3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


القراءات الشاذة عند ابن مجاهد -رحمه الله تعالى
لقد قام اختيار ابن مجاهد على أكتاف سبعة من القراء الذين أجمع أهلُ مصرهم على قراءاتهم، وداروا العربية عمقًا وأصالةً، ومضَى أن ابن مجاهد وضع كتابًا في الشواذ، وأنه لم يعلن صراحة موقفه مما بقي وراء سبعته، فظل غامضًا.
لقد دفع هذا الغموض عددًا من الباحثين إلى الظن بأن ابن مجاهد لم يبغِ تشذيذ ما ترك، أو لم يُهمل ما شُذِّذ، بالمعنى الذي انتهى إليه المصطلح كما هو الأمر عند الإمام الطبري. مع أن ابن مجاهد شذذ وأهمل فعلًا ما ترك من قراءات، بدليل أنه وضع كتابًا في الشواذ، اتهم فيه أغلب وجوهها كما يروي ابن خالويه وابن جني، وهو يقتدي في ذلك بصديقه ومتقدمه أبي جعفر الطبري، الذي رفض القراءات الشاذة قبله. فابن مجاهد كان صديقًا للطبري، يوافيه في رحلاته وأسفاره، كما كان معجبًا بقراءته إعجابًا كبيرًا.

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


فَسَبْقُ أبي جعفر في تشذيذ القراءات وإخراجها من قرآن المسلمين، وإعجاب ابن مجاهد الشديد به، وصحبته له، دَلائل قوية على تأثره به، وسلوكه مسلكَه في التشذيذ والإخراج، ولن نذهب بعيدًا؛ إذ يكفي أن نتساءل عن سبب المعارضة التي أعلنها العلماء على ابن مجاهد -رحمه الله تعالى- أليس لأنه أخرج وجوهًا صحيحة من قرآن المسلمين؟ فابن مجاهد شذذ فعلًا ما وراء اختياراته، بل ربما شذذها بالقول الصريح، ولكن هذا لم يصل إلينا.
والقراءة الشاذة عند ابن مجاهد هي كل ما خرَجَ على ما يرويه في الغالب أحدُ اثنين عن قارئ من السبعة، وهم: قالون، وورش عن نافع، والبزي، وقُنبل عن ابن كثير، والدوري والسوسي عن أبي عمرو، وهشام وابن ذكوان عن ابن عامر، وشعبة وحفص عن عاصم، وخَلَف عن حمزة، وأبو الحارث والدوري عن الكسائي، أو ما يرويه غيرهما عنهم ممن عُرِفوا بالضبط والإتقان، وجاءت أسماؤهم في مقدمة كتابه (السبعة في القراءات) وفي أثنائه، كرواية المفضل الضبي عن عاصم: "وعلى أبصارهم غشاوةً" (البقرة: 7) بنصب: "غشاوةً"، ورواية بكار بن عبد الله عن ابن كثير: "غيرَ المغضوب عليهم" (الفاتحة: 7) بنصب: "غير".

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


القراءات الشاذة عند أبي جعفر النحاس -رحمه الله تعالى
وهي كل قراءة خرجت على إجماع الحجة أو العامة، وكان فيها مطعن. قال أبو جعفر النحاس: وقلما يخرج شيءٌ عن قراءة العامة إلا كان فيه مطعن، وهذا المطعن عنده من إحدى هذه الجهات:

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
أن يقع في إسناد القراءة اضطرابٌ، قال أبو جعفر في إحدى القراءات: هذه القراءة التي عليها حجةُ الجماعة، وما يروَى من غيرها يقع فيه الاضطراب.

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


إذا ما نظرتَ إلى منهج أبي جعفر النحاس تجد أن النحاس كالطبري، لا يثق كثيرًا بما يروَى من هذه الحروف، وهو دائمًا يتحقق من أسانيدها، فإذا تأكد من سلامة الرواية نصَّ على ذلك، ولكن الجديد عنده أنه يحملها دائمًا على التفسير، أي: تكون عنده قراءة تفسيرية حتى ولو كانت لا تحمل زيادة؛ لأن التفسير زيادة بعض الألفاظ على الآية. فأبو جعفر النحاس يجعل مثل قراءة أُبي: "وجاءت سكرة الحق بالموت" [ق: 19] المخالفة لرسم المصحف بالتقديم والتأخير تفسيرًا، وكأنه يجعل هذا المعنى مصطلحًا لها.
إن هذه القراءات جميعًا لا تجوز القراءة بها عند النحاس -أي: عند أبي جعفر النحاس- لا في الصلاة ولا خارج الصلاة، بل يجوز فيها البحث النحوي، والكشف عن وجوهها الإعرابية والصرفية واللغوية، على أن ولعَ أبي جعفر بتوجيه هذه القراءات جعله يهمل تحديد كثير من مستوياتها، مما جعلنا نَقيس على منهجه العام لضبط هذه الشواذ وحَصْرها، مستعينين بعباراته ومواقفه العامة، وبآراء العلماء الذين تقدموه.

