1.1 تاريخ القرآن والقراءات


تاريخ القرآن والقراءات
لنعلم جميعًا أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم بلغة العرب على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكون هاديًا للناس، ونذيرًا، ودستورًا دائمًا لهم قال تعالى: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )) [يوسف: 2]، ووعد -جل جلاله- بصون القرآن الكريم من النسيان والتحريف فقال -سبحانه: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) [الحِجر: 9]. وقد تحقق هذا الوعد في جهود النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله تعالى عليهم- ويتجلى ذلك في مظهرين:
المظهر الأول: مظهر حفظي، ويتمثل في حفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- وإقرائه الصحابة، وعرضه الدوري على جبريل. وفي جهود الصحابة الذين أتم حشد منهم جمعه، ونشره في صفوف السواد من المسلمين، وقد لخص هذه الحقيقة الإمام ابن الجزري بقوله: "ثم إن الاعتماد في النقل -أي: في نقل القرآن- على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى".

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


والمظهر الثاني: مظهر كتابي، ويتمثل في جهود الصحابة الأوائل الذين سجلوا الوحي للنبي -صلى الله عليه وسلم- على قطع متفرقة من العسب، واللخاف، والرقاع، وغيرها.
ومن هؤلاء الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت -رضي الله عنه- وأبي بن كعب -رضوان الله عليهم أجمعين- وقد تابع أبو بكر، وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما- هذه الجهود بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- فجمع الأول -وهو سيدنا أبو بكر- آيات القرآن المتفرقة، وسوره في صحف خاصة سماها: المصحف، ووحد الثاني -وهو سيدنا عثمان- مصاحف المسلمين، وجعلها على رسم واحد.

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


تعريف القراءات الشاذة، والتمييز بينها وبين القراءات المتواترة

أولًا: تعريف القراءات
القراءات: جمع قراءة، والقراءة مصدر سماعي من قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا، واسم الفاعل منه قارئ، وجمعه قراء، وتطلق القراءة في لسان العرب، ويراد بها معانٍ عدة، فمن ذلك: رؤية الدم، يقال: قرأت المرأة: إذا رأت الدم، وأقرأت: صارت ذات قرء، والقرء أيضًا: الطهر، فهو اسم جامع للأمرين: للطهر، والحيض.
وتطلق القراءة أيضًا، ويراد بها: الجمع، يقال: قرأت القرآن أي: لفظت به مجموعًا أي: ألقيته، ومنه: ألقى الخطيب الخطبة. وتطلق القراءة أيضًا، ويراد بها: الضم أي: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، يقال: قرأت الشيء قرآنًا إذا جمعته، وضممت بعضه إلى بعض، قال تعالى: (( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ )) [القيامة: 17] أي: قراءته، والمقصود بالقراءة في مثل هذا المقام: اسم المفعول بمعنى: وجه مقروء به.

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


واصطلاحًا: علم يعلم منه اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى، واختلافهم في الحذف، والإثبات، والتحريك، والتسكين، والفصل، والوصل، وغير ذلك من هيئة النطق والإبدال، وغير ذلك من حيث السماع.

ثانيًا: تعريف القراءات الشاذة، أو تعريف الشاذ
أما تعريف الشاذ ففي اللغة: الشذوذ: مصدر شذ يشذ شذوذًا، انفرد عن الجمهور فهو شاذ، وشذ الرجل: إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ، والشاذ: المتنحي، وأشذ الشيء: نحاه، وأقصاه، وشاذ عن القياس أي: ما شذ عن الأصول. فالشذوذ كما تصوره المعاجم اللغوية مجتمعة يعني: التفرق، والتفرد، والندرة، والخروج عن القاعدة، والقياس، والأصول. وفي الاصطلاح: كل قراءة فقدت ركنًا، أو أكثر من أركان القراءة المقبولة. ومعلوم أن علماء القراءات وضعوا للقراءات الصحيحة المقبولة ثلاثة أركان، جاءت هذه الأركان لتميزها عن غيرها من القراءات الشاذة، وهذه الأركان هي:

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


صحة السند
أول ركن من هذه الأركان: صحة السند أي: صحة سند القراءة، والمراد بصحة السند: ما نقله العدل الضابط عن مثله كذلك إلى منتهاه، مع اشتهاره عند أئمة هذا الشأن الضابطين له، وهو غير معدود عندهم من الغلط، ولا مما شذ به بعضهم. والإسناد أعظم مدركات فن القراءات؛ لأن القراءات سنة متبعة، ونقل محض، فلا بد من إثباتها وصحتها، ولا طريق إلى ذلك إلا بالإسناد، وهو الطريق الموصلة إلى القرآن الكريم، وخصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة، وإن الله -تبارك وتعالى- أكرم الأمة الإسلامية، وشرفها، وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم التي أخذوها عن غير الثقات، بخلاف الأمة الإسلامية؛ فإنها تنص عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق عن مثله حتى تتناهى أخبارهم.

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


والإسناد العالي قربة إلى الله -سبحانه وتعالى- وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وجمهور العلماء من الفقهاء، والأصوليين، والمحدثين لا يكتفون بالصحة فحسب، بل يضيفون إليها التواتر، والمراد به: ما رواه جماعة عن جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب من البداية إلى المنتهى من غير تعيين عدد.
قال أبو القاسم النويري في شرحه لـ(طيبة النشر): "القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة: هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر، وحينئذ فلا بد من التواتر عند الأئمة الأربعة، وصرح بذلك جماعات: كابن عبد البر، وابن عطية، والنووي، والزركشي، والسبكي، والإسنوي، وأيضًا الإمام الأوزاعي ممن يقولون بالتواتر، وعلى ذلك أجمع القراء، ولم يخالف من المتأخرين إلا مكي، وتبعه بعضهم".

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


وقال الإمام الجعبري: كل قراءة تواتر نقلها، ووافقت العربية مطلقًا، ورسم المصحف ولو تقديرًا؛ فهي من الأحرف السبعة، وما لا تجتمع فيه ذلك فشاذ، وقد رد القول بعد اشتراط التواتر كثير من العلماء منهم: الإمام الصفاقسي في (غيث النفع)؛ حيث قال: "وهذا أي: القول بالاكتفاء بصحة السند قول محدث لا يعول عليه، ويؤدي إلى تسوية غير القرآن بالقرآن". ومنهم: أبو قاسم النويري حيث قال: "عدم اشتراط التواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء، والمحدثين، وغيرهم".
والذي أراه، وأميل إليه: أن اشتراط التواتر لثبوت قراءة قرآنية -أي: قراءة تنقل- هو الأمر المعقول، والذي يتمشى مع القواعد المنطقية، وينسجم مع ما يترتب على القول به من أحكام شرعية، فضلًا عن أنه هو قول جمهور أهل العلم سلفًا وخلفًا، وهو الذي اتفق عليه بعد ابن الجزري، ولم يتابع هو على مخالفته في ذلك على جلالة قدره، ورسوخ قدمه في هذا العلم.

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


موافقة أحد المصاحف العثمانية
الركن الثاني من أركان القراءة الصحيحة: موافقة أحد المصاحف العثمانية: ومعنى ذلك: أن تكون ثابتة، ولو في بعضها كقراءة "سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ" [آل عمران: 133] بحذف الواو التي قبل السين، فهي ثابتة كذلك في المصحف المدني، والشامي، وقراءة "وبالزبر وبالكتاب المنير" [آل عمران: 184] بزيادة باءين، فهي ثابتة في المصحف الشامي، وقراءة "تجري من تحتها الأنهار" [التوبة: 100] في سورة "التوبة" الموضع الأخير منها بزيادة لفظ "من"، فهي ثابتة في المصحف المكي، وهكذا.

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


وموافقة المصاحف، أو بعضها قد تكون تحقيقية، وهي الموافقة الصريحة كقراءة: (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينَ )) [الفاتحة: 4] بحذف الألف: "ملك يوم الدين"، هي موافقة تحقيقًا لسائر المصاحف؛ لأن الألف محذوفة في جميعها، وقد تكون الموافقة تقديرية احتمالية لقراءة الآية المذكورة بإثبات الألف، فهي موافقة للرسم؛ تقديرًا واحتمالًا على معنى: أن إثبات الألف على احتمال وتقدير أنها ثابتة، وحذفت في الرسم اختصارًا، كما في قوله تعالى: (( مَالِكَ الْمُلْكِ )) [آل عمران: 26]، فإنها قرئت بإثبات الألف للجميع مع حذفها اختصارًا في سائر المصاحف. ومعظم القراءات موافقة للرسم صراحة، وتحقيقًا؛ لأن المصاحف كتبت مجردة من النقط والشكل، فكانت محتملة لما ورد من القراءات نحو: (( الْقُدُسِ )) [المائدة: 110] بالضم والإسكان، و (( يَعْمَلُونَ )) [الأنعام: 88] بالغيبة والخطاب، و (( نُنشِزُهَا )) [البقرة: 259] بالزاي والراء، و (( هَيْتَ لَكَ )) [يوسف: 23] بالهمز، والفتح، والضم، وهكذا.

1.1 تاريخ القرآن والقراءات


الركن الثالث
موافقة القراءة للأسلوب العربي بأي وجه كان، سواء كان راجحًا، أم مرجوحًا، فلا يشترط أن تكون على أفصح الأوجه، ولذلك يقول الإمام الداني: "وأئمة القرآن لا تعتمد في شيء من حروف على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها، والمصير إليها". فإذا اجتمعت هذه الأركان الثلاثة في قراءة وجب قبولها، وحرم ردها، سواء أكانت سبعية، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين.