1.3 حكم التعبد بالقراءات الشاذة


حكم التعبد بالقراءات الشاذة
اختلفت الآراء حول حكم القراءة الشاذة في الصلاة اختلافًا كثيرًا. فالقراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثماني مثل قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء -رضي الله عنهما: "والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * والذكر والأنثى" كما ثبت ذلك في الصحيحين. ومثل قراءة: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" ونحو ذلك، فهذه إذا ثبتت عن الصحابة، فهل يجوز أن يُقرأ بها في الصلاة أو لا؟ والإجابة عن ذلك تتلخص في ثلاثة آراء:

الرأي الأول
جواز القراءة بالشاذ في الصلاة، وهو قول بعض العلماء، وأحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:

1.3 حكم التعبد بالقراءات الشاذة


أولًا: أن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الأحرف في الصلاة في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعدَه، وكانت صلاتهم صحيحةً بغير شك، وقد صَحَّ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( مَن أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد )) وقد أمَر النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر وهشامَ بن حكيم حين اختلفَا في قراءة القرآن الكريم، فقال: (( اقرءوا كما عُلمتم )) وكان الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- قبل جمع عثمان المصحف يقرءون بقراءاتٍ لم يثبتها المصحف، أو لم تثبت في المصحف ويصلون بها، لا يرى أحد منهم تحريم ذلك ولا بطلان صلاتهم به.
ثانيًا: أن القول بتحريم القراءة بالشاذ يستلزم وَصْف الصحابة بارتكاب المحرم، فيسقط الاحتجاج بأخبارهم وهم نقلة الشريعة، فيسقط ما نقلوه، فيفسد بذلك نظام الإسلام -والعياذ بالله- ويلزم أيضًا أن الذين قرءوا بالشواذ لم يصلوا قط؛ لأن تلك القراءة محرمة، والواجب لا يأتي بفعل المحرم.

1.3 حكم التعبد بالقراءات الشاذة


الرأي الثاني
فيقول فيه أصحابه: لا يجوز ذلك، وهو قول جمهور العلماء وأكثر الفقهاء، واستدل أصحاب هذا الرأي: بأن هذه القراءات الشاذة لم تثبت متواترةً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن صحت فهي منسوخة بالعَرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على الرسم العثماني، أو أنها لم تُنقل إلينا نقلًا يَثبت بمثله القرآن؛ ولأنها قد لا تكون من الأحرف السبعة.

الرأي الثالث
وفيه توسط بعضهم؛ حيث قالوا: إن قَرَأَ بها في القراءة الواجبة -وهي الفاتحة- لم تصح صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة؛ لعدم ثبوت القرآن الكريم بذلك، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أتَى في الصلاة بمبطلٍ؛ لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي نزَل عليها القرآن الكريم.

1.3 حكم التعبد بالقراءات الشاذة


والرأي المختار هو: فأقول والذي أراه، وأميل إليه: المنع من القراءة بالشاذ، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأكثر الفقهاء؛ وذلك لأن ما لم تثبت قرآنيته لا يصح التعبد به، والشاذة لم تثبت قرآنًا عندنا، فلا يصح التعبد بها. وأما قراءة الصحابي بهذه الشواذ فإن ذلك لا يستلزم بطلان صلاته؛ لأن ما قرأ به الصحابي في حقه لا يعتبر شاذًّا؛ لتلقيه إياه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأما في حقنا فشاذ؛ وذلك لأنه لم ينقل لنا بشكل تقوم به الحجة، ولأنه أيضًا قد خالف الإجماع على مصاحف سيدنا عثمان -رضي الله تعالى عنه- والإجماع مقدم على أخبار الآحاد ونحوهم.

ثانيًا: القراءة بالشاذ خارج الصلاة
أما تلاوة القرآن الكريم بشواذ القراءات خارج الصلاة، فقد اختلف الفقهاء فيها أيضًا على النحو التالي:

1.3 حكم التعبد بالقراءات الشاذة


أولًا: حرمها الجمهور، وقالوا: يؤدَّب الذي يقرأ القرآن بالشواذ، وإذا لم يرتدع يُحبس حتى يتوب إلى ربه. هذا إن كان عارفًا بالحكم. أما إذا كان جاهلًا بالحكم يكتفَى بتعريفه إياه. ونقل ابن عبد البر الإجماع على التحريم.
ثانيًا: يرى مَكي بن أبي طالب، والمحقق ابن الجزري جواز التلاوة بالشاذ خارج الصلاة بشروط خمسة. ما هي؟
أن يكون الشاذ المقروء به موافقًا للرسم، والعربية. وأن يصح سنده. وأن يظفر بالشهرة. ويتلقى بالقبول. ونقل السيوطي -رحمه الله تعالى- فتوى لبعض الفقهاء يجيز فيها التلاوة بالشاذ خارج الصلاة؛ قال: قياسًا على رواية الحديث بالمعنى. وخلاصة ما تتجه إليه أنظار الفقهاء: أن الشاذ من القراءات لا يُتلى به القرآن في الصلاة أو في خارجها، إذ قد أجمع المسلمون على أن القرآن الكريم هو ما بين دَفتي المصحف، وقد طرح الصحابةُ ما سواه عند توحيد رسم المصاحف، فالقراءة بعد ذلك بما خالف رسم مصحف الإمام أو وافقه في الرسم، وخالفه في ركن من أركان القراءة الصحيحة، تشويشٌ وتخليطٌ على المسلمين، يفرق كلمتهم، ويثير بينهم الخلاف الذي حسَم أمره سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

1.3 حكم التعبد بالقراءات الشاذة


وإذا كانت القراءات الشاذة لا تجوز القراءة بها على سبيل التعبد، فيجوز تعلمها، وتعليمها وتدوينها في الكتب، وبيان أوجهها من حيث صحة الاحتجاج بها، والاستدلال على وجه من وجوه اللغة العربية، وفتاوَى العلماء قديمًا وحديثًا مطبقة على ذلك.