...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


قراءة (طيبة النشر) من أول سورة آل عمران

يقول الإمام ابن الجزري -رحمه الله تعالى-:

سورة آل عمران (المتن)
سَيُغْلَبُونَ يُحْشَرُونَ رُد فَتىَ
يَرَوْنَهُمْ خَاطِبْ ثَنَا ظِلٌّ أَتَى
يُقَاتِلُونَ الثَّانِ فُزْ فِي يَقْتُلوُا
تَقِيَّةً قُلْ فِي تُقَاةً ظُلَلُ
كَفَّلَهَا الثِّقْلُ كَفَى واسْكِنْ وضُمْ
سُكُونَ تَا وَضَعْتُ صُنْ ظَهْرًا كَرُمْ
وَحَذْفُ هَمْزِ زَكَرِيَّا مُطْلَقَا
صَحْبٌ وَرَفْعُ اْلأَوَّلِ انْصِبْ صَدِّقَا
ناَدَتْهُ نَادَاهُ شَفَا وَكَسْرُ أَنْ
نَ اللهَ فِي كَمْ يَبْشُرُ اضْمُمْ شَدِّدَنْ
كَسْرًا كَاِلاسْرَى الكَهْفِ وَالْعَكْسُ رِضَى
وَكَافَ أُولَى الْحِجْرِ تَوْبَةٌ فَضَا

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


وَدُمْ رِضىً حَلاَ الَّذِي يُبَشِّرُ
نُعَلِّمُ الْياَ إِذ ثَوَى نَلْ وَاكْسِرُوا
أَنِّيَ أَخْلُق اتْلُ ثُبْ والطَّائِرِ
فِي الطَّيْرِ كَالْعُقُودِ خَيْرَ ذَاكِرِ
وَطَائِراً مَعاً بَِطْيرًا إِذْ ثَنَا
ظُبىً نُوَفِّيْهِمْ بِيَاءٍ عَنْ غِنَا
وَتَعْلَمُونَ ضُمَّ حَرِّكْ واكْسِرَا
وَشُدَّ كَنْزاً وَارْفَعُوا لاَ يَأْمُرَا
حِرْمٌ حَلاَ رُحْبًا لِمَا فَاكْسِرْ فِدَا
آتَيْتُكُمْ يُقْرَأُ آتَيْنَا مَدَا
وَيُرْجَعُونَ عَنْ ظُبًى يَبْغُونَ عَنْ
حِمًا وَكَسْرُ حَجَّ عَنْ شَفَا ثَمَنْ
مَا يَفْعَلُوا لَنْ يُكْفَرُوا صَحْبٌ طَلاَ
خُلْفًا يَضِرْكُمُ اكْسِرِ اجْزِمْ أَوْصِلاَ
حَقًّا وَضُمَّ اشْدُدْ لِبَاقٍ واشْدُدُوا
مُنَزَّلِينَ مُنْزِلُونَ كَبَّدُوا
وَمُنْزَلٌ عَنْ كَمْ مُسَوَّمِينَ نَمْ
حَقُّ اكْسِرِ الوَاوَ وَحَذْفُ الْوَاوِ عَمْ
مِنْ قَبْلِ سَارِعُوا وَقُرْحُ الْقُرْحُ ضُمْ
صُحْبَةُ كَائِنْ فِي كَأَيِّنْ ثَلَّ دُمْ

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


شرح الأبيات
والآن نبدأ في شرح الأبيات من أول سورة آل عمران:
يقول الإمام ابن الجزري:
                      سَيُغْلَبُونَ يُحْشَرُونَ رُد فَتىَ
ما معنى هذا الكلام؟
المعنى قرأ المرموز له بالراء من "رد" ومدلول "فتى" وهم الكسائي وحمزة وخلف العاشر: "سيغلبون ويحشرون" من قوله تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ )) [آل عمران: ١٢] بياء الغيب فيهما. وتوجيه ذلك أن الضمير للذين كفروا والجملة محكية بقول آخر لا بقل؛ أي قل لهم يا محمد قولي: هذا إنهم سيغلبون ويحشرون إلى جهنم وبئس المهاد، أو أن هذه القراءة تتوافق مع سياق النظم القرآني وذلك أنها أتت متوافقة مع ما أجمع عليه في سورة الأنفال في قوله تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ )) [الأنفال: ٣٨]. وفي هذه القراءة؛ أي قراءة الغيب "سيُغلبون ويحشرون" تحدٍّ وإعجاز، فقد غُلبوا ودحروا وثبت فيهم صفة أهل النار، فالذين هم اليهود والسين من قوله: "سَيُغْلَبُونَ" لقرب الوقوع، وقد تمَّ هذا في الدنيا؛ إذ قَتل النبي من بني قريظة ستمائة رجل، وأجلى بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية عليهم.


...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


وقرأ الباقون: ((سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ )) بتاء الخطاب فيهما هكذا: ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ )) على أن الجملة محكية بـ"قل"؛ أي خاطبهم يا محمد وقل لهم: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد، والمعنى: قل يا محمد للذين كفروا من اليهود: لا تغتروا بكثرتكم، فإنكم ستغلبون في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية عليكم، أما في الآخرة فإنكم ستُحشرون إلى جهنم وبئس المهاد، وهذا وعيد وتهديد لهم بعدم الإيمان، وهذه القراءة تعطي نفس التحدي والإعجاز، إلا أن ثمت فرقًا بلاغيّا وخطابًا بينها وبين القراءة الأولى "سيغلبون ويحشرون"؛ إذ إن القراءة بتاء الخطاب تُوحي بأمر الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يخبرهم من عند نفسه بمضمون الكلام، حتى إذا كذّبوا كانت التكذيب راجعًا إليهم وإن وقع القول عليهم دل على صدقه -صلى الله عليه وسلم- وأن القراءة بياء الغيبة توحي بأمر الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يبلغهم بتحدي الله لهم أنهم سيغلبون، بحيث إذا كذبوا كان التكذيب راجعًا إليه -سبحانه وتعالى- وإن وقع القول عليهم دل على تصديق الله تعالى له وتأييده بمعجزة حسية لا يختلف فيها اثنان، هذا من جهة المعنى. أما من جهة النظم القرآني فقد جاء تجاوبًا مع أمر الله تعالى أن يخاطبهم كفاحًا قل للذين كفروا، ولن يتأتى إلا بتاء الخطاب، فتنبه لهذا التوجيه، واعلم معنى القراءتين؛ لكي تدرك عظمة القرآن الكريم وعظمة القراءات القرآنية التي نزل بها القرآن الكريم.

قال الإمام ابن الجزري:
          يَرَوْنَهُمْ خَاطِبْ ثَنَا ظِلٌّ أَتَى

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


والمعنى: قرأ المرموز لها بالثاء من ثنا:
والظاء من ظل:
           يَرَوْنَهُمْ خَاطِبْ ثَنَا ظِلٌّ أَتَى
والألف من أتى:
           يَرَوْنَهُمْ خَاطِبْ ثَنَا ظِلٌّ أَتَى

وهم أبو جعفر ويعقوب ونافع ((يَرَوْنَهُمْ )) من قوله تعالى: ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ )) [آل عمران: ١٣] "ترونهم" بتاء الخطاب هكذا: "ترونهم" وكلا على أصله في التقليل أو في صلة ميم الجمع أو ما إلى ذلك، وذلك لمناسبة الخطاب في قوله تعالى: ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا )) فجرى ترونهم على الخطاب في "لكم"، والمخاطب هم المسلمون، فإن قيل: كان يلزم على هذه القراءة أن يقرءوا مثليكم، أقول: ذلك لا يجوز؛ لأن القراءة مبنية على التوقيف والسماع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا لم يرد، وقد جرى الكلام على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وهذا الأسلوب -أخي الدارس الكريم- شائع في لغة العرب، وهو ضرب من ضروب البلاغة العربية، وهناك أمثلة كثيرة لذلك في القرآن الكريم. مثال ذلك: قوله تعالى ((حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ )) [يونس: ٢٢]

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


فهذا خطاب، ثم التفت إلى الغيبة وقال: ((وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ )) [يونس: ٢٢] ومثله قوله تعالى: ((وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ )) [الروم: ٣٩] فهذا خطاب، ثم التفت إلى الغيبة وقال: ((فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ )) [الروم: ٣٩].والهاء والميم في "مثليهم" يحتمل أن تكون للمشركين؛ أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد، وهذا بعيد في المعنى؛ لأن الله -جل وعلا- لم يكثّر المشركين في أعين المسلمين؛ لأنه أخبرنا أنه قلل المشركين في أعين المؤمنين، يشير إلى ذلك قوله تعالى: ((وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا )) [الأنفال: ٤٤]، ويحتمل أن تكون الهاء والميم في "مثليهم" للمسلمين؛ أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما هم عليه من العدد؛ أي ترون أنفسكم من الكثرة مثلي عددكم، وهذا المعنى عظيم، وحينئذ يكون المعنى أن الله -سبحانه وتعالى- خيّل لهم ذلك لتقوى عزيمتهم على لقاء الكفار، ويجرءوا على قتالهم. وقرأ الباقون: "يرونهم" بياء الغيب هكذا: "يرونهم مثليهم رأي العين"، وكل على أصله في المدود وفي صلة ميم الجمع وفي الإمالات والتقليلات الواردة في الآيات الكريمة.
وتوجيه هذه القراءة "يرونهم" بياء الغيب؛ وذلك لأن قبله لفظ الغيبة وهو قوله تعالى: ((فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ )) [آل عمران: ١٣] فحُمِل آخر الكلام على أوله، والواو في "يرونهم" للكافرين والهاء والميم للمسلمين، كما أن الهاء والميم في "مثليهم" للمسلمين أيضًا، والمعنى: يرى الكفار المسلمين في غزوة بدر الكبرى مثلي عددهم؛ كي تضعف عزيمتهم ويدب في قلوبهم الرعب والخوف، وعلى ذلك يكون انتصاب "مثليهم" على الحال، روي عن عبد الله بن مسعود قال: "لقد قُللوا في أعيينا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: أراهم سبعين قال: أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلًا فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا".

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


ثم قال الإمام ابن الجزري:
رِضْوَانُ ضَمُّ الكَسْرِ صِفْ وَذُي السُّبُلْ
خُلْفٌ ...................
والمعنى: قرأ المرموز له بالصاد من "صِف" وهو شعبة: "رضْوَان" حيث وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: ((وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ )) [آل عمران: ١٥] بضم الراء "ورُضوان من الله" إلا قوله تعالى: ((يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ )) [المائدة: ١٦] فقد قرأه بالضم والكسر جمعًا بين اللغتين؛ إذ الضم لغة تميم وقيس والكسر لغة الحجازيين.
من هنا قال الإمام ابن الجزري:
رِضْوَانُ ضَمُّ الكَسْرِ صِفْ وَذُو السُّبُلْ
خُلْفٌ ...................
أي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام؛ أي المقترن بكلمة "سبل". والخلاصة: أن شعبة قرأ "رضوان" بضم الراء؛ حيث وقع في القرآن الكريم، إلا ثاني المائدة، وهو قوله تعالى: ((يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ )) [المائدة: ١٦] فقد روي عنه وجهان: الضم والكسر، وهما صحيحان كما قال الإمام ابن الجزري.

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


وقرأ الباقون بكسر راء "رضوان" حيث وقع في القرآن الكريم، و"رُضوان"، "ورِضوان" مصدران بمعنى واحد وهو الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله -سبحانه وتعالى- خَص لفظ "الرضوان" في القرآن بما كان من الله تعالى، قال عز وجل: ((يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا )) [الفتح: ٢٩] هذا وإن قراءة الضم "رضوان" جاءت على سبيل التفريق بين الاسم والمصدر، وذلك أن خازن الجنة رِضوان بينما المصدر رُضوان.

قال الإمام ابن الجزري:
          وَإِنَّ الدِّينَ فَافْتَحْهُ رَجُلْ
والمعنى: قرأ المرموز له بالراء من رجل، وهو الإمام الكسائي: ((إِنَّ الدِّينَ )) من قوله تعالى: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )) [آل عمران: ١٩] بفتح الهمزة: "أن الدين"، على أنها مع اسمها وخبرها بدل "كل" من قوله تعالى قبل: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ )) [آل عمران: ١٨، ١٩] "أن الدين"، وحينئذ تكون أن وما بعدها في محل نصب بـ "شهد الله". أقول: إنها بدل كل من كل، إن فسر الإسلام بالإيمان وأريد به الإقرار بالوحدانية والتصديق بها، وإن فُسر بالتصديق وعلى إرادة ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- مما عُلم من الدين بالضرورة فذلك عين الشهادة مآلًا وإن فسر بالشريعة فالبدل هنا بدل اشتمال؛ لأن الشريعة شاملة للإيمان والإقرار بالوحدانية، ثم إن الشهادة قبلهم: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ )) قد أُجمع على فتح أنه، فرد إلى ما أجمع عليه، أي: أن جميع القراء قرءوا: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ )) بفتح همزة إن، فردت هذه القراءة على ما أجمع عليه القراء.

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


وقرأ الباقون: "إن" بكسر الهمزة هكذا: "إن الدين عند الله الإسلام" وذلك على الاستئناف؛ لأن الكلام قد تم عند قوله تعالى قبل: ((لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )) ثم استؤنف بكلام جديد فكُسرت كلمة "إن"، وذلك تأكيدا للهمزة الأولى أو تأكيدًا لـ"إن" الأولى وتعريفًا للجزأين حصل، ويكون المعنى: لا دين مرضي عند الله تعالى سوى الإسلام، وهذا أبلغ في التأكيد والمدح والثناء.
قال الإمام ابن الجزري:
          يُقَاتِلُونَ الثَّانِ فُزْ فِي يَقْتُلوُا

والمعنى: قرأ المرموز له بالفاء من "فز"، وهو حمزة: ((وَيَقْتُلُونَ )) الموضع الثاني في سورة آل عمران، وهو قوله تعالى: ((وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ )) [آل عمران: ٢١] قرأه: "ويُقاتِلون" بضم الياء وفتح القاف وألف بعدها وكسر التاء، فأريد منك أن تتنبه لقراءة حمزة. ومما أريد أن أنبهك إليه أن خلف يترك غنة الواو في قوله: "حَقٌّ وَيَقْتُلُونَ"، فتنبه لهذه الأصول. وتوجيه هذه القراءة "يقاتلون" مِن قاتل، والمفاعلة من الجانبين؛ لأنه وقع قتال بين الطرفين -الكفار والذين يأمرون بالقسط من الناس- وبذا، فالقراءة تدل على معنى الحرب، وقرأ الباقون "ويقتلون" بفتح الياء وإسكان القاف وحذف الألف، على أنه مضارع قتل، وذلك عطفًا على قوله تعالى أول الآية ((وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ )) [آل عمران: ٢١]

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


فقد أخبر الله عن الكفار بقتلهم الأنبياء بغير حق، فقتل من دونهم أسهل عليهم، فقد جاء القتل مكررًا مرتين؛ إما من التفاوت بين القتلين أو في الاختلاف في الزمانين، ومن تجرأ على قتل نبي فهو على قتل من دون النبي من المؤمنين أجرأ، فحُمل آخر الكلام على أوله في الإخبار عن الكفار بالقتل، روى شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح قال: "قُلت يا رسول الله؛ أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: ((رجل قتل نبيّا أو رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر )) ثم قرأ الآية الكريمة". إذن غير حمزة، يقرأ: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم )) وكل على أصله في كلمة ((النَّبِيِّينَ )) وكلمة ((يَأْمُرُونَ )) وكلمة ((النَّاسِ )) وما إلى ذلك من الأصول والفرش الوارد في الآية الكريمة.

تنبيه: قد قيد الناظم الخلاف في "ويقتلون" بالموضع الثاني فقال هكذا:
          يُقَاتِلُونَ الثَّانِ فُزْ فِي يَقْتُلوُا
ليخرج الموضع الأول وهو قوله تعالى: ((وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ )) [آل عمران: ٢١]؛ حيث اتفق القراء العشرة على قراءته "ويقتلون" بفتح الياء وسكون القاف وحذف الألف على أنه مضارع قتل، فإن قيل: ما الحكمة في عدم ورود الخلاف في الموضع الأول مثلما ورد الخلاف في الموضع الثاني؟ أقول: إن القراءة سنة متبعة ومبنية على التلقي والتوقيف والسماع والمشافهة، فلا يجوز لنا أن نتعدى هذه القواعد وأن نقرأ بالتشهي أو بالهوى، ولكننا نقرأ كما جاءت القراءة بالإسناد الصحيح المروي عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.



...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


           تَقِيَّةً قُلْ فِي تُقَاةً ظُلَلُ
والمعنى: قرأ المرموز له بالظاء من "ظلل" وهو يعقوب الحضرمي: "تقية" من قوله تعالى: ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )) [آل عمران: ٢٨] قرأها "تقية" بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء المفتوحة على وزن "مطية"، وعلى هذه الصورة رسمت في جميع المصاحف فهي موافقة للرسم تحقيقًا، وقرأ الباقون "تقاة" بضم التاء وفتح القاف وألف بعدها على وزن "رعاة"، وكل على أصله في المنفصل وفي غيره من القواعد الأصولية. ثم قال الناظم -رحمه الله تعالى:
          كَفَّلَهَا الثِّقْلُ كَفَى ...................
والمعنى: قرأ المرموز لهم بـ"كفى" وهم عاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر: ((وَكَفَّلَهَا )) من قوله تعالى ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا )) [آل عمران: ٣٧] بتشديد الفاء على أنه فعل ماضي من كفّل مضعف العين، وفاعل كفّل ضمير على ربها والهاء مفعول ثانٍ مقدّم، وزكريا مفعول أول مؤخر، والتقدير: جعل الله زكريا -عليه السلام- كافلا مريم؛ أي ضامنًا لمصالحها، ويقويه: ما روي أنها لما ولدتها حملتها إلى المعبد، فتنافسوا فيها رغبةً؛ فاقترعوا فألقوا أقلامهم بنهر، فارتفع قلم زكريا فكأن الله ألزمه بها، ثم أنه توافق سياق الآية وهو ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا )) فتوافق ((وَكَفَّلَهَا )) مع ما عطف عليه لفظًا.


...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


وقرأ الباقون: "وكَفَلها" بتخفيف الفاء، والفاعل زكريا -عليه السلام- والهاء مفعول به؛ أي: كفل زكريا مريم، وضمِن القيام بأمرها، ويقويه: ((إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ )) [آل عمران: ٤٤]. قال الإمام الزبيدي في مادة "كفل": الكافل العائل، يكفل إنسانًا؛ أي يعوله، ومنه قوله تعالى: "وكفلها زكريا" بتخفيف الفاء، وهي قراءة غير الكوفيين، والمعنى: ضمن القيام بأمرها، وكفله بتشديد الفاء تكفيلًا، وبه قرأ الكوفيون الآية الكريمة؛ أي كفّل الله زكريا إياها؛ أي ضمنها إياه حتى تكفل بحضانتها، قلت: وكلتا القراءتين متفقتان؛ لأن الله لما كفّلها إياه كفلها.
ثم قال الإمام ابن الجزري:
وسَكِّنْ وضُمْ سُكُونَ تَا            وَضَعْتُ صُنْ ظَهْرًا كَرُمْ

أي قرأ المرموز له بالصاد من "صن" والظاء من ظهرا، والكاف من "كرم"، وهم شعبة ويعقوب وابن عامر: "وَضَعْتُ" من قوله تعالى: "فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ" [آل عمران: ٣٦]. بإسكان العين وضم التاء، وكلّا على أصله في المنفصل، وتوجيه هذه القراءة وهي "وضعْتُ" أن هذا من كلام أم مريم، والتاء فاعل، وهذه القراءة جاءت مراعاة للسابق، وهو ((رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى )) [آل عمران: ٣٦] فكأنها أخبرت ربها بأمر هو أعلم به منها، فتداركت ذلك بقولها: "والله أعلم بما وضعتُ" وهذا التدارك في قولها إما أن يكون على سبيل الاعتذار لربها؛ حيث وضعت مولودًا لا يصلح للغرض، فتداركت بالاعتذار "والله أعلم بما وضعتُ"

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


وإما تسلية لنفسها ويكون المعنى: ولعل لله تعالى في هذا الأمر سرّا وحكمة، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر فكلمها لنفي العلم لا للتجهيل نظرًا لظاهر الحال الذي يشاهده الإنسان، وقرأ الباقون "وضعَتْ" بفتح العين وسكون التاء، وكل على أصله في المنفصل وفي الإمالات وما شابه ذلك. والتوجيه: أنه من كلام الله تعالى أو من كلام الملك الذي هو جبريل -عليه السلام- والتاء للتأنيث، إذن هذا الكلام ليس من كلام أم مريم، وليست الجملة هذه ردّا على كلا أم مريم، وإنما جاءت اعتراضية؛ لتعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه والتجهيل لها بقدره؛ أي والله أعلم بالشيء الذي وضعتُه، وما علق به من عظائم الأمور ودقائق الأسرار وواضح الآيات وهي غافلة عن ذلك كله، ويكمن سر التجهيل بحرف "ما" بدلًا من "مَنْ" فهو غالبا ما يؤتى به لما يجهل به؛ إذ جعل ما عبارة عن الواضعة.
ثم قال الإمام ابن الجزري -رحمه الله تعالى:
وَحَذْفُ هَمْزِ زَكَرِيَّا مُطْلَقَا            صَحْبٌ وَرَفْعُ اْلأَوَّلِ انْصِبْ صَدِّقَا
والمعنى: قرأ المرموز له بمدلول "صحب" وهم حفص وحمزة والكسائي وخلف العاشر لفظ ((زَكَرِيَّا )) حيث وقع في القرآن الكريم، وقد جاء في سبعة مواضع، نحو قول الله تعالى: ((وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا )) [آل عمران: ٣٧] قرءوا ((زَكَرِيَّا )) بالقصر من غير همز في جميع القرآن الكريم، وقرأ الباقون: "زكرياء" بالهمز والمد وقرأ الباقون "زكرياء" بالهمز والمد، والمد والقصر لغتان مشهورتان في "زكريا".


...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


ثم أمر الناظم -رحمه الله تعالى- بالقراءة للمرموز له بالصاد من "صدِّقا" وهو شعبة بنصب "زكرياء" الموضع الأول في القرآن، وهو الذي في آل عمران في قوله تعالى: "وكفّلها زكرياء" على أنه مفعول ثاني لكفلها مشدد الفاء ورفعه الباقون ممن قرأ "وكفَلها" بتخفيف الفاء، فإن شعبة يقرأ: "وكفَّلها زكرياء كلما دخل عليها زكرياء" ومن يقرأ بالتخفيف: "وكفَلها زكرياءُ" بالضم.
قال الشيخ المتولي -رحمه الله تعالى:
وزكريا همزَه ارفع مع دخل
دعا ويا ومع تخفيف كفل
ثم مع التشديد صحبة نصب
وفي البواقي عند كلٍّ انتصب

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


xxxxxxxxxxxxxx

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


xxxxxxxxxxxxxx

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


xxxxxxxxxxxxxx

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


xxxxxxxxxxxxxx

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


xxxxxxxxxxxxxx

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


xxxxxxxxxxxxxx

...: ١.١ توجيه القراءات من أول سورة آل عمران إلى قول ابن الجزري


xxxxxxxxxxxxxx