ملخص الدرس


تاريخ القرآن والقراءات:
وعد -جل جلاله- بصون القرآن الكريم من النسيان والتحريف فقال -سبحانه: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) [الحِجر: 9]. وقد تحقق هذا الوعد في جهود النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله تعالى عليهم- ويتجلى ذلك في مظهرين:
المظهر الأول: مظهر حفظي، ويتمثل في حفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- وإقرائه الصحابة، وعرضه الدوري على جبريل. وفي جهود الصحابة الذين أتم حشد منهم جمعه، ونشره في صفوف السواد من المسلمين، وقد لخص هذه الحقيقة الإمام ابن الجزري بقوله: "ثم إن الاعتماد في النقل -أي: في نقل القرآن- على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى".

ملخص الدرس


والمظهر الثاني: مظهر كتابي، ويتمثل في جهود الصحابة الأوائل الذين سجلوا الوحي للنبي -صلى الله عليه وسلم- على قطع متفرقة من العسب، واللخاف، والرقاع، وغيرها.
ومن هؤلاء الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت -رضي الله عنه- وأبي بن كعب -رضوان الله عليهم أجمعين- وقد تابع أبو بكر، وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما- هذه الجهود بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- فجمع الأول -وهو سيدنا أبو بكر- آيات القرآن المتفرقة، وسوره في صحف خاصة سماها: المصحف، ووحد الثاني -وهو سيدنا عثمان- مصاحف المسلمين، وجعلها على رسم واحد.
تعريف القراءات الشاذة، والتمييز بينها وبين القراءات المتواترة:
واصطلاحًا: علم يعلم منه اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى، واختلافهم في الحذف، والإثبات، والتحريك، والتسكين، والفصل، والوصل، وغير ذلك من هيئة النطق والإبدال، وغير ذلك من حيث السماع.

ملخص الدرس


ثانيا: تعريف القراءات الشاذة، في الاصطلاح: كل قراءة فقدت ركنًا، أو أكثر من أركان القراءة المقبولة. ومعلوم أن علماء القراءات وضعوا للقراءات الصحيحة المقبولة ثلاثة أركان، جاءت هذه الأركان؛ لتميزها عن غيرها من القراءات الشاذة، وهذه الأركان هي:
صحة السند: أول ركن من هذه الأركان: صحة السند أي: صحة سند القراءة، والمراد بصحة السند: ما نقله العدل الضابط عن مثله كذلك إلى منتهاه، مع اشتهاره عند أئمة هذا الشأن الضابطين له، وهو غير معدود عندهم من الغلط، ولا مما شذ به بعضهم.
الركن الثاني من أركان القراءة الصحيحة: موافقة أحد المصاحف العثمانية: ومعنى ذلك: أن تكون ثابتة، ولو في بعضها كقراءة "سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ" [آل عمران: 133] بحذف الواو التي قبل السين، فهي ثابتة كذلك في المصحف المدني، والشامي، وقراءة "وبالزبر وبالكتاب المنير" بزيادة باءين، فهي ثابتة في المصحف الشامي، وقراءة "تجري من تحتها الأنهار" في سورة "التوبة" الموضع الأخير منها بزيادة لفظ "من"، فهي ثابتة في المصحف المكي، وهكذا.

ملخص الدرس


الركن الثالث: موافقة القراءة للأسلوب العربي بأي وجه كان، سواء كان راجحًا، أم مرجوحًا، فلا يشترط أن تكون على أفصح الأوجه، ولذلك يقول الإمام الداني: "وأئمة القرآن لا تعتمد في شيء من حروف على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها، والمصير إليها".
فإذا اجتمعت هذه الأركان الثلاثة في قراءة وجب قبولها، وحرم ردها، سواء أكانت سبعية، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين.
أنواع القراءات الشاذة:
يمكن تنوع القراءات الشاذة إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: ما وافق الرسم والعربية، ولكنه لم يصح في النقل بشكل يفيد القطع، ومثاله: قراءة ابن المسيفع، وأبي السمال، وغيرهما.

ملخص الدرس


النوع الثاني: ما وافق الرسم، وصح سنده، ولا وجه له في العربية، وقد حكم على هذا النوع المحقق ابن الجزري، ولا يصدر مثل هذا إلا على وجه السهو، والغلط، وعدم الضبط، ويعرفه الأئمة المحققون، والحفاظ الضابطون، وهو قليل جدًّا، بل لا يكاد أن يوجد.
النوع الثالث: ما صح نقله، ووافق العربية، ولكنه خالف رسم المصحف.
ومثاله: قراءة عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- "فامضوا إلى ذكر الله".
النوع الرابع: ما وافق الرسم والعربية، ولم ينقل البتة.
كيف بقيت القراءات الشاذة بعد كتابة المصاحف العثمانية؟