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


القراءات الشاذة عند ابن خالويه وابن جني
في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري- وضع ابن خالويه كتابًا في الشواذ بناه على ما خالف مقياسه، وسماه (مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع) ولم يأتِ فيه بجديد بالقياس إلى ابن مجاهد، ما خلا تشذيذه لبعض القراءات التي جاءت في "سبعة ابن مجاهد" عن بعض الرواة، وهي لا تتجاوز العشرين موضعًا.
من ذلك رواية المفضل الضبي عن عاصم: (( مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ )) [المجادلة: 2] التي جاءت في مختصر ابن خالويه، وهي في كتابه (السبعة)، ورواية ابن عباس عن أبي عمرو: "إنما أنت منذرٌ من يخشها" [النازعات: 45] بتنوين: "منذرٌ" التي جاءت في (المختصر) وهي في كتاب (السبعة) أيضًا.

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


أما شواذ ابن جني التي جاءت في كتاب (المحتسب) فهي شاذة عن قراءة القراء السبعة كما صرح ابن جني قائلًا: "اعلم أن جميع ما شَذَّ عن قراءة القراء السبعة ضربان" ويبدو للوهلة الأولى أن ابن جني يعمل بمنهج ابن مجاهد، ولكن الواقع أنه شذَّذَ في (محتسبه) أيضًا بعضَ ما جاء في "سبعة ابن مجاهد" عن بعض الرواة. من ذلك: تشذيذه لقراءة عاصم من بعض رواته: "وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءٌ وتصدية" [الأنفال: 35] بنصب "صلاتهم"، ورفع: "مكاء" ورفع: "تصدية" وهي في "سبعة ابن مجاهد"، وكذلك تشذيذه لقراءة: (( يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا )) [الحج: 23] هي قراءة عاصم ونافع، وهذه القراءة متواترة، وهذا يعني أن هناك بعضَ الاختلاف بين نظرة الرجلين على الرغم من اتفاقهما في شذوذ ما وراء السبعة.

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


القراءات الشاذة عند مكي بن أبي طالب القيسي
يفرِّق مَكي بن أبي طالب القيسي بين مستويين من القراءات الشاذة:
الأول: مقبول عنده أثرًا، ولا تجوز القراءة به، وهذا المستوى تعريفه: هو ما صح نقله على الآحاد، وصح ووجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف. ومثاله قراءة ابن مسعود: "أَرْشِدْنا الصراط المستقيم" مكان: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )) [الفاتحة: 6].
والمستوى الثاني: مرفوض لا تجوز القراءة به، وهو مما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجهَ له في العربية، وإن وافق خط المصحف.
ولكنَّ مكيًّا لم يمثل لنا لهذا النوع، ولكن جاء بعده الإمام ابن الجزري، ووضع له مثالًا، ويبدو أن مكيًّا جمع شيئًا من هذه الشواذ في الكتاب الذي أصلح فيه ما أغفله ابن مصرة من القراءات الشاذة، ولكن هذا الكتاب لم يصل إلينا؛ لأنه مفقود. كما وضع كتابًا في مشكل إعراب القرآن، انتصر فيه لأغلب وجوه هذه الشواذ من الجانب الإعرابي.

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


وتتوالى بعد القرن الرابع أنشطة الشذوذ، من هذه الأنشطة كتاب (المحتوى في القراءات الشواذ) لأبي عمرو الداني، المتوفى سنة أربعة وأربعين بعد المائة الرابعة، وكتاب أبي علي الأهوازي (الوجيز والإيجاز والإيضاح والاتضاح وجامع المشهور والشاذ). ينظر في هذا الكتاب (غاية النهاية) للإمام ابن الجزري، وأيضًا (النشر) للإمام ابن الجزري.
إذن؛ بعد القرن الرابع توالت أنشطة الشذوذ بفعل ما كانت تفرزه بعض المقاييس، وكان من أبرز هذه المقاييس مقياس الإمام الكواشي الموصلي، القائل: بأن كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق لفظه خط المصحف -أي: مصحف الإمام- فهو من السبعة المنصوص عليها، ولو رواه سبعون ألفًا مجتمعين أو متفرقين.

3.3 القراءات الشاذة عند ابن مجاهد، وأبي جعفر النحاس، ...


إذن، القرن الرابع توالت فيه أنشطة الشذوذ بفعل ما كانت تفرزه بعض المقاييس؛ لأنه لم تخرج في مجملها عما أفرزته مقاييس القرن الرابع. وقد انتهى المطاف عند الإمام ابن الجزري الذي حرر القول في القراءات الشاذة، وأعاد ثلاث قراءات إلى مرتبة الصحيح، وهي قراءات أبي جعفر المدني، ويعقوب الحضرمي، وخلف بن هشام، وذلك بعد أن صحت تواترها لديه، ووضع تعريفًا ضابطًا للشواذ، فقال:
فكل ما وافق وجهَ نحوِ وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان