١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار التي مرت
بها، والرد على من زعم أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين، ومظاهر
العلمانية في بلاد المسلمين
كان نصيب الأمة الإسلامية من المعرفة ينحصر في بقايا التراث الفكري الذي دونه علماء الكلام والفقه واللغة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية تلك البقايا التي تسمى "الكتب الصفراء" أو الثقافة التقليدية، وفي أحسن الأحوال "الثقافة الأصلية" -كما في بلاد المغرب.
ولنأخذ شاهدًا قريبًا لذلك من الأزهر الذي صبت عليه اللعنات لجموده وتخلفه.
كان الأزهر منذ تأسيسه يدرس في حلقاته المكتظة الفلك والجبر والهندسة والطب كما يدرس الفقه والنحو والحديث سواء بسواء بلا حرج ولا غضاضة.
وظل كذلك إلى عصر ليس ببعيد، فها هو ذا الجبرتي يورد في تاريخه أسماء كثيرين ممن نبغوا في هذه العلوم بالنسبة لعصرهم -منهم والده- وإن كان مستواهم متخلفًا بالنسبة لما هو عليه حال معاصريهم في الغرب، ذلك أن هؤلاء يمثلون الدفعات الأخيرة لحضارة منهارة، في حين يمثل أولئك -الغربيون- طلائع متقدمة لحضارة فتية.
ومع ذبول الحضارة الإسلامية التدريجي تقلص ميدان العلم ليقتصر على العلوم الضرورية التي لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يحيا بغيرها، وأهملت العلوم الأخرى لا تحريمًا لها ولكن عجزًا وتهاونًا
يمليه الواقع المنهار من كل ناحية
وفي فترة الركود العلمي تلك ولدت أجيال بررت ذلك العجز والتهاون بصنوف المعاذير ثم استساغت الانغلاق وفسرت الدين نفسه تفسيرًا ضيقًا وحددت علومه تحديدًا نابعًا من واقعها المظلم لا من حقيقة الدين وجوهره.
وحدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين غريبًا خاصًّا بالكفار.
من هذا الخطأ التاريخي تقريبًا نشأت الازدواجية...