٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
بيان فضل حملة القرآن الكريم
بَابُ الهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ (٦)
| أَسْقَطَ الاُوْلَى فِى اتِّفَاَقٍ زِنْ غَدَا |
خُلْفُهُمَا حُزْ وَبِفَتْحٍ بِنْ هُدَى |
| وَسَهَّلًا فِى الكَسْرِ وَالضَّمِّ وَفِي |
بِالسُّوءِ وَالنَّبِيءِ اِلادْغَامُ اصْطُفِي |
| وَسَهَّلَ الأُخْرَى رُوَيْسٌ قُنْبُلُ |
وَرْشٌ وَثَامِنٌ وَقِيلَ تُبْدَلُ |
| مَدًّا زَكَا جُودًا وَعَنْهُ هَؤُلاَ |
إِنْ وَالْبِغَا إِنْ كَسْرَ يَاءٍ أَبْدِلاَ |
| وَعِنْدَ الاِخْتِلاَفِ الاُخْرَى سَهِّلَنْ |
حِرْمٌ حَوَى غِنًا وَمِثْلُ السُّوءُ إِنْ |
| فَالْوَاوُ أَوْ كَالْيا وَكَالسَّمَاءِ أَوْ |
تَشَاءُ أَنْتَ فَباِلاِبْدَالِ وَعَوْا |
بَابُ الْهَمْزِ المُفْرَدِ (٢٦)
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
| وَكُلَّ هَمْزٍ سَاكِنٍ أَبْدِلْ حِذَا |
خُلْفٍ سِوَى ذِي الْجَزْمِ وَاْلأَمْرِ كَذَا |
| مُؤْصَدَةٌ رِئْيًا وَتُؤْوِي وَلِفَا |
فِعْلٍ سِوَى اْلإِيوَاءِ اْلأَزْرَقُ اقْتَفَى |
| وَاْلأَصْبَهَانِيْ مُطْلَقًا لاَ كَاسُ |
وَلُؤْلُؤًا وَالرَّأْسُ رِئْيًا بَاسُ |
| تُؤْوِي وَمَايَجِيءُ مِنْ نَبَأْتُ |
هَيِّيءْ وَجِئْتُ وَكَذَا قَرَأْتُ |
| وَالكُلَّ ثِقْ مَعْ خُلْفِ نَبِّئْناَ وَلَنْ |
يُبْدَلَ أَنْبِئْهُمْ وَنَبِّئْهُمْ إِذَنْ |
| وَافَقَ فِى مُؤْتَفِكٍ بِالْخُلْفِ بَرْ |
وَالذِّئْبُ جَانِيهِ رَوَى اللُّؤْلُؤُ صَرْ |
| وَبئْسَ بِئْرٍ جُدْ وَرُؤْيَا فَأدَّغِمْ |
كُلًا ثَنَا رِئْيًا بِهِ ثَاوٍ مُلِمْ |
| مُؤْصَدَةٌ بِالْهَمْزِ عَنْ فَتًى حِمًا |
ضِئْزَى دَرَى يَأْجُوجَ مَأْجُوجَ نَمَا |
| وَالْفَاءَ مِنْ نَحْوِ يُؤَدِّهْ أَبْدِلوُا |
جُدْ ثِقْ يُؤَيِّدْ خُلْفُ خُذْ وَيُبْدَلُ |
| ِلْلأَصْبَهَانِيْ مَعْ فُؤَادٍ إِلاَّ |
مُؤَذِّنٌ وَأَزْرَقٌ لِيَلاَّ |
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
| وَشَانِئَكْ قُرِيْ نُبَوِّيْ اسْتُهْزِئَا |
بَابُ مِائَهْ فِئَهْ وَخَاطِئَهْ رِئَا |
| يُبَطِّئَنْ ثُبْ وَخِلاَفُ مَوْطِيَا |
وَاْلاَصْبَهَانِي وَهْوَ (أبو جعفر) قَالاَ |
| مُلِي وَنَاشِيَهْ وَزَادَ فَبِأَيْ |
بِالْفاَ بِلاَ خُلْفٍ وَخُلْفُهُ بِأَيْ |
| وَعَنْهُ سَهِّلِ اطْمَأَنَّ وَكَأَنْ |
أُخْرَى فَأَنْتَ فَأَمِنْ لأَمْلأَنْ |
| أَصْفَا رَأَيْتَهُمْ رَآهَا بِالْقَصَصْ |
لمَاَّ رَأَتْهُ وَرَآهُ النَّمْلَ خُصْ |
| رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبْ رَأَيْتَ يُوسُفَا |
تَأَذَّنَ اْلأَعْراَفَ بَعْدُ اخْتَلَفَا |
| وَالْبَزِّ بِالْخُلْفِ لأَعْنَتَ وَفِي |
كَائِنْ وَإِسْرَائِيلَ ثَبْتٌ وَاحْذِفِ |
| كَمُتَّكُونَ اسْتَهْزِءُوا يُطْفُوا ثَمَدْ |
صَابُونَ صَابِينَ مَدًا مُنْشُونَ خَدْ |
| خُلْفًا وَمُتَكِينَ مُسْتَهْزِينَ ثَلْ |
وَمُتَّكًا تَطَوْ يَطَوْ خَاطِينَ وَلْ |
| أَرَيْتَ كُلًا رُمْ وَسَهِّلْهَا مَدَا |
هَا أَنْتُمُ حَازَ مَدًا أَبْدِلْ جَدَا |
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
| بِالْخُلْفِ فِيهِمَا وَيَحْذِفُ اْلأَلِفْ |
وَرْشٌ وَقُنْبُلٌ وَعَنْهُمَا اخْتُلِفْ |
| وَحَذْفُ يَا اللاَّئِيْ سمَاَ وَسَهَّلُوا |
غَيْرَ ظُبىً بِهِ زَكَا وَالْبَدَلُ |
| سَاكِنَةَ الْيَا خُلْفُ هَادِيْهِ حَسَبْ |
وَبَابَ يَيْأَسِ اقْلِبَ ابْدِلْ خُلْفُ هَبْ |
| هَيْئَةَ أَدْغِمْ مَعْ بَرِيْ مَرِيْ هَنِيْ |
خُلْفٌ ثَنَا النَّسِيْءُ ثَمْرُهُ جَنِي |
| جُزًّا ثَنَا وَاهْمِزْ يُضَاهُوَن نَدَى |
بَابَ النَّبِيِّ وَالنُّبُوَّةِ الْهُدَى |
| ضِيَاءَ زِنْ مُرْجُونَ تُرْجِي حَقَّ صُمْ |
كَسَا الْبَرِيَّةُ اتْلُ مِزْ بَادِيَ حُمْ |
بعد أن انتهينا من تصحيح متن الطيبة نبدأ بمشيئة الله تعالى في شرح المقدمة.
قال الناظم أثابه الله تعالى:
المتن (قٌالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ...)
| قٌالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ الْجَزَريِ |
يَاذَا الجَلالِ ارْحَمْهُ وَاسْتُر وَاغْفِرِ |
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
الشرح
(قال) فعل ماضٍ ثلاثي، ناصب لمفعولين عند بني سليم بعد استيفاء فاعله، ولواحد عند الجمهور. ثم إن كان مفردًا سواء كان معناه مفردًا أو مركبًا نحو: قال زيد كلمة وشعرًا؛ نصب لفظه، وإن كان جملة نصب محله، وحكى لفظ الجملة بلا تغيير، ومحكيُّ القول هنا الحمد لله إلى آخر الكتاب، فجملة "ياذا الجلال" معترضة لا محل لها من الإعراب. وربما يحتمل الدخول في الحكاية وعليه أيضًا فلا محل لها؛ لأنّ نسبتها إلى مفعول القول كنسبة الزاي من زيد إليه لا يقال: إن كل جملة صدق عليها أنّها محكية؛ لأنه يلزم منه تقدير القول.
وتقدير عاطف كلاهما في كل جملة وعدم الحكم على شيء من جمل الكتاب كله بأنّها في محل رفع، أو جر، أو نصب بغير القول، والله أعلم.
