٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


التوزيع الجغرافي لأديان الهند الكبرى

الهند بلاد الأسرار والأساطير، كما يقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه: (أديان الهند الكبرى). وهي مجتمع شعوب وطبقات، بل مجتمع مجتمعات، تكثر فيها الأديان، وتتعدد اللغات والألوان، وحديثنا عن الهند يشمل أيضًا ما يُسمى الآن باكستان وبنجلاديش. لمحة عن جغرافية الهند:

تبلغ مساحة الهند "مليون ومائتين وواحد وعشرين ألفًا، واثنين وسبعين ميلًا مربعًا، أو ما يعادل مساحة دول أوروبا مجتمعة باستثناء روسيا، والهند ذات موقع مهم على خريطة العالم، وهي شبه جزيرة تشبه في منظرها قارة أفريقيا بوجه عام، فهي عبارة عن مثلث غير منتظم الأضلاع؛ قاعدته إلى أعلى ورأسه إلى أسفل، وقاعدته جبال الهملايا الشامخة، ورأسه رأس كوماي.

والهند بلاد مقفلة كما يسميها الباحثون، فضلعا المثلث في الشرق والغرب يدور حولهما البحر، أما قاعدة المثلث في الشمال فتحيط بها جبال الهملايا، وجبال سليمان، ويحتضنها نهران عظيمان:
أحدهما: نهر الأندوس السند، وينبع من جبال الهملايا، ويَصُبّ في خليج العرب، بعد أن يتصل بأنهار البنجاب؛ الأنهار الخمسة.
والآخر نهر كنكا أو نهر الكينج وهو ينبع أيضًا من جبال الهملايا ويصب في خليج البنجال بعد أن يتصل بنهر براهما بوترا المقدس.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


ويشق الهند عند منتصفها تقريبًا سلسلة من الجبال والأدغال تبدأ من الغرب، وتسير حتى قرب الساحل الشرقي، وهذه السلسلة تقسم الهند قسمين: يَخْتَلِفُ أحدهما عن الآخر في طبيعته، وفي سكانه وحضارته، ومن نهر الأندوس أو السند اشتق اسم الهند، وظهرت كلمة أندوهند، ومعناها الأرض التي تقع فيما وراء الأندوس، وسمي سكان هذه البلاد الهنود أو الهندوس.

وعن تسمية الهند يقول "جوستاف لوبون": يرى الغربيون أن نهر السند أندوس أعار من اسمه اسمًا للبلاد الحافلة بالأسرار الواقعة فيما وراءه، ولا يُسلم بهذا تمامًا، بل يحتمل اشتقاق اسم الهند من اسم الإله أندرا.

ويجاور الهند ممالك بلخستان، وأفغانستان في الشمال الغربي، والتركستان في الشمال، والصين في الشمال والشمال الشرقي، وبورما في الشمال الشرقي كذلك.

وحضارة الهند قديمة جدًّا وقد أنتجت تربة الهند فلاسفة عظامًا قبل أن يولد سقراط، وانتشرت في الهند معاهد العلم، ووجدت المباني الضخمة في عهد كانت الجزر البريطانية تعيش في بربرية وفوضى.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


والهند بلاد العجائب والمفارقات حتى يمكن اعتبارها أقطارًا في قطر، فلها كل الأجواء، بسبب اتساعها، وتفاوت ارتفاع بقاعها؛ فبينما يكونُ الحرُّ شديدًا للغاية في سواحل ملبار وكور، ومندل، وسهول البنجاب ترى ربيعًا ساحرًا في قمم بعض الجبال، وثلوجًا تغطي شواهق هملايا، وبينما يغمر الفيضان بعض الأراضي، نرى مناطق أخرى أعيى أهلها الجفاف، وطلب السقيا، وبينما ترى الصحارى الجرداء والأرض القاحلة، إذ بك ترى الغابات الكثيفة والمروج الخضراء والمزارع الفينانة.

وعن مفارقات الهند يقول "ريرانس": في الهند الحديثة يتقابل وجهًا لوجه الشرق في عصور بدائيته، مع الغرب في عصور حضاراته وتطوره، ومن مظاهر ذلك: الطائرات النفاثة التي تشق الجو؛ لتقيم شبكة مواصلات بين مدن الهند بعضها والبعض الآخر، في حين لا تزال أشهر وسيلة للمواصلات داخل المدن عبارة عن الركشة، وهي مركب ذو ثلاثة عجلات يركبه شخص أو شخصان، ويدفعه حطام من بني آدم.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


سكان الهند

الهند مركز من مراكز الحضارات القديمة في العالم، وهي في هذا تضارع مصر والصين وآشور وبابل، ولكن حضارة الهند التي سبقت العهد الآري، ظلت غير معروفة حتى أظهرت الاكتشافات الحديثة مدى الرقي الذي عرفته الهند في الشئون المعمارية والزراعية والاجتماعية قبل الميلاد بحوالي ثلاثة آلاف من الأعوام، أي: قبل الغزو الآري بحوالي ألف وخمسمائة عام، ولكن التاريخ الواضح للهند ارتبط بالعهد الآري.

فقد قلنا فيما سبق: إن الهند تعتبر بلادًا مقفلة؛ إذ تحيط بها البحار والجبال ويصعب اقتحام الهند عن طريق البحر؛ لتعذر الملاحة في خليج البنجال، ولأن الشاطئ الهندي لبحر العرب عبارة عن جبال عاتية، وعلى هذا لم يكن البحر معبرًا للهند، وبخاصة في الأزمنة السالفة، قبل الرقي بنظم الملاحة، وكما صعب اقتحام الهند عن طريق البحر، صعب أيضًا اقتحامها عن طريق جبال هملايا الشامخة في الشمال، إلا أن هناك معبرين كان كل منهما منفذًا سلكته أجناس من البشر إلى الهند، حيث تكون السكان الذي نريد أن نتكلم عنهم.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


ويقع أحد هذين المعبرين في شرقي جبال هملايا، عند وادي نهر براهما بوترا، ويسمي الباب الشرقي، ويقع الثاني غربي هذه الجبال، ويسمى الباب الغربي، ومن هذين البابين اقتُحمت الهند عدة مرات بأجناس مختلفة، ولهذا ولاختلاف أجواء الهند أصبح سكان الهند كما يقول "غوستاف لوبون": ذوي أمثلة متباينة؛ ففيها تجد شعوبًا بيضًا بياض الأوروبيين، كما تجد الزنوج والسود وبين هؤلاء وأولئك ألوان وألوان.

فمن الباب الشرقي دخلت الشعوب الصفراء، التورانيين أفواجًا منذ آلاف السنين، يضيق الزمن بينها أو يتسع، وقد فر من وجهها بعض السكان الأصليين، واحتموا بقمم الجبال، أما أغلب السكان الأصليين؛ فقد ارتبطوا بالزاحفين، وتم في الجنسين ألوان من العلاقات؛ أنتجت ما أصبح بعد حين يعرف بالسكان الأصليين، وكان هذا المجتمع الجديد يتكون من جماعتين: إحداهما يغلب فيها الدم التوراني، والثانية يغلب فيها الدم الهندي، أما الذين آووا إلى قمم الجبال؛ فقد أطلق عليهم زنوج الهند.

ومن الباب الغربي اقتحم الآريون بلاد الهند، وبهم ارتبط تاريخ الهند القديم، وأصل الآريين الجنس الأبيض مشكوك فيه، فيرى بعض الباحثين أنهم نشأوا ببلاد الدانوب بأوروبا، ثم هاجروا إلى آسيا عندما ضاقت بهم الأرض؛ متخذين طريق الشرق، حتى بحر مرمرة، ثم عبروا البسفور أو الدردنيل، إلى آسيا الصغرى، واستمروا في سيرهم شرقًا، متجنبين الحضارات المزدهرة التي قد نشأت في طريقهم؛ حتى نزلوا فارس بالقرب من تبريز، ومن هناك انحدروا إلى الهند.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


ويرى باحثون آخرون -وهو الأرجح: أن الجنس الآري آسيوي الأصل، كان يعيش في وسط آسيا في بلاد التركستان، بالقرب من نهر جيحون، ثم زحفت أفواج ضخمة من هذا الجنس، في أزمنة غير واضحة، واتجهت نحو إيران عبر الهند، واتجهت كذلك نحو أوروبا.

ويبدو أنّ الزحف الآري نحو الهند، قد تَمّ في القَرن الخَامس عشر قبل الميلاد، وقد حارب الآريون الممالك التي أقامها الجنس الأصفر بالهند، وانتصروا على الكثير منها، وكونوا لهم بها مناطق نفوذ، ولم يتصل الآريون بسكان الهند بطريق التزاوج، بل حافظوا غالبًا على سلالتهم البيضاء، وساقوا سكان الهند إلى الغابات والجبال، أو أخذوهم أسرى، وسماهم الأدب الآري المبكر أمة العبيد.

واستنصر الآريون عليهم بإلههم "أندرا"، ومن دعائهم في ذلك: "يا إلهنا أندرا، إننا قد أحاط بنا قبائل داسيو عبيد، من جميع الجهات، وهم لا يقدمون الضحايا، وليسوا بآدميين، ولا يعتقدون في شيء، يا مهلك الأعداء أهلكهم، وأهلك نسل داسا العبد".

والسبب في أن الآريين لم يتم التزاوج بينهم وبين الهنود هو: أن الآريين دخلوا الهند كشعبٍ مُهاجِر، لا كشعب مُحارب، والفَرْقُ كَبيرٌ بين الحالتين؛ فالجيش يكون عماده الرجال، الذين سرعان ما يتصلون بنساء الشعب المغلوب.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


أما الآريون؛ فقد دخلوا بثرائهم ونسائهم وأطفالهم، فلم يحتاجوا لنساء الهند للتزاوج، وكان عدم الحاجة للنساء مع الاستعلاء الذي يصحب النصر، من دواعي نشأة الطبقات، كما كان هذا من أسباب كثرة الألوان في الهند.

أما مدى نفوذ الشعوب الصفراء التورانيين، والبيض الآريين على الهند، فيوضحه "غوستاف لوبون" بقوله: والتورانيون أشد الغزاة تحويلًا لعروق الهند من الناحية الجسمانية، والآريون هم الذين تركوا أقوى الأثر في عروق الهند من الناحية المدنية؛ فمن التورانيين أخذ سكان الهند نسب أجسامهم، وتقاطيع وجوههم، وعن الآريين أخذ سكان الهند لغتهم ودينهم وقوانينهم، وسجاياهم وطبائعهم. ولم يتوارَ الآريون بالامتزاج في الهند بسرعة، كما توارى العرب في مصر؛ لأن عدم التزاوج ثم نظام الطوائف الحاسم، حال دون امتزاجهم في الهند بالتورانيين المقهورين زمنًا طويلًا، ولكن الامتزاج -على كل حال- تم بتعاقب القرون، ومع الامتزاج؛ فإننا نستطيعُ أن نَرى أنّ آثار الآريين الجسمانية لا تزال بارزة في الشمال الغربي؛ حتى العهد الحاضر، كما يقول "ويش".

ففي البنجاب نجد السكان أطول قامة، بشرتهم بيضاء، أو أميل إلى البياض، ملامحهم أدق، وهم بهذا يخالفون باقي الهنود، حيث تنتشر ملامح التورانيين، أو حيث توجد ملامح السكان الأصليين بالجنوب، وتقل ملامح الآريين كلما اتجهنا جنوبًا أو شرقًا، وبالتقاء الآريين والتورانيين مع السكان الأصليين بدأت الطبقات في الهند، وأصبحت ذات أهمية كبرى في تاريخ هذه البلاد.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


فمن الآريين كانت طبقة رجال الدين البراهمة التي تساوي "برهمن" وطبقة المحاربين "كسترا"، ومن التورانيين تكونت طبقة التجار والصناع "فسيا"، أما الهنود الذين اتصلوا بالتورانيين؛ فلم يَدخلوا التقسيم في أول الأمر، ولكن الحضارة الآرية امتدت إلى بعضهم بمرور الزمن؛ فأوجد الآريون منهم الطبقة الرابعة، وجعلوها طبقة الخدم والعبيد "شودرا".

