3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند ...
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند الإمام الطبري
القراءات الشاذة في القرن الثالث
في هذا القرن تابع العلماء أسلوبَ رجال القرن الثاني في وصف هذه القراءات بالقلة، أو كلمة بعض، أو نِسبة كل قراءة إلى قارئ واحد، أو إلى بعض المتقدمين على سبيل الندرة والتفرد، كما تابعوا أيضًا إجازتهم للوجوه النحوية المحتملة، وذكر الشذوذ على إرادة الشذوذ النحوي.
من هنا فقد عزَا ابن سلام قراءة رفع: (( الْحَقَّ )) التي تركها اختياره إلى مجاهد، وهي قوله تعالى: (( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ )) [النور: 25] وقد قرأ بها ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أيضًا، وكلاهما من قُراء الشواذ. كما وصف أبو حاتم السجستاني كسر النون من قوله تعالى: (( قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ )) [الصافات: 54]: "مطلعونِ" بأنها قراءة بعضهم، وهي لأبي البرهسم، وعمار بن أبي عمار.
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند ...
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند الإمام الطبري
أما ابن قتيبة فكان يعزو مثل هذه القراءات إلى بعض المتقدمين على سبيل الندرة.
إن شذوذ القراءة في القرنين الثاني والثالث كما دلت عليه الألفاظ المختلفة، كان شذوذًا وصفيًّا لا تشذيذًا، فهو لا يتعرض لنقد القراءة، ولا يُخرجها من دائرة القرآن الكريم، بل يصف ملامحها ويقبل به العلماء على وجوه القراءات إقبالهم على الشائع المشهور، بعيدًا عن المقاييس أو المعايير.
القراءات الشاذة في القرن الرابع الهجري
وفي مطلع هذا القرن بدأ مصطلح الشذوذ مرحلة التبلور، وذلك انعكاسًا لتطور الاختيارات فيه إلى مقاييس، وقد تمثل هذا خاصةً في جهود أبي جعفر الطبري -رحمه الله تعالى- ثم تتابعت الجهود والمقاييس، فأسفر ذلك عن تقدم حقيقي كبير للمصطلح. ففي هذا القرن شُذِّذت الحروف المخالفة، ووضع ابن مجاهد أول كتاب مستقل في الشواذ، وفي هذا القرن أيضًا وضع ابن خالويه مقياسه الذي نجم عنه كتاب مستقل أيضًا في الشواذ، وفيه أيضًا -أي: وفي هذا القرن الرابع- وضع ابن جني كتابه الجليل (المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها).
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند ...
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند الإمام الطبري
القراءات الشاذة عند الإمام الطبري -رحمه الله تعالى
القراءات الشاذة عند الإمام الطبري. وهي الحروف المخالفة لرسم عثمان، والقراءات التي تخالف الإجماع، والقراءات الأحادية.
أولًا: الحروف المخالفة
وهي كل قراءة مروية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو عن أحد من أصحابه -رضوان الله تعالى عليهم- رواية آحاد، وتخالف في رسمها أحدَ المصاحف العثمانية. وأبو جعفر الطبري هو أول مَن وجدناه يطلق عليها مصطلح "الشذوذ في غمرة توجيهه الأُمة إلى المشهور من قراءات القرآن الكريم". وهي قراءات لا تجوز الصلاة بها عنده أبدًا؛ لماذا؟ وذلك لمخالفتها مصاحف المسلمين. فقِراءة ابن مسعود: "وإن كاد مكرهم" بالدال شاذة، لا تجوز القراءة بها، وقراءة ابن عباس -رضي الله تعالى عنه: "هل أنتم مُطْلِعوني" من شواذ الحروف.
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند ...
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند الإمام الطبري
وهذه الحروف ليست قراءاتٍ عند الإمام الطبري، إلا إذا تأكد من سلامة سندها، فقراءة ابن عباس: "لا تقولوا راعونا" بزيادة الواو غير مقبولة عنده؛ لأنه لا يعلم ذلك صحيحًا من الوجه الذي تصح به الأخبار، فهو يشكك كثيرًا بهذه الأحرف. وفي هذا دَلالة على أن الأحرف المخالفة لم تكن جميعًا من الأحرف السبعة كما بينَّا.
