...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


تعريف القومية
القومية فكرة وضعية نشأت أول ما نشأت في البلاد الأوروبية شأن غيرها من الحركات والأفكار التي تبحث عن التفلت من رابطة الدين ويلاحظ أن دعاتها قد اختلفوا في المفهوم الصحيح لها هل هي بمعنى: تجمع أمة من الناس وارتباط بعضهم ببعض هدفًا وسلوكًا وغاية، إما لانتمائهم إلى لغة واحدة –كما يرى القوميون الألمان- وإما لانضوائهم في عيشة مشتركة –كما يرى القوميون الفرنسيون– أم أنها لكليهما. أو أنها لغير ذلك من أمور سياسية واقتصادية كالاشتراك في المعيشة الاقتصادية -كما يرى الماركسيون- أو الاشتراك في التاريخ واللغة في البلد الواحد -كما يرى كثير من دعاة القومية العربية ساطح الحصري ومن سلك سبيله- بحيث يحسون أنهم جميعًا كتلة واحدة وأن ما يجري على البعض من آلام وآمال هو ما يجري على الكل فتقوم قوميتهم على هذا المفهوم.
إنه خلاف مرير بين القوميين على تعريف القومية ولكنهم جميعًا متفقون على أن إبعاد الدين -خصوصًا الإسلامي- أمر حتمي لانتعاشها.
والقوميون العرب دائمًا يصرحون بأن الدعوة إلى القومية ليس معناها الدعوة إلى الدين؛ لأن كل الناس عباد لله تعالى وكلهم يريدون الحياة السعيدة في الدنيا وما بعد الحياة الدنيا وهذا لا شأن للقومية به بل يعتبرون الدعوى إلى الدين دعوى ناقصة عن تحقيق طموحات القوميين بل إنها رجعية في نظرهم ويجب فصله عن الدولة أيضًا؛ انسياقًا مع مفاهيم الحركات الأوروبية التي قامت في البداية على القومية وحرب الدين.
بل وصل طمع دعاة القومية أن تكون بديلًا عن النبوات وأن نبوة القومية يجب أن يبذل لها كل غال ورخيص وأن يكون الإيمان بها أقوى من...

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


...كل الروابط وجعلوها في الكفة الأخرى مع الإيمان بالله تعالى وأنها يجب أن تكون هي الديانة لكل عربي وأخذوا يتباكون على مصير العرب حينما لا يتم تحقيق هذا الدين الجديد الذي سيخلص العرب من كل سيطرة أجنبية ويرفعون رءوسهم عالية أمام كل أجنبي –ليس بعربي (بزعمهم).
ولا ريب أنها دعوات جاهلية ليس وراءها إلا الخراب سواء أكانت الدعوة إلى القومية أو إلى الوطنية. فلا عزة للعرب ولا استرجاع لحقوقهم إلا بالتمسك بالدين الحنيف.
إن القومية والوطنية كلتاهما نعرتان جاهليتان خرجتا من أوروبا الجاهلية وفي هذا يقول برنارد لويس: "فالليبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشعوبية والاشتراكية كلها أوروبية الأصل مهما أقلمها وعدلها أتباعها في الشرق الأوسط، والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب المنطقة, وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة، وبالرغم من أن كل الحركات الإسلامية قد هُزمت حتى الآن؛ غير أنها لم تقل بعد كلمتها الأخيرة". أحلها القوميون والوطنيون محل الدين ورأوا أن الاجتماع عليها خير وأنفع من الاجتماع على الدين وذلك للاختلاف الواضح بين الناس في قضية التدين حسب زعمهم بخلاف القومية والوطنية التي تضم كل أفراد القوم وجماعاتهم ليكونوا مجتمعًا واحدًا لا خلاف فيه لاتحادهم التام في الانتساب إلى القومية. أما الوطنية التي تقبل كل تناقضات المذاهب المختلفة وهي في الواقع لا تقبلها كما يدعون بل ترمي بها كلها وتؤخذ بدلًا عنها شعار القومية، والوطنية، ومن هنا قدسوها ورفعوها فوق كل اعتبار واجتمعوا على التفاخر والتباهي بها حتى صار كل قوم يدعون أنهم هم أفضل الجنس البشري وغيرهم في الدرجة الدنيا ولهذا تسمع وتعجب حين يفتخر كل قوم أو كل شعب بأنهم أرقى أمة...

