٣.١ الأديان في الهند


فكرة عن الأديان في الهند

جاء في (موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية) للدكتور أحمد شلبي ما يلي: "رأى مجموعة من علماء مقارنة الأديان ما مؤداه: أن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، وأنّ الاهتمام بالمعنى الإلهي، وبما فوق الطبيعة، هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية، كما ذكرنا أن هناك عوامل تقوي هذه الغريزة، من أهمها: اختلاف قوى الطبيعة، ومواجهة الإنسان لهذه القوى، وجهًا لوجه، وإحساسه بالضعف تجاهها".

والهند حقل رائع لتطبيق هذه المبادئ، فقد نشدت قوى الطبيعة وواجهها الإنسان الهندي وجهًا لوجه، وأحس بالضعف تجاهها؛ فأصبح متدينًا بطبيعته، يشغف بالروحانيات، ويسعى دائمًا إلى معرفة الله، ويتخذ الزهد وسيلة ليتخلص من دنيا المادة، وينتظم في دنيا الروح، وهيهات أن تجد هندوسيًّا لا يعبد عددًا من الآلهة؛ فالعالم عنده زاخر بها، حتى إنه يصلي للنمر الذي يفترس أنعامه، ولجسر الخط الحديدي الذي يصنعه الأوروبي، وللأوروبي نفسه عند الاقتضاء. وقد عرف الهنود القُدماء عبادة الحيوانات، وبخاصة البقرة، كما عرفوا قوى الطبيعة، وعرفوا كذلك عبادة عضو التلقيح؛ معتقدين أنه سبب الخلق، وكان هذا الإله يسمى عندهم "لينجا" وهي من اشتقاق كلمة إنجليزية "لينك" أي: صلة ورابطة، وفي العصور الآرية اندمج هذا الإله في الإله الذي تكون منه الثالوث الهندي.


٣.١ الأديان في الهند


وعبادة الهنود للحيوانات نشأت عن الفكر التوطمي، أو عن اعتقادهِم بأن الله يتجلى في بعض الأحياء؛ فيحل فيها فيحتمل حلوله في هذا الحيوان أو ذاك، أو لأنهم آمنوا بالتناسخ، فجاز عندهم أن يكون الحيوان "جَدًّا قديمًا"، أو صديقًا عائدًا إلى الحياة.

عبادة البقرة

من بين المعبودات سالفة الذكر: حظيت البقرة في الهند بأسمى مكانة، وهي من المعبودات الهندية التي لم تضعف قداستها مع كر السنين وتوالي القرون؛ ففي "الويدا" حديث عن قدسيتها والصلاة لها، ولا تزال البقرة حتى الآن تحتفظ بهذه القدسية؛ ففي الأدب المنسوب للمهاتما غاندي، تفسير لما حظيت به البقرة قديمًا وحديثًا من نفوذ ديني.

وفي مجلة تصدر في بومباي بالهند سنة ١٩٦٣ بها عدة مقالات عن عبادة البقر، نَقْتَبِس هُنا خُلاصة هذه المقالات، وأوّل ما نقتبسه نشيد من سامويدا نشرته المجلة في صفحة مُستقلة، داخل رسم تخطيطي للبقرة، ترجمة هذا النشيد: "صلاة إلى البقرة، أيتها البقرة المقدسة، لكِ التمجيد والدعاء، في كل مظهر تظهرين به، أنثى تدرين اللبن في الفجر وعند الغسق، أو عجلًا صغيرًا أو ثورًا كبيرًا، فلنعد لك مكانًا واسعًا نظيفًا يليق بك، وماءً نقيًّا تشربينه، لعلك تنعمين بيننا بالسعادة".


٣.١ الأديان في الهند


وهناك أسطورة تروى كمحادثة نقتبسها من المجلة، وهي محادثة جرت بين خنزير وملك، ونحن ننقلها فيما يلي: "ذهب الخنزير يومًا إلى ملك وهو يصلي أمام البقرة، ويعلن لها أنها معبوده الأثير عنده، فقال الخنزير للملك: متى ستعبدني؟! فثار الملك ونهر الخنزير، قائلًا: اخرج وإلا قتلتك. بكى الخنزير وانتحب، وقال: نعم، أنا أعرف أنك تحب فقط لحمي، فأنا أموت لأقدم لك ما تحب، ومع هذا؛ فإنك تعبد البقرة ولا تعبدني، فأجاب الملك: إنك أحمق أيها الخنزير إنني آخذ لحمك بعد موتك، أي بعد أن تكون في حال لا تستطيع أن تمنح، ولا أن تمنع، وسرعان ما ينتهي لحمك. أما البقرة فإنها تقدم لي طعامي طائعة وهي حية، وكذلك تستمر في تقديمه من يوم إلى يوم دون نهاية، إنها رمز الإيثار ولذلك فأنا أعبدها".

