعة كلها مساو للبعض، وكلها يؤدي إلى بعض، وكلها مساو في الوسيلة التي تؤدي إلى الغاية، وهي "موسكا" أي: الخلاص والسعادة والسرور، ومِمّا يرتبط بهذه الفكرة؛ فِكْرَةُ الخَلاص من الشر، والوصول إلى السعادة والسرور، ما ذُكر في الديانة الهندوسية، تحت عنوان "المنجيات والمهلكات".
أولًا: المُهلكات: وهي النفس والنسيان، والغضب والسكر، والحيرة والحقد، وهذه الأمور الستة تتعلق بالوجدانات والأفئدة، وبقية المهلكات في ستة أفعال تتعلق بالهدم، وهي: أن تحرق مال غيرك، أن تسم غيرك، أن تمارس السحر، أن تحدث فوضى، أن تكون عنيفًا، أن تفتن الناس. ومن المهلكات أيضًا: سبع خصال هي: الجمال، الثراء، الذكاء، النسب الرفيع، الفتوة، شرب الخمر، الانتصار.
ثانيًا: المنجيات: "تليكايا" ومعناها: ثلاثة أسس للتعريف البشري، وكلمة "باري سدها" معناها الواجب تنظيفه وتطهيره، والمسائل المحتاجة إلى هذا التطهير بالقطع، تكون أساسًا للسلوك، وهي أُسس التفكير، أسس المحادثة، أسس الفعل، وتفصيل ذلك عندما يوجد التفكير الصالح يلحقه الحديث الصالح، وينتج عن ذلك الفعل الصالح؛ فتكون جميع السلوكيات صالحة، ومثمرة وطيبة.
أسس التفكير الصالح ثلاثة؛ وهي:
لا نؤجل ولا نرغب في شيء ليس حلالًا.

٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


لا نفكر بسوء أو بشر نحو أي من البشر.
لا ننكر الثواب الذي يدخره الله للصالحين.
أسس الحديث الصالح أربعة وهي:
عدم محبة الشتائم.
عدم محبة الألفاظ النابية.
عدم محبة الفتنة.
لا ينكر الوعد ولا يخلفه.
أسس الفعل الصالح ثلاثة؛ وهي:
لا يعذب أحدًا ولا يقتل نفسًا.
لا يسرق.

٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


لا يزني.

هذه باختصار المنجيات والمهلكات؛ حسب تبويب كتاب النحلة الهندوسية، نقلًا من مصادرها الأساسية، ولقد جانب الصواب كثير من كتاب الغرب وغيرهم؛ إذ عدوا هذه الصفات فنقصوا وغيروا، وفي مقدمة هؤلاء "المستر جلف صمويل داو" في كتابه (المجتمع ومشاكله) نقلًا عن كتاب (الأديان القديمة في الشرق) للدكتور رءوف شلبي رحمه الله تعالى.

وفيما يرتبط بذات القضية في كتاب (قصة الديانات) للأستاذ سليمان مظهر، قال عن ثواب الحياة الأخرى: وقال الكهنة البرهميون: إذا كنت صالحًا في هذه الحياة؛ فستجازى عن صلاحك في الحياة الأخرى، وتساءل القوم: أي حياة؟ فأجاب الكهنة: لكل كائن حي روح، وهذه الروح تأتي من براهما روح العالم، وبراهما لا يموت قط. وهكذا فإن روح الكائنات الحية التي تأتي من روح العالم لا تموت قط، وتساءلوا من جديد: إذًا ما الذي يحدث للروح عندما يموت الإنسان؟ وكان الجواب: عندما يموت الإنسان تخرج روحه من جسده، وتدخل على الفور جسد طفل ولد لتوه، فإذا كان الإنسان ممن يحيا حياة طيبة صالحة، ولد في طائفة أعلى، بينما يولد في طائفة أدنى إذا كان يحيا حياة فاسدة مليئة بالشر.


٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


وسأل بعض الناس: وما الذي يحدث للإنسان إذا هو استمر يحيا حياة فاسدة، بعد حياة أخرى أكثر فسادًا؟ فأجاب الكهنة مثل هذا الإنسان يظل يولد في طائفة أدنى من طائفته مرة بعد أخرى، وقد يولد عليلًا ليظل يشقى طوال حياته عقابًا له على ما أساء، بل وما من بأس في أن يولد حيوانًا أعجم، وقد يولد الإنسان الذي هو غاية في السوء فيلًا، وإذا صار فيلًا شريرًا؛ فإنه بعد موته يولد مرة أخرى كلبًا، وإذا كان كلبًا فاسدًا ظل ينحدر كلما ولد؛ حتى يولد برغوثًا أو بعوضة.

وأراد القوم أن يعرفوا السر الذي يجعل أرواح الصالحين من الناس تتجسد في طوائف أعلى، بينما يجعل أرواح السيئين تتجسد أجسامًا من الطوائف الدنيا، أو الحيوانات؛ فقال الكهنة: هناك قانون للحياة يقول: "جزاء الخير خير مثله، وعقاب الشر شر مثله" وهذا القانون اسمه "الكارما" ورأى الناس بالفعل أن هذا ما يجب أن يكون، فالعمل الصالح يجب أن يثاب عليه، والعمل السيئ يجب أن يعاقب عليه المرء، وبدا صوابًا لديهم أن يكون في الحياة مثل هذا القانون.


٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس


وظهر سؤال: ولكن ما الذي يحدث للمرء إذا هو استمر يحيا حياة صالحة بعد حياة صالحة أخرى؟ وأجاب الكهنة: إذن يثاب؛ فإذا كان رجل من طائفة غاية في الانحطاط يحيا حياة طيبة، فإنه يولد في المرة التالية في طائفة أعلى، وإذا ظل مواظبًا على الصلاح، يظل يرتفع مرة بعد مرة حتى يصبح كاهنًا برهميًّا، وماذا يحدث لو أن الكاهن ظل صالحًا، فبأية صورة يولد من جديد؟ عندئذٍ لا يولد مرة أخرى، فهنا تنتهي دورة الحياة، ولكن ما مصير تلك الروح التي تظل خيرة مع مجرى الزمن؟ إن أرواح الكائنات تأتي من "براهما" روح العالم؛ فعندما تنتهي الروح من دورة الحياة، تعود إلى روح العالم، وتتحد مع براهما، وهذا هو ما يسمى بـ"النرفانا" وتلك أعظم سعادة يمكن أن تتمناها روح، ومن هنا كان على كل الناس أن يحيا حياة صالحة، وألا يفعلوا الشر؛ حتى يمكن في الحياة أن يتحدوا مع روح العالم وأن يدخلوا النرفانا.

٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس



٢.٢ الروح في اعتقاد الهندوس