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


...وأفخرها فما دام قد انحل الوكاء فما الذي يمنع كل جنس أو قوم من الافتخار بل والتعالي على الآخرين راكبين كل صعب وذلول في تقرير ذلك فكثرت تبعًا لذلك القداسات المزيفة لهذه الفئات من البشر كما كثرت الأماكن والأراضي المقدسة عندهم كما يقتضيه شرح القومية والوطنية.

كيف ظهرت القومية؟
أساس ظهور القومية في شكل مذهب جماعي وله دعاته المتحمسون له كان من البلد المضياف لكثير من الآراء والمذاهب المختلفة –أوروبا– كما عرفت وكان سبب ظهورها هو نفس الأسباب التي أظهرت بقية المذاهب الفكرية فيها متوخية الرغبة الشديدة في هدم سلطة الكنيسة الطاغية التي سامتهم سوء العذاب –كما تقدم– إضافة إلى ما كان يعيشه الأوروبيون من شريعة الغاب والظلم والعدوان وسوء الأخلاق في معاملة بعضهم وعدم وجود الدين الصحيح الذي ينير لهم الحياة. فكان ظهور القومية هناك مظهرًا مشاركًا لبقية مظاهر الخروج والانفلات عن سلطة الكنيسة وقبضة رجالها، وكانت القومية هي إحدى معاول الهدم التي تكاثرت على الكنيسة بعد أن بدأت الكنيسة تترنح للسقوط النهائي إثر إفاقة الشعوب الغربية الأوروبية على واقعهم الشنيع من الذل والخوف والتنكيل والقتل الجماعي والجهل المركب والأحكام الجائرة على أيدي فئة تزعم أنها تمثل الرغبة الإلهية في كل ما تأتي وتذر، فظهرت القومية كغيرها من الأفكار الأخرى ووقفت من الدين وأهله نفس المواقف للنظريات الإلحادية الأخرى.

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


ويظهر أنه لم يكن لديهم أي جامع أو رابط يقدمونه لشعوبهم غير هذا الرابط الجديد الذي داروا حوله بكل جد وقدسوه إلى أن أوصلوه قريب الألوهية علهم يجدون فيه عزاءً عن الالتجاء إلى الإله الذي كان هو السبب في إذلالهم على أيدي رجال الكنيسة الذين كانوا يمثلونه في الأرض كما قرره زعماء الكنيسة الرهبان لهم لتحقيق شهواتهم وافتراء على الله تعالى. وعلى هذا فإن ظهور القومية في أوروبا وعامة دول العالم المسيحي إنما كان لتلك الأسباب الظاهرة وغيرها وكان لهم ما يبرر ذلك الخروج فيما ظهر من أحوالهم –وإن لم يكن مبررًا حقيقيًّا– وبعد خروجهم ذلك ألهوا كل ما راق لهم ومنها القومية التي قدسوها وزينوا أمرها لكل الشعوب لتكون العزاء والبديل عن الدين النصراني ورجاله.
يقول الندوي: ولا يزال القوميون في داخل البلاد وخارجها يزينون للشعوب الصغيرة القومية ويطرون أدبها ولسانها وثقافتها وتهذيبها ويمجدون لها تاريخها حتى تصبح نشوانة بالعواطف القومية والخيلاء والكبرياء وتدل بنفسها وتظن أنها مانعتها حصونها وما أعدت للحرب وتنقطع عن العالم وتتحرش أحيانًا بالدول الكبيرة غرورًا بنفسها أو تهجم عليها الدول فلا تلبث إلا عشية أو ضحاها وتذهب ضحية لقوميتها وانحصارها في دائرة ضيقة ولا يغني أولئك المسئولون عنها شيئًا، ((كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)) [الحشر: ١٦]. ضيات؛ ليلهو بها إلى حين. ومن الجدير بالذكر أن القومية كانت في نشأتها لا يرمي أهلها إلا إلى الخلاص من قبضة رجال الدين وتنفس الصعداء من الأغلال التي كانت عليهم. ولكن ما إن تم لهم ذلك الخلاص المنشود حتى انتقلوا نقلة أخرى فصاروا لا يقنعون بذلك الخلاص وإنما تطلعوا إلى ظلم الآخرين والبغي عليهم واستعمار الضعفاء من الناس واستعبادهم وحصل من وراء ذلك شر عظيم وفتن عريضة وحروب.

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


ثم انقلب السحر على الساحر فأصبحوا في دوامة القومية التي لا تعقل ولا ترحم ونبغت قرون الشر في رأس كل فريق من القوميين كل ينوح على ليلاه وكل فتاة بأبيها معجبة فانتعش بينهم فن المفاخرات لضرورة الحاجة إليه في ظل القومية التي لم يقم بناؤها في الأساس إلا على هذا المسلك البغيض في بداية تكوينها في أوروبا.
وبعد أن سار ركب القومية في أوروبا يحطم بعضه بعضًا وكثرت الحروب بينهم نتيجة التعصبات القومية الشعوبية الهوجاء عاد الأسد إلى عرينه فقام مفكروهم وقادتهم بالدعوة الجادة إلى نبذ القومية وأنها رجعية وليست تقدمية حضارية ويجب نبذها وأنها تمثل أفكار "هتلر" النازي حين قسم العالم على أساس عرقي أفضلهم ألمانيا. ولأن مسلك التقدم والحضارة لا يتماشى مع مسالك القومية الضعيفة، لفظتها أوربا لتقع في أيدي المخادعين والماكرين من النصارى العرب وغيرهم ليتموا حاجة في نفس يعقوب بعد أن بيتوا النية لحرب الإسلام كما سنذكر ذلك في موضعه.
يقول د. صلاح الدين المنجد: "تنبه العرب إلى فكرة القومية في أوائل القرن -الماضي- بعد أن مضى على موتها في أوروبا فترة طويلة بتأثير الغرب". ومما يذكره الباحثون عن القوميات الأوروبية وسبب ظهورها أن البدايات الأولى لظهور القوميات هناك، كان أثر النزاعات التي احتدمت بين رجال الدين الكنسي والملوك حول الأحقية بالسيطرة والأمر والنهي هل هم الملوك فقط أم رجال الدين فقط؟ وكاد أن يتم الحل بينهم على أن تكون السلطة الأمنية للملوك والسلطة الروحية للبابوات، إلا أن الأمور انحدرت إلى هاوية سحيقة كانت هي ثالثة الأثافي وهو النزاع الشرس الذي نشب بين رجال الدين أنفسهم وما وقع بين الكنائس من عداوات خرجت تباعًا عن الكنيسة الأم في روما وتعصبت كل كنيسة لآرائها: كاثوليك – بروتوستانت – إصلاحيات ... إلخ.

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


وانفلت الأمر وصار الحبل على الغارب فقام كل فريق بتكوين نفسه ومذهبه فانتشرت المذاهب والأفكار ومنها قيام القوميات على ذلك النحو وأخذ النزاع طابعًا قوميًّا.

أسس الدعوة القومية والهدف من ورائها
الدعوة القومية ظهرت في أوروبا وتأسست بتأثيرها دول مثل إيطاليا وألمانيا. يظهر الواقع أن الاستعمار هو الذي شجع الفكر القومي وعمل على نشره بين المسلمين حتى تصبح القومية بديلًا عن الدين، مما يؤدي إلى انهيار عقائدهم، ويعمل على تمزيقهم سياسيًّا؛ حيث تثور العداوات المتوقعة بين الشعوب المختلفة. يلاحظ نشاط نصارى بلاد الشام وخاصة لبنان، في الدعوة إلى الفكر القومي أيام الدولة العثمانية؛ وذلك لأن هذا الفكر يعمق العداوة مع الدولة العثمانية المسلمة التي يكرهونها، وينبه في العرب جانبًا من شخصيتهم غير الدينية، مما يبعد بهم عن العثمانيين. من بعض الجوانب يمكن أن يعد ظهور الفكر القومي العربي رد فعل للفكر القومي التركي الطوراني.ومن الجدير بالذكر أنها كانت في نشأتها لا يرمي أهلها إلا الخلاص من قبضة رجال الدين، وتنفس الصعداء من الأغلال التي كانت عليهم، ولكن ما إن تم لهم ذلك الخلاص المنشود حتى انتقلوا نقلة أخرى فصاروا لا يقنعون بذلك الخلاص وإنما تطلعوا إلى ظلم الآخرين، والبغي عليهم واستعمار الضعفاء من الناس، واستعبادهم، وحصل من وراء ذلك شر عظيم وفتن عريضة وحروب، ثم انقلب السحر على الساحر، فأصبحوا في دوامة القومية التي لا تعقل ولا ترحم، ونبغت قرون الشر في رأس كل فريق من القوميين.

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


تأثر القومية العربية بالقومية في أوربا
مما لا جدال فيه أن القومية عمومًا، سبق أن نشأت في أوربا قبل أن تطل بظلامها على الديار الإسلامية، ويرى كثير من الباحثين أن ظهورها في أوروبا كان في الفترة التي كان رجال الفكر والتحرر -كما يسمون أنفسهم- يبحثون عن بديل للعقيدة النصرانية الخرافية الجائرة والانفلات من قبضة رجال ذلك الدين الجامد المتخلف وكان ذلك في حدود القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين واشتد عودها في القرن التاسع عشر الميلادي. وقد أثنى دعاة القومية على الثورة الفرنسية التي كانت هي البداية الأولى لظهور القوميات؛ حيث عرف بعدها أن الحكم يجب أن يكون للشعوب وليس لفئة من الناس هم الحكام وأن الحرية يجب أن تشمل جميع الأمة بالتساوي وشعار الجميع الإخاء وأصبح هذا المبدأ الثلاثي: الحرية، المساواة، الإخاء؛ هو مصدر إلهام الجماهير في زعم دعاة القومية. وقد زعموا أن القومية العربية إنما أثارها التوجه الأوروبي للقومية حيث نشأ دعاة القومية العربية متأثرين بذلك التيار في أوروبا فأصبحوا يلهثون للحاق بركبهم، والواقع أن الذي أثار القومية العربية وكان لهم اليد الطولى في الدعوة إليها في بلاد المسلمين إنما هم النصارى العرب؛ لإدراكهم فائدة التفاف العرب المسلمين على القومية بدلًا عن الدين الذي لا يتوافق مع دمج المسلم وغير المسلم في حظيرة واحدة، فجاء القوميون العرب من النصارى وغيرهم وأخذوا يكيلون المديح لهذه القومية وأن العرب في حاجة شديدة إلى قيامها إن أرادوا العزة والمنعة واحترام سائر الأمم لهم بزخرف من القول وظلت تستعر نارها وتشتد تدريجيًّا من معين الحقد على الدولة العثمانية.

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


ظهرت بدايات الفكر القومي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين متمثلة في حركة سرية تألفت من أجلها الجمعيات والخلايا في عاصمة الخلافة العثمانية، ثم في حركة علنية في جمعيات أدبية تتخذ من دمشق وبيروت مقرًّا لها، ثم في حركة سياسية واضحة المعالم في المؤتمر العربي الأول الذي عقد في باريس سنة ١٩١٢ م. وفيما يلي إشارة إلى أهم الجمعيات ذات التوجه القومي حسب التسلسل التاريخي:
الجمعية السورية: أسسها نصارى منهم: بطرس البستاني وناصيف اليازجي سنة ١٨٤٧ م في دمشق.
الجمعية السورية في بيروت: أسسها نصارى منهم: سليم البستاني ومنيف خوري سنة ١٨٦٨ م.
الجمعية العربية السرية: ظهرت سنة ١٨٧٥ م ولها فروع في دمشق وطرابلس وصيدا.
جمعية حقوق الملة العربية: ظهرت سنة ١٨٨١ م ولها فروع كذلك، وهي تهدف إلى وحدة المسلمين والنصارى.
جمعية رابطة الوطن العربي: أسسها نجيب عازوري سنة ١٩٠٤ م بباريس وألف كتاب (يقظة العرب).
جمعية الوطن العربي: أسسها خير الله خير الله سنة ١٩٠٥ م بباريس، وفي هذه السنة نشر أول كتاب قومي بعنوان (الحركة الوطنية العربية).
الجمعية القحطانية: ظهرت سنة ١٩٠٩ م وهي جمعية سرية من مؤسسيها: خليل حمادة المصري.
جمعية (العربية الفتاة): أسسها في باريس طلاب عرب منهم محمد البعلبكي سنة ١٩١١ م.

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


الكتلة النيابية العربية: ظهرت سنة ١٩١١ م.
حزب اللامركزية: سنة ١٩١٢ م.
الجمعيات الإصلاحية: أواخر ١٩١٢ م وقد قامت في بيروت ودمشق وحلب وبغداد والبصرة والموصل، وتتكون من خليط من أعيان المسلمين والنصارى.
المؤتمر العربي في باريس: أسسه بعض الطلاب العرب سنة ١٩١٢ م.
حزب العهد: ١٩١٢ م وهو سري، أنشأه ضباط عرب في الجيش العثماني.
جمعية العلم الأخضر: سنة ١٩١٣ م، من مؤسسيها الدكتور فائق شاكر.
جمعية العلم: وقد ظهرت سنة ١٩١٤ م، في الموصل.
هذا؛ وقد ظلت الدعوة إلى القومية العربية محصورة في نطاق الأقليات الدينية غير المسلمة، وفي عدد محدود من أبناء المسلمين الذين تأثروا بفكرتها، ولم تصبح تيارًا شعبيًّا عامًّا إلا حين تبنى الدعوة إليها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حين سخر لها أجهزة إعلامه وإمكانات دولته. ويمكن أن يقال إنها الآن تعيش فترة انحسار أو جمود على الأقل. وكذلك أصبحت الدعوة في تركيا إلى القومية الطورانية التركية، والذين دعوا إلى القومية الطورانية التركية كانوا من اليهود، وهذا شيء ثابت؛ حتى إن أحد المؤرخين الأمريكان اسمه واتسون يقول: (إنه لا يوجد...

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


...أحد في حركة الاتحاد والترقي -الحركة القومية التركية- من أصل تركي حقيقي، وإنما هم من اليهود وغيرهم! -أي: يدعون إلى القومية التركية وليس فيهم رجل واحد من أصل تركي- والذين يدعون إلى القومية العربية ليس فيهم مسلم، وأكثرهم -أيضًا- أصولهم أعجمية ونصارى).

أهم مشاهير دعاة القومية
أبو خلدون ساطع الحصري
لقد تفانى هذا الشخص في الدعوة إلى القومية العربية بخصوصها وأعاد وأبدى فيها وجعلها دينه ومصدر إلهامه عليها يوالي وعليها يعادي –لحاجة في نفس يعقوب– وغرضه ربط العرب بها بدلًا عن ربطهم بدينهم وربطهم كذلك بالغرب قلبًا وقالبًا ومن الغرائب أن بعض الباحثين يذكر أن لغته الأصلية الأولى هي التركية وليست العربية فما الذي حمله على هذا التقديس للعربية والتعصب لها؟
وقد تأثر في دعواه إلى القومية بالقوميين الأوروبيين وحذا حذوهم إلا أنه كان يرى أن القومية ترتكز على أمرين هما وحدة الأمة. ووحدة التاريخ دون ما سواهما خصوصًا الدين الذي تواطأ على إبعاده جميع القوميين.
تنقل في مناصب مختلفة أهمها شغله وزارة التربية وقد وصف بأنه فيلسوف الفكرة القومية العربية ومرجع القوميين العرب وقد جد في دعوته إلى القومية بحذر شديد فكان يساير الحكام والمذاهب المختلفة الملحدة وغير الملحدة مع غمزه في دين الإسلام وتفضيل رباط القومية على رابطة...

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


...الإسلام وأن الإيمان بالقومية العربية يجب أن يكون في حسبان كل عربي وأن تجتمع الكلمة عليها قبل كل شيء، وأن انضمام الأقوام الذين يتكلمون لغة واحدة وتاريخهم واحد وآمالهم وآلامهم واحدة يجب أن يجعلوا القومية هي الرباط العام بينهم ويجب أن تقوم دولتهم وثقافتهم عليها. وأنحى باللائمة في تأخر ظهور القومية إلى تمسك الناس بحكامهم -ولم يقل: بدينهم؛ حذرًا منه- حسب تعاليم الأديان وكان هؤلاء يعيقون تطلع الشعوب إلى الانضواء تحت راية القومية لئلا يضعف الولاء للحكام حسب زعمه وكان دائمًا يثير الحماس في نفوس العرب ويبشرهم بأن النصر سيكون في النهاية للقومية وأنها ستكون هي الرباط الوحيد بين الشعوب وليس الإسلام الذي يطلب أن تقوم الشعوب بزعمه على التعصب له بعد أن تعقدت الأمور وظهرت النوازع السياسية المختلفة وتغير مفاهيم الناس.

مصطفى الشهابي
كان من النشطاء في الدعوة إلى القومية العربية وكان يسميها عقيدة القومية العربية وأن من يناضل في سبيلها فيصاب يسمى شهيدًا عنده، وزعم كذلك أن الناس في القديم كانوا يجتمعون على رابطة التدين ولكن حينما ظهرت العقيدة القومية أظهرت تفوقًا كبيرًا على رابطة التدين وأن العرب أحسوا حينما تمسكوا بالقومية أنهم سيحققون كل ما يريدونه لشعوبهم في السياسة وفي الاقتصاد وفي جميع مرافق الحياة بسبب وجود جامع اللغة فيما بينهم على مختلف ديارهم مضافًا إليها تاريخهم المشترك الذي يجدون فيه ما كان بين أسلافهم من التكاتف والتفاني وما قدموه من خدمة لبعضهم بعضًا على مر التاريخ وما أدت إليه هذه المواقف من قوة ومنعة وصمود في وجوه أعدائهم من غيرهم بزعمه.

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


فانظر كيف يرمي بأنظار الناس إلى التاريخ الجاهلي ويتناسى فضل الإسلام وكان يردد دائمًا أن الفرق بين القومية العربية والإسلام أن القومية أدق وأقوى في الارتباط؛ لأن العقيدة الإسلامية لم تقتصر على ما اقتصرت عليه القومية من شد أزر العرب فقط وإنما كانت شاملة للعرب وغيرهم؟!
ويرى أن رباط الإسلام لا يهتم بالعرب ولا يجعل لهم مزية على غيرهم أو احترامًا لحقوقهم الخاصة بهم ولا يعطيهم التميز الذي تعطيه لهم القومية العربية وهو تحريض سافر على إقصاء الإسلام عن الحياة.

محمد معروف الدواليبي
من مشاهير دعاة القومية العربية والمغالين في تقديسها وقد زعم أن العرب قبل أن ينتبهوا للقومية العربية كانوا في فراغ مميت وانحطاط شديد وأن ظهور دعاة القومية العربية من تباشير الخير العميم ودعا بكل حرارة إلى أن يجند كل عربي نفسه لخدمة القومية وإعلاء شأنها والإيمان الراسخ بعقيدة انتشار القومية وانضواء كل العرب تحت رايتها التي سترفرف فوق كل بلد عربي ويستظل بظلها كل عربي. وكان يعتقد أن على العرب ألا ينظروا إلى رابطة الدين وانضواء الناس على مختلف لغاتهم تحت لوائه؛ لأن هذه النظرة الشاملة ليست هي القومية العربية الخالصة التي يجب أن تقدم على الروابط العامة؛ لأن رابطة اللغة العربية –من وجهة نظره– هي الأساس قبل الإسلام وبعده، وكان العرب قبل الإسلام على مذاهب وأفكار شتى من جاهليين ووثنيين ونصارى ويهود ولم يكن لهم رابط إلا اللغة العربية والتاريخ المشترك.

...١.١٢ تعريف القومية، وكيفية ظهورها، وأسسها، وهدفها، وتأثر القومية


وهو يهدف إلى إقصاء فكرة أن الدين الإسلامي يجب أن يكون هو الرابط العام ولكن لا أدري لو سئل هذا السؤال: وكيف كان حالهم حينما كانوا لا تربطهم إلا اللغة والتاريخ المشترك قبل الإسلام؟ لا أدري بماذا سيجيب؟ وله مبالغات في مدح اللغة واجتماع كل أمة عليها وأنها مصدر إلهام ومحبة وتوافق وأن الأمة العربية من أدناها إلى أقصاها يجب أن تستنير بالقومية في جميع مجالات حياتهم ما داموا كلهم يتكلمون اللغة العربية إلى آخر ما عنده من الترهات والهذيان.

جمال عبد الناصر
ومن المشاهير في تقديس القومية رئيس مصر جمال عبد الناصر الذي كانت له صولات وجولات وألقاب فخمة وتزعم في هذا العصر الدعوة إلى القومية العربية وعمل ما في وسعه في سبيل تقويتها وانتشارها بل وجعلها دينًا مقدسًا وعقيدة أساسية واستحوذ على كثير من مصادر الإعلام في وقته وسخرها لترديد أفكاره القومية وتمجيد العروبة وأنها هي المنقذ الوحيد لإزالة المستعمرين والطريق القويم إلى التقدم ونبذ الرجعية وأن العرب سيعيشون في الجنة التي وعدهم بها الدين سيعيشونها في هذه الدنيا تحت ظل راية القومية العربية إن استقاموا على الالتزام بتقديس القومية والاشتراكية. وكانت له صولات وجولات ودعايات هائلة حتى مرغ الله أنفه تحت رجليه بهزيمته أمام إسرائيل في دقائق معدودة فإذا بهذا الجبار الذي كان يمدح بأنه أبو الأحرار وقامع الرجعية ورائد العروبة ... و... و... بل كان يقال: لن ننهزم وناصر فينا. ثم انحلت المعركة عنه فإذا به دمية صغيرة وأن فأسه كان من طين ولقي الخزي والهوان وهو ينظر إليه.