و(محمد) فاعله، و(هو ابن الجزري) جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، وربما يؤخذ من كلام ابن مالك في باب الفصل من التسهيل جواز وقوع ضمير الفصل بين الموصوف وصفته، فعلى هذا يجوز إعراب (هو) ضمير فصل، و(ابن الجزري) صفته. و(ذا الجلال) منادي موصوف، و(ارحمه) طلبية وكذا تاليتاها ومفعول (استر) محذوف لأنه منصوب، وكذا متعلق (اغفر) وهو له؛ لأنه ملحق بالفضلات.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
فإن قلت: كان المناسب التعبير بالمستقبل فلم عدل عنه؟ قلت: يحتمل أنه أخَّر وضع هذا البيت إلى أن فرغ من الكتاب وحينئذٍ فلا يرد السؤال، ويُحتمل أنه قدمه والمستقبل المحقق الوقوع يُعبر عنه بالماضي كقوله تعالى: ((أَتَى أَمْرُ اللهِ)) [النحل: ١] فيكون الناظم نزل هذا الكتاب منزلة المحقق الوقوع لكونه قادرًا بنفسه على فعله لاجتماع أسبابه وارتفاع موانعه. فإن قلت: هل يجاب بأنه عبر بالماضي عن المستقبل؟ قلت: فيه بعد والظاهر عدمه لأنه مجاز، فإن قلت الجواب الثاني أيضًا فيه مجاز. قلت: هو أكثر وأشهر، بل صار حقيقة عرفية، فهو مقدم. فإن قلت: الجزري صفة جده لا أبيه قلت: الجد أيضًا أب كقوله تعالى: ((وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)) [النساء: ٢٢ الآية]: أو نسب نفسه له لشهرته به.
فإن قلت: ما الحكمة في الإتيان بالشطر الثاني؟ قلت: الإشارة إلى أن هذا النظم الذي هو من أعماله وإن كان عملًا صالحًا، وكذلك جميع الأعمال ليس هو موجبًا للفوز الأخروي، وأنه غير ناظر إليه ومعتمد عليه، وأنّ الفوز إنّما يحصل برحمة الله تعالى: ومن رحمة الله تعالى أن يُيسر للعبد في الدنيا أفعال الخير.
ولذلك خُصَّ الدعاء بالرحمة إشارة إلى قوله -صلى الله عليه وسلم: ((لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؛ إلاأن يتغمَّدني الله برحمته)). وأكد طلب الرحمة ثانيًا بقوله: (استر)، وهو من ذِكْر الخاص بعد العام؛ لأنه إذا ستره غفر له ذلك الذنب الذي ستره منه، والستر أيضًا ضرب من الرحمة، ثم أكد طلب الرحمة ثالثًا بطلب المغفرة التي هي أهم أنواع الرحمة في حقه وهو ترتيب حسن جدًّا، والله أعلم.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
المتن (الْحَمْدُ للهِ عَلىَ ...)
| الْحَمْدُ للهِ عَلىَ مَا يَسَّرَهْ |
مِنْ نَشْرِ مَنْقُولِ حُرُوفِ العَشَرَهْ |
الشرح
(الحمد لله) اسمية، وفي خبرها الخلاف المشهور هل الجار والمجرور أو متعلقة وهو الأصح؟ وهل المتعلق اسم، وهو الأصح؟ أو فعل؟ وهل ضمير المتعلق انتقل إلى المتعلق وهو الأصح؟ أو على حاله، وإنما عدل إلى الرفع في الحمد ليدل على عمومه وثبوته له دون تجدده وحدوثه.
وهو من المصادر التي تُنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تستعمل معها، والتعريف فيه للجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد، أو للاستغراق إذ الحمد في الحقيقة كله لله، إذ ما من خير إلا وهو موليه بواسطة أو بغير واسطة، كما قال تعالى: ((وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ))، ومنه إشعار بأن الله تعالى حي قادر مريد عالم؛ إذ الحمد لا يستحقه إلا من هذا شأنه.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
و(الحمد) هو الثناء باللسان على قصد التعظيم؛ سواء تعلق بالفضائل أو بالفواضل، والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعمًا؛ سواء كان قولًا باللسان، أو عملًا بالأركان، أو اعتقادًا أو محبة بالجنان؛ فعلى هذا لا يكون مورد الحمد إلا اللسان ومتعلقه تارة يكون نعمة وتارة غيرها، ومتعلق الشكر لا يكون إلا النعمة ومورده يكون اللسان وغيره، فالحمد على هذا يكون أعم من الشكر باعتبار المتعلق، وأخص باعتبار المورد، والشكر أعم باعتبار المورد وأخص باعتبار المتعلق فبينهما عموم وخصوص من وجه، فالثناء بالجنان أو الأركان شكر، و(الله) اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد فإن قلت: ما الحكمة في تقديم الحمد؟ قلت: الاهتمام به؛ لكون المقام مقام الحمد، وكذا قال في (الكشاف) في قوله تعالى: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)) (العلق: ١)، وإن كان ذكر الله تعالى أهم باعتبار ذاته لكن اعتبار المقام مقدم.
والصحيح أنّ الاسم الكريم عربي، وقال البلخي: سرياني معرب، واختلف في اشتقاقه فقال سيبويه والإمام الشافعي: وهو جامد، وهو أحد قولي الخليل، وقال غيرهم: مشتق من أله الرجل فزع إليه إلاه، فِعَال بمعنى مفعول، أو من ولهه أحبه، فأبدلت الواو همزة، أو من لاه احتجب ثم زيدت (الـ) عهدية أو جنسية، وحذفت الهمزة على الأولين، ونقلت، وفخمت للمعبود الحق، ولزمت اللام للعلمية، وعلى ما يسره متعلق بمتعلق الخبر وما موصول اسمي أو حرفي، ويسره صلته، ومن نشر...إلخ، جار ومجرور ومضافات، ومن بيان لما وأراد بـ(نشر منقول) كتابه المسمى بـ(النشر) حمد الله تعالى أولًا، لا لأجل شيء بل لكونه مستحقًّا للحمد بذاته وهو أبلغ.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
وثانيًا: لكونه منعمًا ومتفضلًا، وافتتح كتابه بالحمد تأسيًا بما هو متعلق به وهو القرآن، ولما خرجه أبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم))، ويروى ((كل كلام))، ويروى ((بذكر الله))، ويروى ((فهو أقطع)) وهي مفسرة لأجذم أي: مقطوع عن الخير والبركة، وفي هذا البيت من أنواع البديع براعة الاستهلال، ولما افتتح بالحمد ثنَّى بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:
المتن (ثُمَّ الصَّلاَةُ والسَّلامُ ...)
| ثُمَّ الصَّلاَةُ والسَّلامُ السَّرْمَدِي |
عَلىَ النَّبِىِّ المُصْطَفَى مُحَمَّدِ |
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
الشرح
(ثم) حرف عطف يقتضي التشريك والترتيب والمهلة على الأصح في الثلاثة، و(الصلاة) مبتدأ، و(السلام) معطوف و(السرمدي) صفته و(على النبي) خبر، وفيه ما في الحمد لله، و(المصطفى) صفته و(محمد) بدل أو بيان ومنه عطف جملة على أخرى ولا محل لها، كالمعطوف عليها والصلاة لغة، والدعاء ومنه قوله تعالى: ((وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم صلِّ على فلان)) وهي من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار ومن الناس الدعاء، وعرفها بلام الجنس أو الاستغراق لتفيد الشمول، وجعل الجملة اسمية لتفيد الثبوت والدوام.
وأصل الدعاء أن يكون بصيغة الأمر كقوله تعالى: ((وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا)) [البقرة: ٢٨٦].
وأتى به الناظم بلفظ الخبر تفاؤلًا بالإجابة وعطف (السلام) عليها لما سيأتي، و(السرمدي) الدائم، و(النبي) بشر نزل عليه الملك بوحي من عند الله، وهل هو مرادف للرسول (هو الأصح) أو الرسول أخصّ، فيقال الرسول من أرسل إلى غيره، والنبي من أوحي إليه، وهو رأي جماعة و(المصطفى) المختار مأخوذ من الصفوة وهي الخاص ومن الكدر، وأصله مصتفى قُلبت التاء طاء لمجاورتها حرف الإطباق، و(محمد) علم نُقل من الوصف.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
أردف الحمد بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ الله تعالى قرن اسمه باسمه نحو: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُوَلُهُ))، ولقوله تعالى: ((صَلُّوُا عَلَيْهِ))، وقال بعضهم في قوله تعالى: ((وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)) لا أذكر إلا ذكرت معي، قاله القاضي عياض وفي الشفاء والحديث: ((أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا)) ولهذا الحديث عطف السلام على الصلاة ولاقترانه به في الأمر بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)).
وعن أبي سعيد: ((ما من قوم يقعدون ثم يقومون، ولا يصلون على النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة)) ثم عطف فقال:
المتن (وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ ...)
| وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَلاَ |
كِتَابَ رَبِّنَا عَلَى مَا أَنْـزَلا |
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
الشرح
(وآله) عطف على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصله أهل أو أول، وسيأتي تصريفه.
خصَّ استعماله في الأشراف وأولي الحظوة، وآل النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: أتباعه، وقيل: أمته، واختاره الأزهري، وغيره من المحققين، وقيل: أهل بيته وذريته، وقيل: أتباعه من رهطه وعشيرته، وقيل آل الرجل نفسه، ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد، وفي الحديث: ((اللهم صلِّ على آل إبراهيم)).
(وصحبه) معطوف أيضًا، وهو اسم جمع لصاحب كركب وراكب، وقال الجوهري هما جمعان، والصحابي من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، ومات على الإسلام لو تخللت ردة في الأصح. والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكلمه، ومَنْ موضوعه للعقلاء وهي هنا موصولة وصلتها (تلا).
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
و(كتاب) مفعول تلا وهو الكلام المنزل للإعجاز، و(ربنا) مضاف إليه ومضاف باعتبارين والرب الملك، وهو في الأصل بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل، وقيل: هو نعت من ربه يربه، فهو رب سمي به المالك؛ لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه، ولا يُطلق على غيره تعالى إلا مقيدًا، كقوله تعالى: ((ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ)) [الفجر: ٢٨] و(على) متعلق بتلا، و(ما) موضوعه لما لا يُعقل، وهي هنا موصولة أي: على الوجه الذي أنزل الكتاب عليه، والعائد المجرور بعلي حُذف لكون الموصول جُرَّ بمثله اتبع الآل والأصحاب كقوله -صلى الله عليه وسلم: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ))، ويصدق الآل على الصحب في قوله، واتبع التالين لقوله تعالى: ((اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ))، ولقوله تعالى: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)) ثم استأنف فقال:
المتن (وَبَعْدُ: فَالإْنْسَانُ ...)
| وَبَعْدُ: فَالإْنْسَانُ لَيـْسَ يَشْرُفُ |
إِلاَّ بِمَا يَحْفَظُهُ وَيَعْرِفُ |
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
الشرح
(بعد) ظرف مكان مبهم وتعينه الإضافة، فإذا حذف مضافه منويًّا بُني وضُمَّ توفيرًا لمقتضاه، والعامل فيه إما مقدرة لنيابتها عن الفعل، والأصل مهما يكن من شيء بعد الحمد والثناء، ومهما هنا مبتدأ والاسمية لازمة للمبتدأ، ويكن شرط والفاء لازم له غالبًا، أما معنى الابتداء والشرط لزمتها ولصوق الاسم إقامة اللازم، مقام الملزوم وإبقاء لأثره في الجملة.
و(الإنسان) مبتدأ و(ليس) ومعمولاها خبره، و(إلا بما يحفظه ويعرف) استثناء مفرغ، وابتداء الناظم -رضي الله عنه- المقصود بأما بعد تيمنًا واقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يبتدئ بها خبطته، وقد عقد البخاري لذلك بابًا في صحيحه.
وذكر فيه جملة أحاديث قيل: وأول من تكلم بها داود، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: قس بن ساعدة، وقال بعض المفسرين: إنّه فصل الخطاب الذي أوتيه داود، والمحققون أنّه الفصل بين الحق والباطل أي: أما بعد الحمد والصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهذه جملة في فضل قارئ القرآن، ثم مهَّد قبل ذلك قاعدة وهي أن: كل إنسان لا يفضل ويشرف إلا بما يحفظ ويعرف، ولا يكبر وينجب إلا بمن يقارن ويصحب، ومن هذا قوله -عليه الصلاة والسلام- ((يحشر المرء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ))، ولذلك قال -عليه السلام: ((لو كنت مُتّخذًا خليلًا من هذه الأُمّة دون ربّي...الحديث)).
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
ومنه قوله ابن حزم:
| عليك بأرباب الصدور فمــــــن غدا |
مضافًا لأرباب الصدور تصـــدرا |
| وإياك أن ترضى صحابة ناقص |
فينـــــحط قدرًا من علاك وتحقرا |
| فرفع أبو من ثم خفض مزمل |
ُبيِّن قولي مغربًا ومحذرًا |
وفي الحديث: ((الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَصَاحِبِ الْمِسْكِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْهُ أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ، وَالجَلِيسِ السُّوءِ كَصَاحِبِ الْكِيرِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْ سَوَادِهِ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ)) أخرجه أبو داود. وإذا كان الجليس له هذا التعدِّي وجب على كل عاقل في وقتنا هذا أن يعتزل الناس ويتخذ الله جليسًا، والقرآن ذكرًا، فقد ورد ((أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي))، ((أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ))، وخاصة الملك جلساؤه في أغلب أحوالهم، فمن كان الحق جليسه فهو أنيسه فلا بد أن ينال من مكارم خلقه على قدر زمان مجالسته، ومن جلس إلى قوم يذكرون الله فإن الله يدخله معهم في رحمته؛ فإنهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم، فكيف يشقى من كان الحق جليسه؟ وهذا على سبيل الاستطراد، والله تعالى أعلم.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
المتن (لِذَاكَ كَانَ حَامِلُو الْقُرآنِ ...)
| لِذَاكَ كَانَ حَامِلُو الْقُرآنِ |
أَشْرَافَ الأُمَّةِ أُوليِ الإحْسَانِ |
الشرح
(اللام) تعليلية و(ذاك) اسم إشارة لبعيد، فإن قلت: كان الأولى التعبير بالذي للقريب قلت: لما كانت الأصحاب الرفيعة، والأقران غير الشنيعة يحصل للنفس منهما كَلٌّ وتعب، وقلق وملال، ونصب؛ بحيث صارت (تأبى القرب منهما)، ولا تنقاد للرد لديهما بل عنهما، نُزِّل المذكور لهذا منزلة البعيد فلم يُعبِّر عنه بما يعتبر به عنك قريب.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
و(حاملو) جمع حامل، أصله حاملون حُذف نونه للإضافة إلى القرآن، وهو اسم كان وخبرها (أشراف الأمة)، وهو جمع شريف، و(أولى الإحسان) خبر ثانٍ لكان، أي: لما كان الإنسان بسبب الجليس يكمل، وكان القرآن أعظم كتاب أُنزل كان المُنزل عليه أفضل نبي أرسل، فكانت أمته من العرب والعجم أفضل أمة أخرجت للناس خير الأمم، وكانت حملته أشرف هذه الأمة وقراؤه ومقرئوه أفضل هذه الملة، والدليل على هذا ما خرجه الطبراني في (المعجم الكبير) من حديث الجرجاني عن كامل أبي عبد الله الراسبي، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((أشراف أمتي حملة القرآن))، وفي رواية البيهقي ((أشرف أمتي)) وهو الصحيح، وروى البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا يكترثون للحساب، ولا تفزعهم الصيحة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل القرآن يؤديه إلى الله بما فيه، يقدم على ربه سيدًا شريفًا حتى يوافق المرسلين، ومن أذن سبع سنين لا يأخذ على أذانه طمعًا، وعبد مملوك أدَّى حق الله من نفسه وحق مواليه)).
وروى أيضًا: الطبراني بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من قرأ القرآن وأقرأه))، وروى البخاري، والترمذي وأبو داود عن عثمان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)).
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
وكان الإمام أبو عبد الرحمن السلمي يقول لمَّا يروي هذا الحديث: أقعدني مقعدي هذا، يُشير إلى جلوسه بمسجد الكوفة يقرئ القرآن مع جلالة قدره وكثرة علمه أربعين سنة، عليه قرأ الحسن والحسين، ولذلك كان الأولون لا يعدلون بإقراء القرآن شيئًا، فقد قيل لابن مسعود: إنك تقل الصوم! قال: إني إذا صمت ضعفت عن القرآن، وتلاوة القرآن أحب إليَّ.
وفي جامع الترمذي من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: ((مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَة الْقُرْآن عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَل ثَوَاب السَّائِلِينَ)) وفي بعض طرف هذا الحديث ((مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَة الْقُرْآن عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي)).
وخرج البيهقي: ((أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن)).
وقال ابن عباس: ((من قرأ القرآن لم يُردَّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئًا)) وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((من قرأ القرآن ورأى أن أحدًا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظمه الله))، وعنه -عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((من جمع القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، إلا أنه لا يوحى إليه))، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
والمراد الاختصار والإيجاز ثم عطف فقال:
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
المتن (وَإنَّهُمْ فِي النَّاسِ ...)
| وَإنَّهُمْ فِي النَّاسِ أَهْـلُ اللهِ |
وَإنَّ َربَّنا بِهِمْ يُبَاهِي |
الشرح
(إنهم أهل الله) اسمية مؤكدة، و(في الناس) جار ومجرور، محله النصب على الحال من اسم إنّ، فيتعلق بمحذوف، (وإنّ ربنا يباهي) اسمية، ولهم متعلق للمباهي، أشار بهذا إلى ما خرجه ابن ماجه وأحمد والدارمي من حديث أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ)). وقوله: و(إن ربنا) يُمكن أن يريد به ما خرجه أبو داود عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده))، ثم عطف فقال:
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
المتن (وقَالَ فِي الْقُرآنِ ...)
| وقَالَ فِي الْقُرآنِ عَنْهُمْ وَكَفَى |
ِبأنَّهُ أْوَرثَهُ مَنِ اصْطَفىَ |
الشرح
(قال) فعلية، و(في القرآن) وعنهم يتعلق بقال ومفعوله محذوف. أي: قال في القرآن فيهم أوصافًا كثيرة، و(كفى) فاعله المصدر المنسبك من أن ومعمولها، و(الباء) زائدة مثل كفى بالله، فهي جُملة (معطوفة على ما لا محل له)، فلا محل لها. و(أورثه) خبر إن، و(مَن) موصول مفعول أورثه؛ لأنه يتعدَّى لاثنين، و(اصطفى) صلة الموصول، أي: قال الله تعالى في القرآن أوصافًا كثيرة تتعلق بحامليه من الخبر والثواب، وما أعد لهم في العُقبى والمآب، ولو لم يكن في القرآن في حقهم إلا ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ)) [فاطر: ٣٢] الآية لكان في ذلك كفاية لهم.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
المتن (وَهْوَ فِي الأُخْرَى ...)
| وَهْوَ فِي الأُخْرَى شَافِعٌ مُشَفَّعُ |
فِيْهِ وَقَوْلُهُ عَليْهِ يُسْمَعُ |
الشرح
(وهو شافع) اسمية، و(في الأخرى) يتعلق بشافع، ولا يتَّزن البيت إلا مع نقل حركة همزة الأخرى، و(مشفع) خبر ثانٍ أو معطوف لمحذوف، وفيه يتعلق بأحدهما ويُقدر مثله في الآخر. وقوله (عليه يسمع): اسمية، و(عليه) يتعلق بـ(يسمع) أي: أنّ القرآن يشفع في قارئه يوم القيامة، ويشفّعه الله تعالى فيه، ويسمع ما يقول في حقه كما سيأتي، وأشار الناظم بهذا إلى ما في (صحيح مسلم) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرءوا القرآن، فإنه يجيء يوم القيامة شفيعًا لأصحابه))، ورُوي ((من يشفع له القرآن يوم القيامة يجيء القرآن شفيع مُشفع، وشاهد مصدق، وينادي يوم القيامة يا مادح الله قم فادخل الجنة، فلا يقوم إلى من كان يُكثر قراءة: قل هو الله أحد))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من شفيع أعظم منزلة عند الله تعالى يوم القيامة من القرآن، لا نبي، ولا ملك، ولا غيره)).
ثم شرع المصنف- رحمه الله تعالى- في أوصاف قارئه، وما يعطاه هو ووالده فقال:
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
المتن (يُعْطَى بِهِ المُلْكَ ...)
| يُعْطَى بِهِ المُلْكَ مَعَ الْخُلْدِ إِذَا |
تَوَّجَهُ تَاجَ الْكَرامَةِ كـَذَا |
الشرح
(يُعطى) فعل مجهول الفاعل ونائبه المستتر، و(الملك) ثاني المفعولين، و(مع الخلد) حال من الملك، و(به) سببية تتعلق بيعطي، و(إذا) ظرف ليعطى أيضًا، و(توجه) في محل جرٍّ بالإضافة، و(تاج الكرامة)، إما مفعول ثان منصوب بنزع الخافض، و(كذا) معطوف بمحذوف، ثم كمل فقال:
المتن (يَقْرَا وَيْرقَى دَرَجَ...)
| يَقْرَا وَيْرقَى دَرَجَ الجِنانِ |
وَأبَوَاهُ مِنْهُ يُكْسَيَانِ |
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
الشرح
(يقرا) مضارع مهموز الآخر حذف همزه ضرورة على غير قياس، و(يرقى) مضارع رقى معطوف على يقرأ، و(درج الجنان) مفعول يرقى، و(أبواه يكسيان) اسمية لا محل لها، أشار بهذين البيتين إلى ما خرَّجه ابن أبي شيبة عن بريدة قال: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم- فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ: مَا أَعْرِفُكَ، فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ وَأَنْتَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تَجارةٍ، قَالَ: فَيُعْطَى الْمُلْكَ يَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيَكْسِي وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لاَ يَقُومُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولاَنِ بِمَا كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةَ وَغُرَفِهَا فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ حدرًا كان أو َتَرْتِيلًا)).
وخرَّج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن: يا رب حَلِّهِ، فيُلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيُلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ، وارق، ويزداد بكل آية حسنة)). وقال عليه السلام: ((مَن قرأَ القرآن وعملَ بهِ، أُلبِسَ والداَهُ تَاجًا يومَ القيامةِ، ضَوؤُهُ أحسنُ من ضوءِ الشمسِ في بيوتِ الدُّنيا لَو كانتْ فيكم، فما ظنكُم بالذي عَمِلَ بهذا؟)).
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
وقال عليه الصلاة والسلام: (( إنّ درج الجنة على عدد آيات القرآن، يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اقْرَأْهُ، وَارْقَهْ، فَإِنَّ مِنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا)).
ثم رتَّب على ما ذكره شيئًا فقال:
المتن (فَلْيَحِرصِ السَّعِيدُ ...)
| فَلْيَحِرصِ السَّعِيدُ فِي تَحْصِيْلِهِ |
وَلا يَمَلَّ قَطُّ مِنْ تَرْتِيْلِهِ |
الشرح
(الفاء) سببية و(اللام) للأمر، و(يحرص) مجزوم باللام، و(السعيد) فاعل، و(في تحصيله) يتعلق بـ(يحرص)، و(لا يمل) عطف على (يحرص)، و(يمل) مجزوم، بل وفتحه أفصح من ضمه، و(قط) هنا ظرف لاستغراق ما مضى من الزمان، وهي بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات، ويختص بالنفي، تقول: ما فعلته قط، والعامة تقول: لا أفعله قط، وكذا استعملها الناظم ففيه نظر.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
و(من ترتيله) يتعلق بـ(يمل) أي: فبسبب ما تقدَّم ينبغي أن يحرص السعيد على تحصيل القرآن، ولا يمل من ترتيله في وقت من الأوقات، فهو أفضل ما اشتغل به أهل الإيمان، وأولى ما عمرت به الأوقات والأزمان، ومذاكرته زيادة في الإفادة والاستفادة، وتجويده فرض واجب، والتبحُّر في علومه هو أسنى المناقب وأعلى المراتب، وفي فضله من الأخبار المأثورة، والآثار المشهورة ما يعجز المتصدي لجمعها عن الاستيعاب، ويقصر عن ضبطها ذَوُو الإطناب والإسهاب.
وخرَّج الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ كَتَبَ اللَّهُ فله حَسَنَةً، والحسنة بعشر أمثالها، لاَ أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنِ ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)).
وخرَّج أيضًا من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاسْتَظْهَرَهُ، فَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ)).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنّ البيت الذي يُقرأ فيه القرآن اتسع بأهله، وكثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين، وإنّ البيت الذي لا يُتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله، وقلَّ خيره، وخرجت منه الملائكة، وحضرته الشياطين)).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((من مات وهو يُعلِّمُ القرآن حجَّت الملائكة إلى قبره، كما يُزار البيت العتيق)).
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
وقال صلى الله عليه وسلم: ((ولو كان القرآن في إهاب وألقي في النار ما احترق)) يعني: نار الآخرة، وهذا أولى من غيره توقيفًا.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنّ القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: فما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: تلاوة القرآن)).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((لم يرجعوا إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه)) يعني: القرآن.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((القرآن غنيٌّ لا فقر بعده، ولا غنى دونه)).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((أغنى الناس حَمَلَة القرآن)).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((من جمع القرآن متَّعه الله بعقله)).
وفضائل القرآن وأهله كثيرة جعلنا الله من أهله بمنه وفضله.
٢.١ بيان فضل حملة القرآن الكريم
المتن (وليَجْتَهدْ فَيهِ ...)
| وليَجْتَهدْ فَيهِ وَفِي تَصحِيحِهِ |
عَلى الَّذِىِ نُقِـلَ مِنْ صَحِيحِهِ |
الشرح
(وليجتهد) عطف على فليحص، و(فيه وفي تصحيحه) يتعلقان بـ(يجتهد)، و(على) يتعلق بـ(تصحيحه)، و(من صحيحه) بيان للوجه، (الذي نقل) أي: ينبغي أن يجتهد القارئ في حفظ القرآن والعمل به، وإتقانه، وضبطه، وتصححيه على أكمل الوجوه، وهو الوجه الصحيح المنقول إلينا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا البيت تمهيد قاعدة للذي بعده مع تعلقه بما قبله.