...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


من المذاهب الهدامة المناهضة للإسلام وأصوله ومبادئه في هذا العصر تيار العلمانية، وسنفصل الكلام عليه في العناصر التالية:
حقيقة التسمية
يجب البدء أولًا ببيان حقيقة التسمية، وبيان صحة نسبتها إلى العلم، فهل هي كذلك؟
لقد انخدع الناس بتسمية العلمانية بهذا الاسم، ولا يزال أنصارها يتبجَّحون بها ويتطاولون بتعاليمها مغترين بها حيث وجدت لها سوقًا رائجة لدى فئات ممَّن قلَّت معرفتهم أو كانت لهم أهدافٌ شريرة ضد الدين لعزله عن قيادة البشر أو التحاكم إليه لإحلال تعاليم عَبدَة الأوثان وأصحاب الأحقاد محله. وحين انطلقت هذه التسمية في أوربا كان يُقصَد بها عندهم حسب ترجمتها الصحيحة فصل الدين عن السياسة، أو الفصل الكامل بينه وبين الحياة الاجتماعية، على أساس أنه لا يجتمع العلم مع الدين بزعمهم، وقد كذبوا في ذلك وقلبوا الحقيقة، فإن الدين والعلم حميمان يكمل أحدهما الآخر ويقويه.
أما نسبتهم مذهبهم إلى العلم فإن الحقيقة تدل على أنه لا علاقة بين العلم وبين هذه الفكرة الضالة، بل إن تسميتها علمانية إنما هو بسبب سوء الترجمة من معناها الغربي الذي هو الابتعاد عن الدين، أو من باب الخداع والتضليل؛ إذ كان الأولى أن تكون ترجمتها وتسميتها أيضًا هي "اللادينية"؛ لأن مفهومها الأصلي هو هذا وليس نسبة إلى العلم.
وما أقوى التشابه بين تسميتهم العلمانية بهذا الاسم نسبة إلى العلم، وبين تسميتهم الاشتراكية العلمية بهذا الاسم كذلك، كلاهما تمسح بالعلم وهو بريء منهما، وكلاهما خداع للناس وتضليل.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


وبعض الباحثين ذهب إلى أن "عِلمانية" بكسر العين وسكون اللام معناها العلم الذي هو ضد الجهل، وأما "عَلمانية" بفتح العين وسكون اللام فمعناها العالم أو الدنيا في مقابل الآخرة، وتأتي علمانية أيضًا بمعنى دهري وهو تفسير لكلمة "لائيك" الفرنسية وهو تعبير نشره اليهود في فرنسا فيما بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر الميلاديين.
الواقع أن دارس العلمانية سيلاحظ تعريفات كثيرة، إلا أن أصدق تلك التعريفات وأقربها إلى حقيقة العلمانية هو "أن العلمانية مذهب هدَّام يُراد به فصل الدين عن الحياة كلها وإبعاده عنها".
أو هي إقامة الحياة على غير دين إما بإبعاده قهرًا ومحاربته علنًا كالشيوعية، وإما بالسماح به وبضده من الإلحاد كما هو الحال في الدول الغربية التي تسمي هذا الصنيع حرية وديمقراطية أو تدين شخصي. بينما هو حرب للتدين، ذلك أن حصر الدين في نطاق فردي بعيدًا عن حكم المجتمع وإصلاح شئونه هو مجتمع لا ديني؛ لأنه أقام حياته الاجتماعية والثقافية وسائر معاملاته على إقصاء الدين، وهو حال الحضارة الغربية الجديدة ونظامها، وهذا هو الواقع الصحيح، ولا عبرة بمراوغتهم في زعمهم أنهم يرعون التدين، فإنها مجرد خداع للمتدينين، فإن تسميتهم لهذا الإلحاد علمًا هو من باب فرحهم بمعرفتهم ظاهرًا من الحياة الدنيا، وأين هو من العلم الحقيقي الذي يوصل صاحبه إلى معرفة ربه ودينه وإلى السعادة في الدنيا والآخرة.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


نشأة العلمانية وموقف دُعاتها من الدين وبيان الأدوار التي مرت بها
لقد قامت العلمانية اللادينية على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى وإنكار الأديان، وهي ردة في حق من يعتنقها من المسلمين مهما كان تعليله لها، وكانت العلمانية عند قيامها في مرحلتها الأولى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، تنظر إلى الدين على أنه ينبغي أن يكون أمرًا شخصيًّا لا شأن للدولة به إلا ما يتعلق بجباية الضرائب للكنيسة، ولعل هذا كان خداعًا لأهل الدين، ثم اشتدت المواجهة للدين على النحو الذي تطورت إليه بعد ذلك. وكان الخلاف محتدمًا ما بين رجال الدين ورجال العلمانية على السلطة، مما جعلهم ينادون بفصل الدين عن الدولة ليستقل كل فريق بسلطته. حتى إذا جاء القرن التاسع عشر، وهي المرحلة الثالثة، إذ بالعلمانيين يتجهون اتجاهًا منافيًا لكل مظاهر الدين والتدين، وأحلوا الجانب المادي محل الدين، وبدأ الصراع يشتد بين العلمانيين اليساريين الناشئين وبين رجال الدين الكنسي المتقهقر، إلى أن أُقصِيَ الدين تمامًا، ولم يعد للإيمان بالغيب أي مكانة في النفوس؛ إذ حل محله الإيمان بالمادي المجرد المحسوس. ورغم وضوح الإلحاد في المذهب العلماني فقد ظهر من يزعم زورًا وكذبًا أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين، وأخذ بعض الجاهلين والمتجاهلين يرددون هذا الفكر المغالط كالاشتراكيين تمامًا، على أنه لا ينبغي أن يغيب عن ذهن أي إنسان أن حرب الغرب للدين وأهله إنما جاءهم من دين مُحرَّف معادٍ لكل مفهوم للحياة الجديدة؛ لأن النصرانية التي جاء بها المسيح -عليه السلام- قد اندثرت وحُرفِّت وضاع إنجيله بعد رفعه بفترة قصيرة، فتزعم الديانة بولس اليهودي الحاقد، فجاءت خرافية مصادمة للعقل والمنطق والواقع.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


ومن هنا وجد أقطاب العلمانية أن الدين –وهو تعميم خاطئ– لا يمكن أن يساير حضارتهم الناشئة، وأن رجال دينهم طغاة الكنيسة لا يمكن أن يتركوهم وشأنهم –وهو ما حدث بالفعل– وعلى إثر ذلك قامت المعركة بين الدين وأقطاب العلمانية، ونشط العلمانيون في بسط نفوذهم، وساعدتهم على ذلك عامة الشعوب الأوربية التي أذاقتها الكنيسة الذل والهوان والالتزام بدين لا يقبله عقل أو منطق، فوجدوا في الالتجاء إلى رجال الفكر العلمانيين خير وسيلة للخروج عن أوضاعهم.
وإذا كان الإنسان يرى أن للغرب حجتهم في رفض ذلك الدين البولسي الجاهلي، فإنه سيرى حتمًا أن انتشار العلمانية في بلاد المسلمين أمر لا مبرر له بأي حال، ولا سبب له إلا قوة الدعاية العلمانية وجهل كثير من المسلمين بدينهم وجهلهم كذلك بما تبيته العلمانية للدين وأهله، واتباعًا للدعايات البرَّاقة.

الأدوار التي مرت بها العلمانية في نشأتها
وقد ذكر الدكتور العرماني: أن العلمانية قد مرت في تطورها بأدوار هي كما يلي:

الدور الأول
وقد كان دور الصراع الدموي مع الكنيسة، وسُمي هذا الدور بعصر التنوير أو بداية عصر النهضة الأوربية، ويعود سببه إلى تأثر الأوربيين...

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


...بالمسلمين؛ إثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانًا من العذاب على أيدي رجال الكنيسة إثر ظهور الاكتشافات العلمية هناك ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الاكتشافات وجهًا لوجه.

الدور الثاني
ظهور العلمانية الهادئة وتغلب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تم عزل الدين عن الدولة وانحصرت مفاهيم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط بعيدة عن الحياة الاجتماعية كلها.

الدور الثالث
وفيه اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحلَّ الإلحاد المادي محل الدين تمامًا. ثم برزت الرأسمالية وغيرها من الروافد المقوية للإلحاد العلماني، فاكتمل تطويق الدين ورجاله واعتبر الدين عدوًّا للحضارة، وصار محل سخرية الجميع في رد فعل عارم يريد أن يكتسح كل شيء أمامه مما كان موجودًا؛ ليفسح الطريق أمام الوضع الجديد المتمرد على كل الأوضاع التي قبله.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


الرد على من زعم أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين
ما أكثر المغالطات التي توجه إلى خلط المفاهيم إما عن جهل بالحقائق وإما عن معرفة وطوية مبيتة شريرة.
ومن العجيب حقًّا أن يتبجح مُنشئو العلمانية بأنها حرب على الأديان وتذويب للمجتمعات في بوتقة اللادينية، ثم يأتي بعد ذلك من يحاول تغطية هذا المفهوم الواضح فيدَّعي التوافق بينهما بحجة أن العلمانية والدين يجتمعان في الحث على نبذ التأخر –حسب مفهومهم– وعلى الحث على العلم والاكتشافات والتجارب، والدعوة إلى الحرية، أو أن العلمانية تخدم جوانب إنسانية، بينما الدين يخدم جوانب إلهية ... إلى آخر تُرهاتهم. ولنا أن نقول للمغالطين: إن العلمانية لم تظهر في الأساس إلا بسبب الخلافات الشديدة بين دينهم وبين علمانيتهم، وإلا فما الذي أذكى الخصومة بين الدين والعلمانية عندهم؟
نعم؛ إن الدين الصحيح يدعو إلى نبذ التأخر والأخذ بالعلم ومعرفة الاكتشافات والبحث والتجارب ويدعو إلى الحرية، لكنه لا يجعل تلك الأمور بديلًا عن الخضوع للتعاليم الربانية أو الاستغناء عنها وإحلال المخترعات محل الإله عز وجل، بل يحكم على كل من يعتقد ذلك بالإلحاد ومحاربة الدين علنًا، وهو ما سلكته العلمانية بالنسبة لنبذها للدين.
والدين الصحيح لا يفصل بين السياسة والحكم بما أنزل الله تعالى، ولا يجعل قضية التدين قضية شخصية مزاجية، ولا يبيح الاختلاط ولا السفور وإعلان الحرب على القيم والأخلاق، بينما العلمانية لم تقم في الأساس إلا على تكريس البعد عن الدين –النصراني– وإباحة الشهوات بكل أشكالها. فأي وفاق بينهما؟!!

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


كذلك فإن الدين لا يبيح لأي شخص أن يُشرِّع للناس من دون الله تعالى، ولا أن يتحاكموا إلى غير شرع الله تعالى، وهذا بخلاف العلمانية، كما أن التوافق بين شيئين في بعض الجوانب لا يجعلهما متماثلين حتمًا. أما هل يوجد وفاق بين الإسلام بخصوصياته وبين العلمانية؟
فإنها إذا كانت العلمانية لا تتوافق مع بعض المذاهب الوضعية الجاهلية وتقف ضد نفوذها، أفيمكن أن تتوافق مع الإسلام بخصوصه، إن الذين يتصورون ذلك لا يحترمون عقولهم ولا مشاعر الآخرين، أليس الإسلام هو العدو اللدود لجميع الجاهليات مهما اختلفت أسماؤها في حزم وصرامة دون أي تحفظ؟ لا يختلف في ذلك مسلمان.
وكيف تتفق العلمانية القائمة على الشرك بالله عز وجل، وبين الإسلام القائم على عبادة الله وحده لا شريك له ذلًّا وخضوعًا وحكمًا في كل شيء. لقد قامت العلمانية من أول يوم على محاربة الدين وعدم التحاكم إليه، وعلى الخضوع لغير الله تعالى؛ إما الطبيعة، وإما في عبادة بعضهم بعضًا بعد أن ابتعدوا عن الدين وعن الخضوع لرب العالمين وأشركوا معه سبحانه فئة من البشر يسمونهم بالمشرعين أو القانونيين، ويقدمون كل ما يقرره هؤلاء وينفرون عن ذكر الشريعة الإلهية والرسل والرسالات؛ لأنها بزعمهم لا تقدم الحلول الناجحة كالتي اخترعوها، متناسين هذه الفوضى الفكرية والأخلاقية والاقتصادية ... إلخ، الفوضى التي تعيشها المجتمعات العلمانية ونقضها اليوم ما أثبتته بالأمس ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)) [النساء: ٨٢].
ولعل الذي حمل بعض القائلين بأن العلمانية لا تحارب الدين ما يرونه من عدم تعرض العلمانيين لسائر أهل العبادات بخلاف النظام الشيوعي، ولكن يجب أن تعرف أن أساس العلمانية لا ديني، ولعل تركهم لأهل العبادات إنما هي خطة أو فترة مؤقتة.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين
كانت العلمانية في بداية ظهورها تهدف إلى تحقيق غرض وهو من أهم الأغراض التي أشغلت أذهان القائمين عليها، ألا وهو فصل الدين عن السياسة والحكم على طريقة ما ينسبه الكتاب المقدس إلى نبي الله عيسى -عليه السلام: "أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، وبغض النظر عن صحة هذه المقولة عن عيسى -عليه السلام- فإن العلمانيين وهم في محاولتهم الأولى لتصديع الدين المسيحي وجدوا أن هذا النص من الأمور المساعدة لهم، وقد جدوا وناضلوا حتى تم لهم ما يهدفون إليه من فصل الدين عن الدولة، وبالأحرى عزل رجال الكنيسة عن الدولة، ولم يعد دينهم صالحًا للحكم بين الناس في شئون حياتهم، بل تولاه التشريع الجديد المسمى العلمانية في قوانينها الوضعية. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى طور آخر وهو عدم السماح بالدين في كل مظاهر الحياة، ولم تعد مقولة: "أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" قائمة في أذهان زعماء العلمانية الجامحة، فحورب الدين حربًا شعواء تحت الكراهية الشديدة لطغاة الكنيسة الذين يمثلونه –حسب مفهوم أقطاب العلمانية– هذا ما حصل في العالم النصراني ومبرراته، وهو ما يمثله دعاة العلمانية في البلدان الإسلامية التي تم لهم الحكم فيها. وما دام الأمر قد وصل إلى محاربة الدين وإقصائه نهائيًّا، فلا بد أن يوجد البديل له في كل مظاهر الحياة، وهو ما وقع بالفعل، فطورت العلمانية لتشمل بعد ذلك الحكم، والاقتصاد، والعلم، والتاريخ، والحياة الاجتماعية، ومظاهر السلوك والأخلاق، وصور الآداب والفنون ... أي أنها أصبحت دينًا قائمًا بذاته ملأ الفراغ الذي خلفه إقصاء الدين النصراني عن المجتمعات.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


ولم يعد الناس بحاجة إلى الدين في أية قضية من القضايا التي تصادفهم؛ لأن المارد الجديد قد سد كل الحاجات ولبَّى كل المطالب التي تواجه الفرد في حياته اليومية كلها، في الحكم وفي سائر متطلبات الحياة الاجتماعية الجديدة، وأصبح دعاة العلمانية كلهم على خط واحد وهدف واحد مع اختلافهم في الوسائل من بلد إلى آخر، و فيما يلي بيان ذلك في المسائل الآتية:

الأولى: العلمانية في الحكم.
أما العلمانية في الحكم فمن الطبيعي أن لا يجد الحاكم العلماني أدنى ضرورة إلى الاستعانة بحكم الدين في أية قضية، وذلك أولًا لجهله بالدين وعدم معرفته به، وثانيًا للعداء الشديد المستحكم الحلقات بين الدين وبين آراء المفكرين العلمانيين الذين يتصورون أنه لا تتم السعادة الحقيقية للشعوب إلا إذا أُقصي الدين تمامًا عنهم وحكموا أنفسهم بأنفسهم بعيدين عن التأثر بأحكام الدين.
وقصر بهم العزم أن يبحثوا عن مصدر العدل الحقيقي والأحكام المتناسقة التي يسبق العقل إلى تصديقها قبل الواقع، وقد قال تعالى: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)) [النساء: ٨٢]، ولقد وجدوا في علمانيتهم اختلافًا كثيرًا وتناقضًا فاحشًا في الأحكام، ولكن طبع على قلوبهم.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


الثانية: هل يوجد فرق في الإسلام بين الدين والسياسة؟
لا يمكن لأي شخص عرف الإسلام –مهما قلت معرفته به- أن يقول إن الإسلام يفرق بين الدين والحكم، بحيث يكون الدين لله والحكم للشعب أو القانون أو مجلس التشريع أو الحزب أو غير ذلك من الإطلاقات العلمانية الباطلة؛ لأن الإسلام يعتبر جميع البشر عبيدًا لخالقهم، ولا مزية لأحد على آخر إلا بالتقوى، ويحرم أن يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، وأن من رضي بالتحاكم إلى غير الله فهو طاغوت خارج عن الفطرة محارب لله ظالم لنفسه، متعد لما ليس له، وسيحاسبه الله تعالى عن ذلك.
وفي الإسلام البيان التام الشامل لكل جوانب الحياة؛ سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية ... إلخ، بيَّنها الله تعالى في قواعد شاملة وأحكام جامعة وأمر الناس بفهمها واستخراج كل ما يصادفهم من أحكام وتشريع على ضوئها من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فالمشرع في الإسلام هو الله وحده، وما نطق به رسوله والمنفذ للأحكام الشرعية هم الحكام الذين تختارهم الأمة ويرضون بحكمهم لتنفيذ الشرع الشريف، وهؤلاء الحكام ليسوا طبقة فوق البشر، أو لهم صفات إلهية –كما كان يتصور الجاهلون قديمًا– وإنما هم منفذون فقط.
وكل مسلم مطالب بأن يعرف الأحكام الشرعية وأمور العبادات والاقتصاد وغير ذلك من أمور الحياة، ويطلب الإسلام من كل أتباعه أن يكونوا صالحين لتنفيذ أحكام الله في كل قضية تعرض للشخص، ومعنى هذا أنه لا يوجد في الإسلام تلك الدعوى النصرانية التي بنى عليها اللادينيون فكرهم، وهي "أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" فهذه الازدواجية لا مكان لها في الإسلام، وإنما الذي فيه هو تساوي الناس في التكليف أمام الله ومطالبتهم جميعا بتنفيذ أحكام الشريعة وطاعة ولاة أمورهم في غير معصية الله ورد ما يختلفون فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه -صلى الله عليه...

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


...وسلم- وبهذا تصلح الحياة وتستقيم الأمور ويحصل التنافس في فعل الخير، قال تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة: ٥٠].
وقال تعالى: ((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)) [النساء: ٥٨].
وقال تعالى: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)) [النساء: ٦٥]. إنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية نص واحد يثبت التفرقة بين الدين والحكم، لا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ولا في أقوال علماء الإسلام، بل نجد أنه لا شرعية لحاكم لا يتخذ الدين منهجًا له.
ولا يوجد كذلك نص واحد يثبت أن أحدًا من خلفاء المسلمين من الصحابة أصدر حكمًا على طريقة الفصل بين الدين والحكم، أو اعتذر عن أي حكم أصدره بأن سياسة الحكم اقتضته، حتى وإن كان مخالفًا للدين، بل كانت طريقتهم أن كل حكم يخالف الدين يعتبر حكمًا جاهليًّا باطلًا، وذلك للتلازم التام بين الدين والحكم.