ثانيًا: القراءات المخالفة للإجماع
وهي كل قراءة انفرد بنقلها قراء بعض الأمصار، من ذلك قراءة بعض الكوفيين: (( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ )) [البقرة: 282] بنصب: (( تِجَارَةً )) فهذه قراءة شاذة في نظره، لا تجوز القراءة بها عنده؛ لإجماع القراء على الرفع، وقراءة النصب هذه لعاصم، وهي قراءة متواترة، فتنبه.
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند ...
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند الإمام الطبري
ومن ذلك أيضًا قراءة بعض المَكيين والبصريين: "وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون" بكسر "أنَّ" فبَدَلَ أن يقول: (( وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ )) [الأنعام: 109] قال: "وما يشعركم إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون" فهي شاذة خارجة عما عليه قراءة الأمصار، وكفَى بخلاف جميعهم دليلًا على ذهابها وشذوذها، ولكن هذه قراءة متواترة، فقراءة الكسر هذه لابن كثير، وابن عامر وأبي عمرو وخَلَف، وهي قراءة متواترة.
ثالثًا: القراءة الآحادية
وهي كل قراءة انفرد بنقلها قارئ واحد أو اثنان، أو كانت مرويةً عن بعضهم، ومن ذلك قراءة الحسن: "أو جاءوكم حصرةً صدورهم" وقراءة الحسن والأعرج: "لا أقسم" [القيامة: 1]، وقراءة بعضهم: "ولكل وجهة هو موليها" [البقرة: 148] وقد تكون هناك إضافة إلى مخالفة الإجماع أسباب أخرى تجعل الإمام الطبري يشذذ القراءة، كأن لا يكون وجهها في متناول التفسير الذي يحبِّذه كقراءة الحسن:
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند ...
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند الإمام الطبري
"والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارُ" [التوبة: 100] برفع "الأنصارُ" قال -أي: قال الإمام الطبري: والقراءة التي لا أَسْتجيزُ غيرها الخفض في الأنصار؛ لإجماع الحجة عليه، وأن السابق كان من الفريقين جميعًا من المهاجرين والأنصار، وإنما قُصد الخبر عن السابق من الفريقين دون الخبر عن الجميع.
أو تكون مخالفةً لرسم عثمانَ، ومن ذلك تشذيذه لحرف بعضهم: "أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون" [لبقرة: 161] قال: فغير جائز القراءة بها؛ لأنها خلاف لمصاحف المسلمين، وما جاء به المسلمون من القراءة مستفيضًا فيهم.
أو تكون بعيدةً عن لغة العرب، وأبو جعفر الطبري يكثر من تشذيذ القراءات لهذا السبب، وتتردد في تفسيره عبارة: "لشذوذها عن قراءة المسلمين، وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب".
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند ...
3.2 القراءات الشاذة في القرن الثالث والرابع الهجري، وعند الإمام الطبري
فالطبري يشذذ هذه القراءات لأسباب متعددة ويرفضها، بل يتعصب عليها إلى درجة يقضي فيها بإحلال العقوبة لكل مَن يقرأ بها. ومن أقواله: ولو قرأ ذلك قارئ بالنصب -يريد: "الحمدَ لله" [الفاتحة: 2] لكان عندي محيلًا معناه، ومستحقًّا العقوبة على قراءته إياه كذلك.
وهذه العصيبة ناجمة بالضرورة عن رغبته الحقيقية في تحرير الوجوه الصحيحة، ونبذ الشواذ؛ تيسيرًا على الأمة، ولكن هذه الرغبة قادته إلى تشذيذ كثير من الوجوه التي صححها العلماء قبله وبعده، وباجتهاد الطبري يدخل المصطلح مرحلة المعيار، ويأخذ معنى التشذيذ.