أما الذينَ لم تمتد لهم الحضارة الآرية من السكان الأصليين؛ لأنهم انعزلوا عن الفاتحين، فقد بقوا بعيدين عن التقسيم، وظلوا طريدي المجتمع أو منبوذين، وسنتكلم فيما بعد عن هذه الطبقة. ومن العوامل الواضحة الأثر على سكان الهند جميعًا شدة الحرارة؛ ففيما عدا جبال الهملايا التي تكسوها الثلوج نجد درجة الحرارة في الهند شديدة طول العام تقريبًا، ويرى "ويش" أنّ شِدّة الحَرارة كان لها أثر في السكان؛ فقد تسبب عنها عزوفهم عن العمل، وسرعة التعب إذا عملوا كما تسبب عنها نقص في القدرة على الابتكار، وفي الكفاية والنشاط على العموم.

أما الناحية الرُّوحية؛ فتمتاز الهند بنصيب كبير فيها، ولكن ليس معنى هذا أن عامة الهنود على شيء من الصفاء الروحي، فإنه ليس في بلاد العالم كلها بلد تنمو فيه الخرافة وتزدهر كما تنمو في الهند، ولكن ذلك لا يقلل من نشاط الاتجاه الروحي في الهند؛ لأنّ الظروف الملائمة للخرافة والبدع، هي نفسها خير الظروف لصفاء النفس، فالاتجاه الروحي إذا سما أخذ وجهته نحو الفكر والعمق، وإذا كان ضحلًا أو مضطربًا أخذ طريقه نحو الخرافة.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


اللغات في الهند

واللغات في الهند كانت أكثر اختلافًا، وأكثر عددًا، وكانت الحياة القبلية المنتشرة بالهند، من أهم أسباب كثرة اللغات؛ فقد كانت كل قبيلة تكاد تكون مستقلة، تَعزِلُها الجِبَالُ أو الغَاباتُ أو الأنهار عن سواها من القبائل، ولها لغة خاصة بها، لا يعرفها سواها من القبائل أيضًا، وعلى هذا بلغت اللغات في الهند نحو مائتين وأربعين لغة، وثلاثمائة لهجة إذا صح ما يقوله "غوستاف لوبون" بالإضافة إلى الفَارسية التي كانت لغة رسمية للقصور، والمجتمعات الراقية في الهندوستان، والبهلوية وهي لغة المجوس.

وعلى هذا لم يكن من الممكن التّفاهم بين سُكّان المناطق المختلفة، وهذا مهد الطريق للغة الإنجليزية؛ لِتكون لغة عامة، بجوار هذه اللغات المحلية، وهناك لغة أخرى تكونت في القرن الخامس عشر الميلادي، وهي اللغة الهندوستانية وأصلها آري، ثم دخلت عليها كلمات كثيرة من اللغات الفارسية، والعربية، والهندية، والتركية، وتسمى الآن: "اللغة الأردية" نسبة إلى الأردو وهو المعسكر؛ إذ كانت لغة معسكرات المغول أولًا.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى


وانتشرت هذه اللغة بين المسلمين وغير المسلمين، وشجعها الملوك والسلاطين؛ حتى ضارعت اللغة الإنجليزية في عمومها وانتشارها، وأصبحت لغة رسمية بجوار الإنجليزية، ولما تم تقسيم الهند إلى دولتي الهند والباكستان، اعتبرت هذه اللغة لغة إسلامية في نظر كثير من الولايات الهندية؛ فاحتضنتها الباكستان، وترعرعت هذه اللغة في الدولة الإسلامية الكبرى.

أما في الهند فقد عانت الأردية صورًا من الاضطهاد في بعض الولايات، ولكن ولايات أخرى هندية اعترفت بها، مثل: بُومباي، وأندرو ومدراس، ومن العجب أن الذين كانوا يُهاجمون الأُردية من الهنود، كانوا يهاجمونها بها كما قال "التانتيد نهرو".

أما عن اللغات في الهند بعد التقسيم: فقد اتخذ الدستور الهندي اللغة الهندية، لغة رسمية للبلاد، وهي لغة قامت على أنقاض السنسكريتية، ولما كانت هذه اللغة غير شائعة؛ فقد رؤي الاستمرار في استعمال اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للبلاد؛ حتى تصل اللغة الهندية إلى الانتشار الكافي. وإلى جانب اللغة الهندية اعترف الدستور بثلاث عشرة لغة في مختلف ولايات الهند، وكل منها لغة حية ذات ذخيرة، ولها أدب يانع مترعرع.


٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى



٢.١ نبذة عن الهند الكبرى