الثالثة: العلمانية والاقتصاد
أما العلمانية والاقتصاد والدين، فلقد كان الاقتصاد هو العصا السحرية التي أسهمت في قيام المذهب العلماني، فقد كانت الحالة الاقتصادية في...

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


...أوربا في أتعس وضع وأبأس حال بسبب الوضع الاجتماعي المتخلف الذي أنتجته الديانة النصرانية وحكامها ممثلة في البابوات وأصحاب الجاه والسلطان الذين كانوا لا يهمهم إلا ضمان استرقاق الشعوب النصرانية وإذلالها لطواغيت رجال الدين وأباطرة الدولة، ولتكن حالتهم بعد ذلك إلى النار، فالدولة ليست مسئولة عن الفقراء والبائسين.
فنشط النظام الإقطاعي واستبداد الطبقة العليا بمن دونها حسب النظام الجاهلي، وكان النظام الاقتصادي مكبلًا بتعاليم الكنيسة تحليلًا وتحريمًا، وكان قائمًا على ظلم الكادحين وشره رجال الكنيسة الذين احتووا جل مصادر الاقتصاد مضافًا إلى ذلك صنوف الضرائب المفروضة على الفلاحين وغيرهم الذين كانوا يسخرون كلهم كما يسخر العبيد.
وإذا بتلك الأنظمة المعادية للدين لم تقدم حقيقة للناس إلا آمالًا خيالية وإلا الإلحاد والإفلاس والغبن الفاحش وانتزاع احترام الدين والتدين من قلوب أتباعه وإحلال ضلالاتهم بدلًا عن ضلالات الدين النصراني البولسي، وصح عليهم المثل القائل: "إنك لا تجني من الشوك العنب"، وظهر سوء الاقتصاد وسوء التوزيع للثروات وسوء التكافل الاجتماعي جليًّا في العلمانية، ولكنهم لا يعرفون بديلًا منقذًا في حال استكبارهم عن طريقة الإسلام في نظامه الاقتصادي.

الرابعة: العلمانية في التربية والثقافة
قبل أن يصطدم الغرب المتحضر بالشرق المتخلف كانت التربية في الأخير متأخرة؛ أسلوبًا وموضوعًا، وكانت الثقافة جامدة ومحدودة.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


كان نصيب الأمة الإسلامية من المعرفة ينحصر في بقايا التراث الفكري الذي دونه علماء الكلام والفقه واللغة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية تلك البقايا التي تسمى "الكتب الصفراء" أو الثقافة التقليدية، وفي أحسن الأحوال "الثقافة الأصلية" -كما في بلاد المغرب. ولنأخذ شاهدًا قريبًا لذلك من الأزهر الذي صبت عليه اللعنات لجموده وتخلفه. كان الأزهر منذ تأسيسه يدرس في حلقاته المكتظة الفلك والجبر والهندسة والطب كما يدرس الفقه والنحو والحديث سواء بسواء بلا حرج ولا غضاضة. وظل كذلك إلى عصر ليس ببعيد، فها هو ذا الجبرتي يورد في تاريخه أسماء كثيرين ممن نبغوا في هذه العلوم بالنسبة لعصرهم -منهم والده- وإن كان مستواهم متخلفًا بالنسبة لما هو عليه حال معاصريهم في الغرب، ذلك أن هؤلاء يمثلون الدفعات الأخيرة لحضارة منهارة، في حين يمثل أولئك -الغربيون- طلائع متقدمة لحضارة فتية. ومع ذبول الحضارة الإسلامية التدريجي تقلص ميدان العلم ليقتصر على العلوم الضرورية التي لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يحيا بغيرها، وأهملت العلوم الأخرى لا تحريمًا لها ولكن عجزًا وتهاونًا

يمليه الواقع المنهار من كل ناحية
وفي فترة الركود العلمي تلك ولدت أجيال بررت ذلك العجز والتهاون بصنوف المعاذير ثم استساغت الانغلاق وفسرت الدين نفسه تفسيرًا ضيقًا وحددت علومه تحديدًا نابعًا من واقعها المظلم لا من حقيقة الدين وجوهره. وحدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين غريبًا خاصًّا بالكفار. من هذا الخطأ التاريخي تقريبًا نشأت الازدواجية...

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


...الخطرة في العالم الإسلامي: تعليم ديني ضيق محدود، وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها.
وقد لخص المستشار علي جريشة علمنة التعليم فيما يلي:
أولًا: القضاء على التعليم الديني:
التطويق من الخارج:
الازدراء بالتعليم الديني.
ازدراء معلمه وطلابه.
قفل الوظائف اللامعة في وجوه خريجيه.
خفض رواتبهم.
التطويق من الداخل:
تقليص التعليم الديني.
ازدياد التعليم العلماني.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


ثانيًا: نشر التعليم العلماني:
اهتمام الدولة به.
الابتعاث.
المدارس الأجنبية.
الاختلاط.
العلمانية في الاجتماع والأخلاق
كانت الحياة الاجتماعية في العالم الإسلامي قد انحرفت منذ بضعة قرون، لكن صورة الانحراف لم تبلغ أوجها إلا في مطلع العصر الحديث؛ حيث أصبح المجتمع في أخلاقه وتقاليده وعاداته ينطلق من منطلقات غير إسلامية؛ إذ غلبت الأعراف الجاهلية والعواطف المتهورة والعادات المستحدثة على الأخلاق الإسلامية الأصيلة، غير أن الناس بحكم العاطفة الدينية الموروثة وبما جبلوا عليه من الغيرة على فضائل الخلق كانوا ينسبون كل قيم وموازين وأعراف مجتمعهم للدين، أو على الأقل يلتمسون لها فيه أصولًا، ورسخ ذلك الانحراف المتمسح للدين حتى أصبح هو الواقع الذي كان لدى الناس استعدادًا للوقوف في وجه من يحاول تغييره سواء أكان مجددًا إسلاميًّا أم مفسدًا أجنبيًّا، وهم -على أي حال- يبررون موقفهم بالاستناد إلى الدين.

...١.١٠ حقيقة التسمية، ونشأتها، وموقف دُعاتها من الدين، وبيان الأدوار


وفي القرن الماضي احتك المجتمع الإسلامي المنحرف بالمجتمع الغربي الشارد عن الدين، ومنذ اللحظة الأولى أحس الغرب -المغرور بتقدمه المادي- بتفوقه الاجتماعي على الشرق الذي لا شك أنه كان فيه من الفضائل ما يفتقده الغرب، لكن نظرة الغالب إلى المغلوب لا تسمح بالرؤية الصحيحة عادة، لا سيما والروح الصليبية من ورائها.
وبالمقابل أحس المجتمع الشرقي بالانبهار القاتل واستشعر النقص المرير، ولم يتردد الغربيون الكفرة في القول بأن سبب تخلف الشرقيين هو الإسلام فقد استمدوا ذلك من الوهم الذي كان يسيطر على أولئك بأنهم مسلمون حقًّا!
وهكذا كان الطريق مفتوحًا لمهاجمة الأخلاق وتدمير مقومات المجتمع من خلال مهاجمة ذلك الواقع المتخلق الذي لا يمثل الإسلام، وكان النموذج الغربي المشاهد -الذي فصل الأخلاق عن الدين- يزيد الأمر قوة ووضوحًا.
وإذا علمت قوى الصليبية الحاقدة -من مستعمرين ومبشرين ومستشرقين- البؤرة التي تتجمع فيها أصول أخلاق ومقومات المجتمع وغيره، فقد وضعت المخططات الماكرة لسلب هذه الميزة من المسلمين بإفساد المرأة المسلمة وإشاعة الدياثة بينهم.