ملخص الدرس


ورد في قوله تعالى: ((فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)) [البقرة: ٣٦] إسرائيليات؛ فمن تلك الإسرائيليات ما رواه ابن جرير في (تفسيره) بسنده عن وهب بن منبه.
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس, وعن ابن مسعود, وعن ناس من الصحابة نحو هذا الكلام، وفي السند "أسباط عن السدي" وعليهما تدور الروايات.
وكذلك: ذكر السيوطي في (الدر المنثور) ما رواه ابن جرير وغيره في هذا, مما روي عن ابن عباس وابن مسعود؛ ولكنه لم يذكر الرواية عن وهب بن منبه، وأغلب كتب التفسير بالرأي ذكرت هذا أيضًا، وكل هذا من قصص بني إسرائيل الذي تزيدوا فيه, وخلطوا الحق بالباطل، ثم حمله عنهم ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين, وفسروا به القرآن الكريم.
التفسير الصحيح للكلمات التي وردت في قوله تعالى: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)) هو ما روي من طرقٍ عدة: أنها قوله -تبارك وتعالى- في القرآن: ((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [الأعراف: ٢٣] وهو تفسير للقرآن بالقرآن.

ملخص الدرس


من الإسرائيليات ما رواه ابن كثير في (تفسيره), وما ذكره السيوطي في (الدر) من أن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر, مكث مائة عام لا يضحك حزنًا عليه؛ فأتى على رأس المائة فقيل له: حياك الله وبياك، وبُشر بغلام؛ فعند ذلك ضحك. وكذلك ما ذكره من أن آدم -عليه السلام- رثى ابنه بشعر.
وصدق الزمخشري حيث قال: روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر, وهو كذب بحت, وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر, وقد قال الله -تبارك وتعالى: ((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِين)) [يس: ٦٩].
من الإسرائيليات أن ينسب إلى آدم -عليه الصلاة والسلام- الشرك له ولحواء في قوله -تبارك وتعالى: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُون)) [الأعراف: ١٩٠], وهو رسول معصوم كسائر الرسل, وهذه الآية تعتبر من أشكل الآيات في القرآن, من حيث إن ظاهرها يدل على نسبة الشرك لآدم وحواء, وذلك على ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن المراد بالنفس الواحدة نفس آدم -عليه السلام- وبقوله تعالى: ((وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)) حواء -رضي الله عنها- وقد أوَّل العلماء المحققون الآية تأويلًا صحيحًا يتفق وعصمة الأنبياء, في عدم جواز إسناد الشرك إليهم -عليهم الصلاة والسلام.

ملخص الدرس


وقد زاد الطين بلة ما ورد في الحديث المرفوع, وبعض الآثار عن بعض الصحابة والتابعين في تفسير قوله: ((جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُون)), وقد اغتر بهذه الروايات كثير من المفسرين؛ كالإمام ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، والقرطبي، وإن كان الأخير قد ضعَّف الروايات ولم تركن نفسه إليها, واعتبرها من الإسرائيليات، وصاحب (الدر المنثور) أيضًا.
والعجيب أن إمامًا كبيرًا له في ردّ الموضوعات والإسرائيليات فضل غير منكور, ومفسرًا متأخرًا وهو عالم عظيم هو الإمام الألوسي؛ قد انخدع بهذه المرويات, وقد نقد الإمام ابن كثير هذه المرويات نقدًا علميًّا أصيلًا على مناهج المحدثين، وطريقتهم في نقد الرواة، وبين أصل هذه المرويات، وبيّن أن مرجعها إلى الإسرائيليات.
المحققون من المفسرين منهم من نحا منحى العلامة ابن كثير؛ فجعل الآية الأولى في آدم وحواء، وجعل قوله تعالى: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا...)) الآية في المشركين من ذريتهما؛ أي: جعلا أولادهما شركاء لله فيما آتاهما، والمراد بهم الجنس أي: جنس الذكر والأنثى، فمن ثم حسن قوله: ((فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُون)) بالجمع، ويكون هذا الكلام من الموصول لفظًا المفصول معنى. ومنهم من جعل الآيتين في ذرية آدم وحواء؛ أي: خلقكم من نفس واحدة، وهي نفس الذكر، وجعل منها -أي: من جنسها- زوجها وهي الأنثى, ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا)) أي: بشرًا سويًّا كاملًا؛ جعلا -أي: الزوجان الكافران- لله شركاء فيما آتاهما, وبذلك أبدلا شكر الله كفرانًا به وجحودًا؛ وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر ما في الآيتين، وهنالك تفاسير أخرى لا نستريح لها.

ملخص الدرس


ذكر الجلال السيوطي في (الدر المنثور) -وهو الكتاب الذي حوى كثيرًا من الإسرائيليات, ولعله أوسع التفاسير عنده- كثيرًا من الروايات في صفة الجبارين وعظم أجسادهم، مما لا يتفق هو وسنة الله في خلقه، ومما يخالف ما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
من الإسرائيليات الظاهرة البطلان التي ولع بذكرها بعض المفسرين والأخباريين عند ذكر الجبارين؛ قصة عوج بن عنق، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأنه كان يمسك الحوت فيشويه في عين الشمس، وأن طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه، وأنه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح، وأن موسى كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع، ووثب في الهواء عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج بن عنق فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة، إلى نحو ذلك من الخرافات والأباطيل التي تصادم العقل والنقل، وتخالف سنن الله في الخليقة.
كانت هناك قصة تسمى بقصة التيه التي وردت فيها قول الله -جل وعلا- بعد أن قال موسى: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين))
[المائدة: ٢٥, ٢٦], وفي تفسير هذه الآية أخبار عجيبة رواها المفسرون، وتناقلوها في قصة التيه، وليس في القرآن ما يدل على هذا الذي ذكروه, وقد لاحظ ابن خلدون المغالط التي تدخل في مثل هذه المرويات كما قال في (مقدمته).