رأي المهاتما غاندي في عبادة البقرة

فجدير بأن نفسح له مكانًا وأن نحاول أن ننقله كله أو جله من هذه المجلة، وهو بعنوان: "أمي البقرة" وفيما يلي ترجمة أهم ما جاء به: "إن حماية البقرة التي فرضتها الهندوسية هي هدية الهند إلى العالم، وهي إحساس برباط الأخوة بين الإنسان وبين الحيوان، والفكر الهندي يعتقد أن البقرة أم للإنسان، وهي كذلك في الحقيقة، إنّ البقرة خير رفيق للمواطن الهندي، وهي خير حماية للهند، عندما أرى بقرة لا أعدني أرى حيوانًا؛ لأنني أعبد البقرة وسأدافع عن عبادتها أمام العالم الأجمع.


٣.١ الأديان في الهند


وأمي البقرة تفضل أمي الحقيقية من عدة وجوه: فالأم الحقيقة ترضعنا مدة عام أو عامين، وتطلب منا خدمات طول العمر نظير هذا؛ لكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائمًا، ولا تطلب منا شيئًا مقابل ذلك سوى الطعام العادي، وعندما تمرض الأم العادية تكلفنا نفقات باهظة، ولكن أمنا البقرة لا نخسر لها شيئًا ذا بال.

وعندما تموت الأم الحقيقية تتكلف جنازتها مبالغ طائلة، وعندما تموت أمنا البقرة تعود علينا بالنفع كما كانت تفعل وهي حية؛ لأننا ننتفع بكل جزء من جسمها حتى العظم والجلد والقرون. أنا لا أقول هذا لأقلل من قيمة الأم، ولكن لأبين السبب الذي دعاني لعبادة البقرة؛ إنّ ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبادة والإجلال، وأنا أعد نفسي واحدًا من هؤلاء الملايين".

وأما الآلهة الأخرى التي يعبدها الهنود؛ فهي ترتبط بالظواهر الطبيعية، الآلهة من الظواهر الطبيعية، من آلهة الآريين التي وردت في كتبهم المقدسة، مجموعة من الظواهر الطبيعية مثل: وارونا إله السماء، إندرا إله الرّعد، الذي يُسبب الأمطار، وكانت له الغلبة فيما بعد، الشمس وكانت تُعبد في خمسة أشكال؛ فتعبد لذاتها باسم سوريا، وتعبد كمصدر للانتعاش باسم ساوتري، وتعبد لتأثيرها في نمو الحشائش والنبات باسم بوشان، وتعبد كبنت السماء باسم مترا، وأخيرًا باسم وشنو أي النائب عن الشمس ثم استقل وشنو فعبد لذاته.


٣.١ الأديان في الهند


أيضًا: أغنى إله النار، أوشا إله الصبح، رودرا إله العواصف، بارجينيا إله المطر والمياه والأنهار، وايواتو إله الرياح.

ويعلق الكاتب هنديوسم على كثرة الآلهة بقوله: إن هذه الديانة توزع الآلهة حسب المناطق، وحسب الأعمال التي تناط بهذه الآلهة؛ فلكل منطقة إله، ولكل عمل وظاهرة إله.

ويقول مولانا محمد عبد السلام الرنبوري: كانت الأمة الهندية متسامحة في كل ما يعرض عليها من الأفكار والمعتقدات تكثر عندها الآراء والابتكارات، وكان الناس حيارى مُشرفين على القبول والمعاضدة، عقائدهم متضاربة، وأفكارُهم متباينة؛ فشتْ فيهم رهبانية، وسرت فيهم باطنية، قامت حلقات الفكر في كل نواحي القطر، يتزعمها العرفاء والعلماء، ونشأت دراسات أخلاقية، قصدها العامة والخاصة.

قد عمت الرياضات الشاقة المتعبة في سبيل حصول السيطرة على القوة الكونية، ورجى التبتل في الكهوف؛ للمراقبات النفسية، والانقطاع في الغابات؛ لإتعاب الأبدان؛ لتبقى القوى الروحانية، وعلى هذا اشتهرت الهند بكثرة الأديان والمعتقدات التي تضارع في كثرتها لغات الهند، أو تقرب منها، وكانت الهندوسية أشهر هذه الأديان، وأوسعها انتشارًا؛ بل إنها الدين العام الذي حوى غالبية الهنود أو كلهم، وإذا تمردوا عليه أحيانًا، أو تمرد بعضهم عاد المتمردون بعد وقت قصير أو طويل إلى رحابه.


٣.١ الأديان في الهند


وقد وضح كتاب (هندوستم) السبب في ذلك بقوله: "إنه لمن الصعب أن يُطلق على الهندوسية دينًا بالمعنى الشائع؛ فالهندوسية أشمل وأعمق من الدين، إنها صفة لملامح المجتمع الهندي بنظامه الطبقي، ومكان كل طبقة فيه، إنها الحياة الهندية وأسلوبها الخاص، الذي يعتبر في ذاته شعيرة من الشعائر، إنها خليط يشمل الأمور المقدسة، والأمور الدنيوية جميعًا، إذ لا يوجد في الفكر الهندي حد فاصل بين الاثنين، إنها الاتجاهات الروحية والخلقية والقانونية، وهي إلى جانب ذلك مبادئ وقيود وعادات توجه الحياة الهندية، وتسيطر عليها.

و(الويدا) كتاب الهندوس المقدس، يشمل مبادئ الفكر الهندي في أكثر مراحله، ويمكن أن نقسم تاريخ الفكر الهندي إلى العصور التالية:

المرحلة الأولى

العصر الويدي: وكلمة ويدا أو فيدا، كلمة سنسكريتية معناها الحكمة والمعرفة، ولذلك أطلقوا على واضعيها كلمة أريشيون أو الحكماء والعارفون.
العصر الويدي الأول ويشمل ثلاث مراحل فرعية:

٣.١ الأديان في الهند


مرحلة انتشار الأفكار البدائية، وعبادة قوى الطبيعة: سواء في ذلك ما جلبه الآريون، أو ما كان نابعًا من البيئة الهندية، ويبدأ ذلك من القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وفي الويدا معلومات مفيدة عن هذه المرحلة.
مرحلة تدوين الويدا، وتأويلها على أيدي البراهمة، ويُسمى هذا التأويل البرهمانات، وتبدأ هذه المرحلة من حوالي القرن الثامن قبل الميلاد؛ فقد ظهر في هذا العصر جماعة من أهل العلم والنظر اهتموا بالشئون الدينية، وفكروا في عقائدهم، فأدى التفكير بهم أو ببعضهم إلى آراء مغايرة للعقائد الموروثة؛ تكون مذهبًا هو "البرهمة". ويرى ريري سدلت أن البراهمة قاموا بهذا التأويل لمصلحتهم، وليجعلوا امتيازاتهم مقدسة، ثم إنهم لاحظوا أن الاتصال بدأ يتم ويتعمق بين جنسهم وبين السكان الأصليين؛ فأرادوا أن يضعوا نظام الطبقات؛ ليحولوا بين تمام الامتزاج، وبهذه المرحلة تبدأ الهندوسية التي لا تزال موجودة.
مرحلة تلخيص الويدا في أسفار مقدسة تسمى "الأوباميشدات"؛ وهي مرحلة تبدأ من القرن السادس قبل الميلاد وتستمر إلى ما بعد الميلاد بعدة قرون.


٣.١ الأديان في الهند


المرحلة الثانية

عصر الإلحاد في رأي أتباع الويدا، وفيه ظهرت الديانة الجينية، والديانة البوذية، وضعفت الديانة الويدية ابتداء من القرن السادس قبل الميلاد.

المرحلة الثالثة

العصر الويدي الثاني هو عصر عودة النصر للويدا وانتصارها على ديني الإلحاد: الجينية والبوذية، ولكن مع التوسع في شروح الويدات، وبيان الخصائص الدينية والاجتماعية التي وردت بها. ومن أهم هذه الشروح قوانين "منو" التي وضعت حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، وبقوانين منو هذه تتضح الهندوسية.

وبهذا تصبح أكبر الديانات في الهند متمثلة في الديانات الثلاث: الهندوسية، والجينية، والبوذية. مع ما لهذه الديانات من كتب مقدسة لدى الهنود.


٣.١ الأديان في الهند



٣.١ الأديان في الهند