ملخص الدرس


الجواب: ثبت أن بعض الصحابة احتفظ بمصحفه الخاص، ولم يسلمه إلى سيدنا عثمان -رضي الله تعالى عنه- لإحراقه، ومن هؤلاء الصحابة: عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- يدل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد، وذكر بسنده إلى خمير بن مالك أنه قال: أمر بالمصاحف أن تغير قال: قال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله، فليس المراد بالغلول الخيانة.
تطور القراءات وانتشارها:
نقل الصحابة الذين تلقوا القرآن عن النبي وجوه القراءات عنه أيضًا، فحفظوها، وضبطوها، وعرضوها عليه، ثم أقرءوها جمهور المسلمين، وأسلموها إلى التابعين الذين لم يكونوا أقل منهم حماسة، أو دأبًا إلا أن جهودهم فيها كانت تأتي في غمرة اطلاعهم بالتفسير، والفقه، والفرائض، وغيرها من علوم الشريعة، حتى إذا حل القرن الثاني للهجرة وجدنا رجالًا أكفاء يخفون هذه الوجوه، وينصرفون إلى ضبطها، وحفظ إسنادها، ويضعون الشروط الواجب توافرها في حامل القراءة، فإذا هم أعلام بها، وإذا هي بهم علم مستقل.

ملخص الدرس


ولقد تطورت هذه الاختيارات فيما بعد إلى مقاييس محددة؛ وذلك بفعل اللحن الذي أخذ يسكبه الأعاجم في وجوه القراءات، والتخليط في الأسانيد الذي وقع فيه بعض الضعفاء المشاركين في الفن، مما دفع أولي الأمر، والغيرة إلى الانعطاف بالفن إلى الكتابة، والتدوين، والتماس العون في ضبط القراءات من علوم العربية، إلا أن هذه الجهود لم تكن متناسقة، بل فردية ذاتية، يلفها التعدد والاختلاف؛ إذ كان كل مقياس يصحح بعض القراءات، ويترك بعضًا، فكثر لديهم المتروك، واختلفوا فيه إلى أن كانت النهاية عند ابن الجزري الذي ضبط حدود المتروك منها.
تحديد ما تركته الاختيارات، والمقاييس من قراءات حتى القرن الرابع، وبيان حركة التشذيذ، والتطوير التي صارت عليه القراءات المتروكة؛ بغية الوصول إلى تحديد المادة القرآنية التي يقوم عليها البحث النحوي وغيره.

ملخص الدرس


لقد جاء معظم هذه الحروف في مصحف ابن مسعود؛ لعدم شهوده العرضة الأخيرة، وفي مصحف أبي بن كعب الذي لم يشأ -كما تذكر- المصادر أن يتخلى عما سمعه بنفسه من النبي، كما جاء بعضها في مصاحف الصحابة الآخرين الذين عنوا أحيانًا بتفسير بعض الألفاظ، أو الأحكام، وأثبتوا ذلك كتابة.
حكم التعبد بالقراءات الشاذة:
اختلفت الآراء حول حكم القراءة الشاذة في الصلاة اختلافًا كثيرًا:
الرأي الأول: جواز القراءة بالشاذ في الصلاة، وهو قول بعض العلماء، وأحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد.
أما الرأي الثاني: فيقول فيه أصحابه: لا يجوز ذلك، وهو قول جمهور العلماء وأكثر الفقهاء، واستدل أصحاب هذا الرأي: بأن هذه القراءات الشاذة لم تثبت متواترةً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن صحت فهي منسوخة بالعَرضة الأخيرة.

ملخص الدرس


الرأي الثالث: وفيه توسط بعضهم حيث قالوا: إن قَرَأَ بها في القراءة الواجبة -وهي الفاتحة- لم تصح صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة؛ لعدم ثبوت القرآن الكريم بذلك، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أتَى في الصلاة بمبطلٍ؛ لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي نزَل عليها القرآن الكريم.
والرأي المختار هو: المنع من القراءة بالشاذ، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأكثر الفقهاء؛ وذلك لأن ما لم تثبت قرآنيته لا يصح التعبد به، والشاذة لم تثبت قرآنًا عندنا، فلا يصح التعبد بها.
ثانيًا: القراءة بالشاذ خارج الصلاة:
أما تلاوة القرآن الكريم بشواذ القراءات خارج الصلاة، فقد اختلف الفقهاء فيها أيضًا على النحو التالي:

ملخص الدرس


أولًا: حرمها الجمهور، وقالوا: يؤدَّب الذي يقرأ القرآن بالشواذ، وإذا لم يرتدع يُحبس حتى يتوب إلى ربه. هذا إن كان عارفًا بالحكم. أما إذا كان جاهلًا بالحكم يكتفَى بتعريفه إياه. ونقل ابن عبد البر الإجماع على التحريم.
ثانيًا: يرى مَكي بن أبي طالب، والمحقق ابن الجزري جواز التلاوة بالشاذ خارج الصلاة بشروط خمسة. ما هي؟
أن يكون الشاذ المقروء به موافقًا للرسم، والعربية. وأن يصح سنده. وأن يظفر بالشهرة. ويتلقى بالقبول. ونقل السيوطي -رحمه الله تعالى- فتوى لبعض الفقهاء يجيز فيها التلاوة بالشاذ خارج الصلاة. قال قياسًا على رواية الحديث بالمعنى.