1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


أنواع القراءات الشاذة
يمكن تنوع القراءات الشاذة إلى أربعة أنواع:

النوع الأول
ما وافق الرسم والعربية، ولكنه لم يصح في النقل بشكل يفيد القطع، ومثاله: قراءة ابن المسيفع، وأبي السمال، وغيرهما في قوله تعالى: (( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً )) [يونس: 92] بالحاء المهملة في "ننجيك"، وبفتح اللام في "خلفك"، فيقرءون "فاليوم ننحيك ببدنك لتكون لمن خلَفك آية"، فهذه القراءة التي بين يديك، وهي "ننحيك، وخلفك" بفتح اللام قراءة ضعيفة مردودة، كما قرر العلماء.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


قلت: وهذا النوع سماه الإمام السيوطي -رحمه الله تعالى- في (الإتقان): موضوع. ومن ذلك أيضًا: القراءة المنسوبة إلى أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي، ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي، وغيره، فإنها لا أصل لها. ومنها قوله تعالى: "إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ" برفع هاء لفظ الجلالة، ونصب الهمزة، والقراءة الصحيحة (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )) [فاطر: 28].
قال الحافظ أبو الخير ابن الجزري في (نشره) بعد ذكره لهذه القراءة: "وقد راج ذلك على أكثر المفسرين، ونسبها إليه -أي: إلى أبي حنيفة- وتكلف في توجيهها، وإن أبا حنيفة لبريء منها".

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


النوع الثاني
ما وافق الرسم، وصح سنده، ولا وجه له في العربية، وقد حكم على هذا النوع المحقق ابن الجزري، ولا يصدر مثل هذا إلا على وجه السهو، والغلط، وعدم الضبط، ويعرفه الأئمة المحققون، والحفاظ الضابطون، وهو قليل جدًّا، بل لا يكاد أن يوجد.
ومثاله: رواية خارجة عن نافع "معائش" بالهمز، قال ابن مهران المتوفى سنة ثلاثمائة وإحدى وثمانين للهجرة في كتابه (المبسوط) مفندًا هذه القراءة: قرأ القراء (( مَعَايِشَ )) [الأعراف: 10] بغير همز، ولم يختلفوا فيه إلا ما رواه أسيد عن الأعرج، وخارجة عن نافع، أنهما همزاه، قيل: فأما نافع فهو غلط عليه؛ لأن الرواة الثقات كلهم على خلاف ذلك، وقال أكثر القراء، وأهل النحو، والعربية: إن الهمزة فيه لحن، وقال بعضهم: ليس بلحن، وله وجه، وإن كان بعيدًا. وكذا حكم الإمام ابن مجاهد بغلط هذه الرواية في السبعة، وجاء في (غيث النفع) للصفاقسي "معايش" هو بالياء من غير همز، ولا مد لكل القراء، وشذ خارجة فرواه عن نافع بالهمز، وهو ضعيف جدًّا، بل جعله بعضهم لحنًا.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


النوع الثالث
ما صح نقله، ووافق العربية، ولكنه خالف رسم المصحف.
ومثاله: قراءة عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- "فامضوا إلى ذكر الله" بدل (( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ )) [الجمعة: 9]، وقراءة ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقهن قَبَل عدتهن" بزيادة "قبل"، وقراءة ابن شنبوذ "يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" بزيادة "صالحة"، وغير ذلك.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


النوع الرابع
ما وافق الرسم والعربية، ولم ينقل البتة. قال المحقق ابن الجزري عن هذا النوع: "وبقي قسم مردود أيضًا، وهو ما وافق العربية والرسم، ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق، ومنعه أشد، ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر، وقد ذكروا جواز ذلك عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم البغدادي، وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد حضره الفقهاء، والقراء، وأجمعوا على منعه، وأوقف للضرب فتاب ورجع، وكتب عليه بذلك محضر".
ومن ثم، امتنعت القراءة بالقياس المطلق، وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه؛ إذ إن القراءة سنة متبعة، يأخذها الآخر عن الأول؛ ولذلك كان كثير من أئمة القراءة كنافع، وأبي عمرو يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرأت لقرأت حرف كذا كذا، وحرف كذا كذا.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


متى شذت القراءة؟
من المعلوم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعرض على جبريل -عليه السلام- ما نزل من القرآن الكريم كل عام مرة، وفي العام الذي توفي فيه عرض عليه مرتين، يدل على ذلك: ما رواه الإمام البخاري من حديث فاطمة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: (( أسر إلي النبي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي )) .
ومعلوم أيضًا، أن هناك آيات نسخت تلاوتها لحكم جليلة أرادها الله لعباده، فما نسخت تلاوته يعتبر شاذًّا، وقد وقع في عهد سيدنا عمر بن الخطاب ما يدل على ذلك، فقد روى البخاري من حديث ابن عباس أن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: "أُبَي أقرؤنا، وإنا لندع من لحم أبي" وأبي يقول: "أخذته من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا أتركه لشيء، قال الله تعالى: (( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير )) ".

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


وجه الدلالة: في هذا الحديث دليل على أن أبيًّا قرأ آية قد علم عمر بنسخها علمًا بأن الحديث لم يبين ما هي الآية التي قرأ بها أبي -رضي الله تعالى عنه- قال ابن حجر معلقًا على هذا الأثر: "وقد استدل عمر بالآية الدالة على النسخ، وهو من أوضح الاستدلال في ذلك، ولما كان عهد سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- وكتبت المصاحف، وأرسلت إلى الأمصار، وأحرق ما عداها صارت هذه المصاحف من المراجع المهمة التي تعرف بها القراءة الصحيحة، فإن قيل: كيف بقيت القراءات الشاذة بعد كتابة المصاحف العثمانية؟
فالجواب: ثبت أن بعض الصحابة احتفظ بمصحفه الخاص، ولم يسلمه إلى سيدنا عثمان -رضي الله تعالى عنه- لإحراقه،

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


ومن هؤلاء الصحابة: عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- يدل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد، وذكر بسنده إلى خمير بن مالك أنه قال: أمر بالمصاحف أن تغير قال: قال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله، فليس المراد بالغلول الخيانة، فحاشا لابن مسعود أن يفعل ذلك، ولكن المراد منه: إخفاء المصحف، وعدم تسليمه لعثمان، لقد كشفت لنا الأخبار أن بهامش مصحف ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أشياء من قبيل التفسير، ويدل على ذلك: ما ذكره العلامة ابن عطية الغرناطي أنه روي أن ابن مسعود كتب في مصحفه أشياء على جهة التفسير، فظنها قوم من التلاوة، فمكث عليها، ولعل بقاء ذلك المصحف في هذا العصر كان سببًا في تسرب القراءات إلى بعض المسلمين.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


تطور القراءات وانتشارها
نقل الصحابة الذين تلقوا القرآن عن النبي وجوه القراءات عنه أيضًا، فحفظوها، وضبطوها، وعرضوها عليه، ثم أقرءوها جمهور المسلمين، وأسلموها إلى التابعين الذين لم يكونوا أقل منهم حماسة، أو دأبًا إلا أن جهودهم فيها كانت تأتي في غمرة اطلاعهم بالتفسير، والفقه، والفرائض، وغيرها من علوم الشريعة، حتى إذا حل القرن الثاني للهجرة وجدنا رجالًا أكفاء يخفون هذه الوجوه، وينصرفون إلى ضبطها، وحفظ إسنادها، ويضعون الشروط الواجب توافرها في حامل القراءة، فإذا هم أعلام بها، وإذا هي بهم علم مستقل.
قال أبو عبيدة: ثم قام من بعدهم -يريد الصحابة والتابعين- بالقرآن قوم ليست لهم أسنان مَنْ ذَكَرْنَا، ولا قدمه، غير أنهم تجردوا في القراءة، فاشتد بها عنايتهم، حتى صاروا بذلك أئمة، يأخذون الناس عنهم، ويقتدون بهم، وفيهم خمسة عشر رجلًا من هذه الأمصار، في كل مصر منهم ثلاثة رجال، فكان بالمدينة أبو جعفر، ثم شيبة بن نصاح، ثم نافع، وإليه صارت قراءة أهل المدينة.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


وكان من قراء مكة عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج، ومحمد بن محيصن، وأقدمهم ابن كثير، وإليه صارت قراءة مكة.
وكان بالكوفة يحيى بن وثاب، وعاصم، والأعمش، ثم تلاهم حمزة رابعًا، والكسائي. وكان من قراء البصرة عبد الله بن أبي إسحاق، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر.
ومن قراء الشام عبد الله بن عامر اليحصبي، ويحيى بن الحارث الزماري، والثالث قد سمي لي بالشام، ونسيت اسمه. هكذا قال المؤرخ.
وخلاصة القول، نقول: تاريخ الشذوذ: كانت القراءات في عهد النبي، وأبي بكر نبعًا، ثرًّا يلبي حاجة ماسة عند القبائل، ويقع من نفوس أهلها مواقع حسنة،

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


ويقفون جميعًا على أساليب القرآن ولغته، ولكن كثرت هذه القراءات فيما بعد، ولا سيما في عهد سيدنا عثمان، وأخذت يسير في محنى يناقض مسوغ وجودها، ويثير من المخاوف ما لا يمكن درؤه إلا بإجراء اجتهادي يحفظ للقرآن قدسيته، وللمسلمين وحدة الكلمة، فوحد عثمان المصاحف، وجعلها على رسم واحد، وترك خارج مصحفه ما لم يجمع عليه من القراءات، ولم تكن القراءات الموافقة لرسمه على درجة واحدة من الذيوع والانتشار؛ وذلك تبعًا لعدد الذين يحملون القراءة، ودرجة عدالتهم وتوثيقهم، وقد دفع هذا العلماء إلى الاختيار الذي قاد بالضرورة إلى ترك بعض القراءات التي لا تناسب قناعتهم.
ولقد تطورت هذه الاختيارات فيما بعد إلى مقاييس محددة؛ وذلك بفعل اللحن الذي أخذ يسكبه الأعاجم في وجوه القراءات، والتخليط في الأسانيد الذي وقع فيه بعض الضعفاء المشاركين في الفن، مما دفع أولي الأمر،

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


والغيرة إلى الانعطاف بالفن إلى الكتابة، والتدوين، والتماس العون في ضبط القراءات من علوم العربية، إلا أن هذه الجهود لم تكن متناسقة، بل فردية ذاتية، يلفها التعدد والاختلاف؛ إذ كان كل مقياس يصحح بعض القراءات، ويترك بعضًا، فكثر لديهم المتروك، واختلفوا فيه إلى أن كانت النهاية عند ابن الجزري الذي ضبط حدود المتروك منها.
تحديد ما تركته الاختيارات، والمقاييس من قراءات حتى القرن الرابع، وبيان حركة التشذيذ، والتطوير التي صارت عليه القراءات المتروكة؛ بغية الوصول إلى تحديد المادة القرآنية التي يقوم عليها البحث النحوي وغيره.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


ما خرج على شرط أبي بكر -رضي الله تعالى عنه: من المعروف أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت عندما وكل إليهما جمع القرآن: "اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه، ويراد بالشاهدين هنا على أفضل الأقوال: من يشهدان بتلقيها سماعا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فخرج على شرطه آيتان من سورة "التوبة"، انفرد بنقلهما خزيمة الأنصاري، فشفع له في قبول زيد لها جعل النبي فيما مضى شهادته بشهادتين، وحفظ زيد نفسه والصحابة لها، في حين أن آية الرجم وهي قوله تعالى: "لا ترغبوا عن آبائكم فإن ذلك كقربكم الشيخ والشيخة إذا زنيا فرجمهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم"، لم يقبلها زيد من عمر بن الخطاب؛ لأنه كان وحده، ولا توصية بشهادته.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


إن هذه الآية تعد مما شذ عن شرط أبي بكر في جمعه للقرآن، فهي ليست منسوخة كما يرى بعضهم؛ لأن النسخ لا يكون بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبقاؤها مع عمر في عهد أبي بكر دليل على ذلك، يقوي هذا قول عمر المعلل فيها: لولا أن تقول الناس: زاد في كتاب الله لكتبتها، ويقويها أيضًا النسخ كما هو معروف رفع حكم شرعي بدليل شرعي، وهذه الآية لم يتوفر لها صفة الحكم المشهور، ولا دليل النسخ المقطوع به حتى نعدها مما نسخ، كما أننا لا نقول بدرسها، كما أن معظم كتب النسخ قد احتفلت بها.
ولعل خير ما قيل فيها: إنها سنة، فهذا القول يقربها من الحروف المخالفة المأثورة عن الصحابة، ولا سيما أنها تقترب في أسلوبها منها، على أن مقياس أبي بكر -كما هو واضح- أن يترك أثرًا ذا بال في تاريخ الشذوذ، وذلك باختصار آثاره على آية الرجم؛ ولأن العلماء لم يصلوا إلى حل حاسم فيها، ولأن غاية أبي بكر أيضًا كانت تهدف أساسًا إلى تدوين القرآن الكريم.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


ما خرج على شرط عثمان -رضي الله عنه: يعد صنيع عثمان في توحيده مصاحف الأمة على رسم واحد، وحرقه مصاحف الصحابة العتيقة الخطوة الحقيقة الأولى في تاريخ المقاييس. فقد أبعد عثمان -رضي الله تعالى عنه- عن قرآن المسلمين عددًا من الروايات التي لم يستفض نقلها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعلن بطلان العمل بها، وسارع إلى تطبيق ذلك؛ إذ أرسل إلى كل مصر قارئًا تتفق قراءته، والنسخة التي أرسلت إليه. فكان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني، وعبد الله بن السائب مقرئ المصحف المكي، والمغيرة بن الشهاب مقرئ الشامي، وعبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفي، وعامر بن عبد القيس مقرئ البصري.
لقد أصبح منذ هذا الحين رسم عثمان شرطًا أساسيًّا من شروط صحة القراءة، فكل قراءة لا توافق هذا الرسم تبقى خارج المصحف، أما الرسم مصطلحًا: هو الوضع الذي ارتضاه عثمان في كتابة القرآن وحروفه.

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


بقي خارج حدود عثمان عدد من الحروف التي تتميز عما في نسخه بالزيادة، كقراءة ابن مسعود: "ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال يا قوم إني لكم نذير مبين" بزيادة "فقال يا قوم"، أو بالنقصان كترك "على" في قراءة ابن عباس "يا حسرة العباد"، أو باختلاف لفظة، كقراءة ابن مسعود "ولا تنقصونه" بدل "ولا تضرونه"، أو أكثر من لفظة، كقراءة أنس بن مالك "ولا تقربوا النساء في المحيض واعتزلوهن حتى يطهرن"، وهي في نسخ عثمان: (( فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ )) [البقرة: 222]، وقد يكون الاختلاف طفيفًا لا يتجاوز حرفًا واحدًا، كقراءة أبي (( فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا )) [البقرة: 249] برفع "قليل"، وتنوينها "فشربوا منه إلا قليلٌ"، وهي في نسخ عثمان (( إِلاَّ قَلِيلًا )) [البقرة: 249].

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


لقد جاء معظم هذه الحروف في مصحف ابن مسعود؛ لعدم شهوده العرضة الأخيرة، وفي مصحف أبي بن كعب الذي لم يشأ -كما تذكر- المصادر أن يتخلى عما سمعه بنفسه من النبي، كما جاء بعضها في مصاحف الصحابة الآخرين الذين عنوا أحيانًا بتفسير بعض الألفاظ، أو الأحكام، وأثبتوا ذلك كتابة، ولا يمكن ههنا أن ننسب بعض هذه الحروف إلى مصاحف التابعين، أو المتأخرين، كما فعل ابن أبي داود السجستاني؛ لأننا لا نميل إلى وجود مصاحف خاصة بهم على المعنى الاصطلاحي؛ وذلك لأن معظم ما نقل عن هؤلاء من حروف يطابق ما روي عن مصاحف الصحابة؛ ولأن من البعيد أن يتجاوز هؤلاء المتأخرون إجماع الأمة، فيكتبون لأنفسهم مصاحف بعد أن أحرق عثمان مثلها.
ومما يمكن قوله: هو أن هؤلاء التابعين كانوا يرون هذه الأحرف رواية؛ لتمسكهم بها، فقد كان عاصم الجحدري يروي حروفًا منها عن النبي، وأبي بكر، ولكنه إذا كتبها كتبها على ما يوافق رسم عثمان،

1.2 أنواع القراءات الشاذة، وتطورها


فهو يكتب مع الجمهور "المقيمين، والصابئون"، ويقرؤهما "المقيمون والصابئين"، كما رواهما، ولعل ابن أبي داود السجستاني كان يريد من مصاحف التابعين مجموعة الحروف التي اختص بروايتها، ونقلها كل واحد منهم، فيكون بذلك للمصحف ما كان لمعنى جمع القرآن من مؤدى مجازي مجرد.
وكان للرسم أثر بارز أيضًا في انحصارها، فقد بدت مناوأته لها على مر الأعوام شديدة حتى إذا حل القرن الرابع وجدنا أثره قد ترسخ في أذهان المسلمين؛ فانجلى الخلاف عن نصر حاسم له، أدى إلى ترك تلك المخالفات، وجعلها من الشواذ. أضف إلى ذلك، موت حملتها واحدًا بعد الآخر، ومحاولة ابن شنبوذ إيحاء العمل بها، وتنبيهها في وقت كانت في طريقها إلى الزوال، فقد جاءت هذه المحاولة ذريعة قوية للقضاء عليها؛ إذ استطاع مجتهد العصر ابن مجاهد أن يغري بمنافسه ابنِ شنبوذ الوزيرَ ابن مقلة، فأمر الأخير بضربه فرجع عنها.