١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام
لآدم -عليه السلام- في القرآن مواقف لم تخلُ أيضًا من الدخيل ومن الإسرائيليات، وهي من القصص -قصص الأنبياء.
قال تعالى: ((فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)) [البقرة: ٣٦]:
ورد في هذه الآية إسرائيليات؛ فمن تلك الإسرائيليات ما رواه ابن جرير في (تفسيره) بسنده عن وهب بن منبه قال: لما أسكن الله آدم وذريته أو زوجته -الشك من أبي جعفر، وهو في أصل كتابه: وذريته- ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعبة بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم, وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته؛ فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل في جوف الحية، وكانت للحية أربعة قوائم كأنها بختية -البختية: ناقة من الجمال والنوق الخراسانية- من أحسن دابة خلقها الله.
فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس؛ فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته؛ فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها! فأخذت حواء فأكلت منها ثم ذهبت إلى آدم؛ فقالت له مثل ذلك حتى أكل منها؛ فبدت لهما سوءاتهما؛ فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم, أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحيي منك يا رب، قال: ملعونة الأرض التي خُلِقْتَ منها لعنة يتحول عمرها شوكًا، ثم قال: يا حواء، أنتِ التي غررتِ عبدي؛ فإنك لا تحملين حملًا إلا حملته كرهًا؛ ...

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


... فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا، وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي, ملعونة أنتِ لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب, أنتِ عدوة بني آدم وهم أعداؤك. قال عمر: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء -وهذا تهرب من الجواب, وعجز عن تصحيح هذا الكذب الظاهر- قال ابن جرير: وروى ابن عباس نحو هذه القصة.
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس, وعن ابن مسعود, وعن ناس من الصحابة نحو هذا الكلام، وفي السند "أسباط عن السدي" وعليهما تدور الروايات، وقد قدمنا حال أسباط والسدي في الرواية.
وكذلك: ذكر السيوطي في (الدر المنثور) ما رواه ابن جرير وغيره في هذا, مما روي عن ابن عباس وابن مسعود؛ ولكنه لم يذكر الرواية عن وهب بن منبه، وأغلب كتب التفسير بالرأي ذكرت هذا أيضًا، وكل هذا من قصص بني إسرائيل الذي تزيدوا فيه, وخلطوا الحق بالباطل، ثم حمله عنهم ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين, وفسروا به القرآن الكريم.
ويرحم الله الإمام ابن جرير؛ فقد أشار بذكر الرواية عن وهب إلى أن ما يرويه عن ابن عباس وابن مسعود, إنما مرجعه إلى وهب وغيره من مسلمة أهل الكتاب، ويا ليته لم ينقل شيئًا من هذا، ويا ليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عن مثل هذا، وفي رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب وغيره كانوا يشكّون فيما يروونه لهم؛ فقد جاء في آخرها: قال عمر: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء. فهُم قد استشكلوا عليه: كيف أن الملائكة تأكل؟ وهو لم يأتِ بجوابٍ يعتد به.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


ووسوسة إبليس لآدم -عليه السلام- لا تتوقف على دخوله في بطن الحية؛ إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والحية خلقها الله يوم خلقها على هذا، ولم تكن لها قوائم كالبختي ولا شيء من هذا. فكل هذا إذًا من الإسرائيليات.
ما ذكر في قوله -جل وعلا: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)) [البقرة: ٣٧]:
من الروايات التي لا تثبت: ما ذكره السيوطي في (الدر] قال: أخرج الطبراني في (المعجم الصغير) والحاكم, وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في (الدلائل), وابن عساكر, عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي؛ فأوحى الله إليه: ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك؛ لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك؛ فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرًا ممن جعلت اسمه مع اسمك؛ فأوحى الله إليه: يا آدم؛ إنه آخر النبيين من ذريتك، ولولا هو ما خلقتك}}.
ثم قال: وأخرج الديلمي في (مسند الفردوس) بسند واهٍ -السند الواهي: الشديد الضعف الذي ربما يصل إلى حد السقوط والوضع- عن علي قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قول الله: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)) فقال: ...

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


... {{إن الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس ببيسان، والحية بأصبهان، وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند مائة سنة باكيًا على خطيئته حتى بعث الله إليه جبريل، وقال: يا آدم؛ ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أُسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ قال: بلى، قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء, وقد أخرجت من جوار الرحمن؟ قال: فعليك بهذه الكلمات؛ فإن الله قابل توبتك وغافر ذنبك، قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت, عملتُ سوءًا وظلمت نفسي فاغفر لي؛ إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت, عملت سوءًا وظلمت نفسي، فتب علي؛ إنك أنت التواب الرحيم, فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم}}.
يقول الشيخ أبو شهبة: ولا أدري ما دام سنده واهيًا -أي شديد الضعف- لِمَ ذكره؟! ومثل هذا عليه أمارات الوضع والاختلاق والكذب.
ويسترسل السيوطي في (الدر) فيذكر عن ابن عباس, أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، قال: {{سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبتَ عليَّ؛ فتاب عليه}}، ومثل هذا لا يشك طالب حديث في اختلاقه، وأنه من وضع الشيعة واختلاقهم وكذبهم.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


ثم يسترسل في الرواية فيذكر: أن آدم لما هبط كان مسودًّا جسمه، ثم بيض الله جسده بصيامه ثلاثة أيام؛ ولذلك سميت بالأيام البيض، وأنه -عليه والسلام- كان يشرب من السحاب، بل يروى عن كعب أنه أول من ضرب الدينار والدرهم... إلى غير ذلك مما لا يخرج عن كونه من الإسرائيليات.
التفسير الصحيح:
بعدما عرفنا هذا الكذب وهذه الإسرائيليات, يجدر بنا أن نقف على التفسير الصحيح للكلمات التي وردت في قوله تعالى: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)):
فالصحيح في الكلمات هو ما روي من طرقٍ عدة: أنها قوله -تبارك وتعالى- في القرآن: ((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [الأعراف: ٢٣] وهو تفسير للقرآن بالقرآن، وقد رواه السيوطي في (الدر) من طرق عدة؛ ولكنه خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وقد أفاض ابن جرير في (تفسيره) في ترجيح هذا القول, وإن ذكر غيره من الأقوال التي هي بعيدة عن الحق والصواب.



١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


موقف آخر لآدم -عليه السلام
هناك حادثة ابني آدم لما قتل أحدهما الآخر؛ لم تخلُ أيضًا من الإسرائيليات؛ فما نُسب إلى ابني آدم لما قتل أحدهما الآخر كثير من الإسرائيليات، من ذلك ما ذكره ابن جرير الطبري في (تفسيره), والسيوطي في (الدر المنثور) في هذه القصة -قصة ابني آدم قابيل وهابيل وقتل أولهما الآخر- فقد روي عن كعب: أن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم، وعن وهب: أن الأرض نشفت دم ابن آدم المقتول؛ فلعن ابن آدم الأرض؛ فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دمًا بعد دم هابيل إلى يوم القيامة، وأن قابيل حمل هابيل سنة في جراب على عنقه حتى أنتن وتغير؛ فبعث الله الغرابين اللذيْن قتل أحدهما الآخر؛ فحفر له ودفنه برجليه ومنقاره؛ فعلم كيف يصنع قابيل بأخيه, مع أن القرآن عبر بالفاء التي تدل على الترتيب والتعقيب من غير تراخٍ؛ قال تعالى: ((فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ)) [المائدة: ٣١].
وروي أيضًا أنه لما قتله اسودَّ جسده -وكان أبيض- فسأله آدم عن أخيه؛ فقال: ما كنت عليه وكيلًا، قال: بل قتلته؛ فلذلك اسودَّ جسدك... إلى نحو ذلك.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


فكل هذا وأمثاله -عدا ما جاء في القرآن- من إسرائيليات بني إسرائيل، وقد جاءت بعض الروايات صريحة عن كعب ووهب, وما جاء عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما فمرجعه إلى أهل الكتاب الذين أسلموا، والآيات هي قول الله -جل وعلا: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِين، إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِين * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين * فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين)) [المائدة: ٢٧-٣١] إلى آخر الآيات.

ما نسب إلى آدم -عليه السلام- من قول الشعر
ومن الإسرائيليات ما رواه ابن كثير في (تفسيره), وما ذكره السيوطي في (الدر) من أن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر, مكث مائة عام لا يضحك حزنًا عليه؛ فأتى على رأس المائة فقيل له: حياك الله وبياك، وبُشر بغلام؛ فعند ذلك ضحك.
وكذلك ما ذكره من أن آدم -عليه السلام- رثى ابنه بشعر؛ روى ابن جرير عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: لما قتل ابن آدم أخاه, بكى آدم فقال:


١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


تغيرت البلاد ومن عليها
فوجه الأرض مغبرّ قبيح
تغير كل ذي لونٍ وطعم
وقل بشاشة الوجه المليح

قال السيوطي: وأخرج الخطيب, وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما قتل ابن آدم أخاه, قال آدم -عليه السلام- وذكر البيتين السابقين باختلاف قليل, فأجابه إبليس -عليه اللعنة:
تنحَّ عن البلاد وساكنيها
فبي في الخلد ضاق بك الفسيح
وكنتَ بها وزوجك في رخاء

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


وقلبك من أذى الدنيا مريح
فما انفكت مكايدتي ومكري
إلى أن فاتك الثمن الربيح

سبحان الله! كلام مذكور في الكتب، وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه (ميزان الاعتدال), وقال: إن الآفة فيه من المخرمي أو شيخه.
وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق؛ فالأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر, وهو كذب بحت, وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر, وقد قال الله -تبارك وتعالى: ((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِين)) [يس: ٦٩].
وقال الإمام الألوسي في (تفسيره): وروي عن ميمون بن مهران, عن الحبر ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: من قال: إن آدم -عليه السلام- قد قال شعرًا فقد كذب؛ إن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء؛ ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية؛ فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان, وكان يتكلم بالعربية والسريانية؛ فقدم فيه وأخر وجعله شعرًا عربيًّا، وذكر بعض علماء العربية أن في ذلك لحنًا وإقواءً وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب لما فيه من الركاكة الظاهرة.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


يقول الدكتور محمد أبو شهبة: والحق أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر من اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصّاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء.
ما نسب إليه -عليه الصلاة والسلام- من الشرك له ولحواء في قوله -تبارك وتعالى: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [الأعراف: ١٩٠]:
هنا موقف آخر لآدم -عليه السلام- ففيه إسرائيليات وردت، وهذه الآية كثُر فيها القول مما ينسب إلى آدم, وهو رسول معصوم كسائر الرسل.
فمن الروايات التي لا تصح ومرجعها إلى الإسرائيليات: ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِين * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُون)) [الأعراف: ١٨٩، ١٩٠].
وهذه الآية تعتبر من أشكل الآيات في القرآن, من حيث إن ظاهرها يدل على نسبة الشرك لآدم وحواء, وذلك على ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن المراد بالنفس الواحدة نفس آدم -عليه السلام- وبقوله تعالى: ((وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)) حواء -رضي الله عنها- وقد أوَّل العلماء المحققون الآية تأويلًا صحيحًا يتفق وعصمة الأنبياء, في عدم جواز إسناد الشرك إليهم -عليهم الصلاة والسلام- كما سنبين ذلك -إن شاء الله.



١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


الحديث المرفوع, والآثار الواردة في هذا
وقد زاد الطين بلة ما ورد في الحديث المرفوع, وبعض الآثار عن بعض الصحابة والتابعين في تفسير قوله: ((جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُون)), وقد اغتر بهذه الروايات كثير من المفسرين؛ كالإمام ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، والقرطبي، وإن كان الأخير قد ضعَّف الروايات ولم تركن نفسه إليها, واعتبرها من الإسرائيليات، وصاحب (الدر المنثور) أيضًا.
والعجيب أن إمامًا كبيرًا له في ردّ الموضوعات والإسرائيليات فضل غير منكور, ومفسرًا متأخرًا وهو عالم عظيم هو الإمام الألوسي؛ قد انخدع بهذه المرويات -والكلام في هذا للدكتور محمد أبي شهبة- فقال: وهذه الآية عندي من المشكلات، وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض، وما ذكرناه هو الذي يشير إليه الجبائي, وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات.
ثم قال: وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر, أن الآية نزلت في تسمية آدم وحواء ولديهما بعبد الحارث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبيل الرأي، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيرًا للآية... وأنت قد علمت أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأراه قد صح؛ ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري في ميدان التأويل, كما جرى غيره -والله تعالى الموفق للصواب.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


وبعض المفسرين أعرض عن ذكر هذه المرويات، وذلك كما فعل صاحب (الكشاف) وتابعه النسفي، وبعض المفسرين عرض لها ثم بيّن عدم ارتضائه لها؛ وذلك كما صنع الإمام القرطبي في (تفسيره) فقال: ونحو هذا مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره، وفي الإسرائيليات كثير ليس لها إثبات؛ فلا يعوِّل عليها من له قلب, فإن آدم وحواء وإن غرهما بالله الغرور؛ فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، على أنه قد سطر وكتب, قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "خدعهما مرتين: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض".
فارس هذه الحلبة هو الإمام ابن كثير؛ فقد نقد المرويات نقدًا علميًّا أصيلًا على مناهج المحدثين وطريقتهم في نقد الرواة، وبيَّن أصل هذه المرويات وأن مرجعها إلى الإسرائيليات؛ وإنا لنعجب كيف أن الإمام الألوسي وهو المتأخر لم يشِر إلى كلامه؟ لعله لم يطلع عليه.
كلام الإمام ابن كثير سنذكره بنصه لنفاسته وجودته -كما قال فضيلة الدكتور محمد أبو شهبة- وشدة الحاجة إليه في هذا المقام؛ قال -رحمه الله: يذكر المفسرون ههنا آثارًا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها، ثم نُتبِعُ ذلك ببيان الصحيح في ذلك -إن شاء الله- وبه الثقة.
قال الإمام أحمد في (مسنده): حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم، قال: حدثنا قتادة عن الحسن، عن سمرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{ولما وَلدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد؛ فقال: سميه عبد الحارث؛ فإنه يعيش, فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره}}.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، كما رواه الترمذي في تفسير هذه الآية، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب -يعني: انفرد به راويه- لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم.
ورواه بعضهم عن عبد الصمد, ولم يرفعه -يعني: لم ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم- ورواه الحاكم في (مستدركه) من حديث عبد الصمد مرفوعًا؛ ثم قال: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد -ومن المعروف عند المحققين أنّ الحاكم متساهل في التصحيح؛ فلا يؤخذ بقوله، ولا سيما في مثل هذا- ولم يخرجاه.
ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في (تفسيره) عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به -أي: ببقية السند مرفوعًا- وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في (تفسيره) من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعًا، قلت -أي: قال ابن كثير: وشاذّ هذا هو هلال، وشاذ لقبه.
والغرض أن هذا الحديث معلولٌ من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنّ عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: لا يُحتجُّ به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا -فالله أعلم.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه, ليس مرفوعًا كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر عن أبيه، قال: حدثنا بكر بن عبد الله، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب، قال: "سَمّى آدم ابنه عبد الحارث".
والثالث من وجوه العلل: أنّ الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا؛ فلو كان هذا عنده عن سَمُرة مرفوعًا لما عدل عنه، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن في قوله تعالى: ((جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)) قال: كان هذا في بعض أهل الملل, ولم يكن بآدم.

وحدثنا -الكلام لابن جرير- محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: عني بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده؛ يعني قوله: ((جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)).
يستطرد ابن جرير فيقول: وحدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا؛ فهوّدوا ونصّروا. وفيه إشارة إلى حديث رسولنا -صلى الله عليه وسلم: {{ما من مولود إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه}} الحديث متفق عليه.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


وقال ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن -رضي الله عنه- أنه فَسّر الآية بذلك -أي: بأنّ الشِّركَ هذا إنما هو مما ينسب لليهود والنصارى- وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما عَدَل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه.
فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب؛ من آمن منهم مثل: كعب أو وهب بن منبه وغيرهما كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع -والله أعلم. هذا ما ذكره العلامة ابن كثير.
فأما الآثار؛ فقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: "كانت حواء تلد لآدم -عليه السلام- أولادًا, فيعبدهم لله ويُسَمّيهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك؛ فيصيبهم الموت, فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش؛ قال: فولدت له رجلًا فسماه عبد الحارث؛ ففيه أنزل الله يقول: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)) إلى آخر الآية.
وقال العوفي عن ابن عباس: قوله في آدم ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)) إلى قوله: ((فَمَرَّتْ بِهِ)) شكت؛ أحملت أم لا؟ ((فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا)) الآية؛ فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولدُ لكما؟ أم هل تدريان ما يكون, أبهيمةٌ أم لا؟، وزين لهما الباطل, إنه غوي مبين؛ وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي؛ لم يخرج سويًّا ومات كما مات الأول؛ فسميا ولدهما عبد الحارث, فذلك قوله: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)) الآية.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)) قال: قال الله تعالى: ((فَلَمَّا تَغَشَّاهَا)) آدم, حملت، أتاهما إبليس -عليه لعنة الله- فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما لتطيعاني, أو لأجعلنّ له قرني "أيل" -و"أيل": ذكر الأوعال أو ذكر أنواع من الحيوانات- فيخرج من بطنك فيشقه, ولأفعلن ولأفعلن –يخوفهما- فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت -يعني الثانية- فأتاهما، فقال لهما مثل الأول؛ فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت الثالثة، فأتاهما أيضًا فذكر لهما, فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، وذلك قوله تعالى: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)), رواه ابن أبي حاتم.
وهذا الأثر تلقاه عبد الله بن عباس، وتلقاه عنه جماعة من أصحابه؛ كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة, وكأنه -والله أعلم- مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب، وعلى هذا فلا يكون له حكم الرفع؛ لأنه سمعه من صحابي مثله. كما رواه ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو الجماهر، قال: حدثنا سعيد -يعني: ابن بشير- عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب - وأبي قد تلقاه وسمعه من مسلمة أهل الكتاب قال: "لما حملتْ حواءُ أتاها الشيطان، فقال لها: أتطيعينني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث؛ فلم تفعل فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة, فهيبها, فأطاعا".

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


قال: وهذه الآثار يظهر عليها -والله أعلم- أنها من آثار أهل الكتاب، وبعد أن بين أن أخبار أهل الكتاب على ثلاثة أقسام؛ فمنها ما علمنا صحته مما بأيدينا من كتاب أو سنة، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة، ومنها ما هو مسكوتٌ عنه فهو المأذون في روايته؛ بقوله -عليه الصلاة والسلام: {{حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج}} وهو الذي لا يصدق ولا يكذب. قال: وهذا الأثر من الثاني -أي: مما علمنا كذبه- أو الثالث فيه نظر.
والذي نقطع به -والله أعلم- أنه من القسم الثاني؛ أي: من الذي سمعناه من بني إسرائيل وعلمنا كذبه؛ لأنه يخالف ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة, فهذا من القسم الثاني؛ لقيام الأدلة العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء من مثل ذلك.
قال: فأما من حدث به من صحابي أو تابعي؛ فإنه يراه من القسم الثالث؛ أي: مما يحتمل الصدق والكذب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا -أي: في تفسير الآية- وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنّما المراد من ذلك المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله تعالى: ((فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُون)), فذكر آدم وحواء كالتوطئة لما بعدهما من الواردين, وهو كالاستطراد من الشخص إلى الجنس؛ هذا تفسير ابن كثير والبغوي في هذا المعنى.

١.١٢ الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم -عليه السلام


وهذا الذي ذهب إليه هذا الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تخريج الحديث والآثار, هو الذي يجب أن يصار إليه، وهو الذي ندين الله عليه، ولا سيما أنّ التفسير الحق للآيتين لا يتوقف على شيء مما روي.
بقي لنا أن نقف على التفسير الصحيح والمرتضى بعد عرض أقوال ابن كثير, وشيوخنا ممن جاءوا بعده، والمحققون من المفسرين منهم من نحا منحى العلامة ابن كثير؛ فجعل الآية الأولى في آدم وحواء، وجعل قوله تعالى: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا...)) الآية في المشركين من ذريتهما؛ أي: جعلا أولادهما شركاء لله فيما آتاهما، والمراد بهم الجنس أي: جنس الذكر والأنثى، فمن ثم حسن قوله: ((فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُون)) بالجمع، ويكون هذا الكلام من الموصول لفظًا المفصول معنى. ومنهم من جعل الآيتين في ذرية آدم وحواء؛ أي: خلقكم من نفس واحدة، وهي نفس الذكر، وجعل منها -أي: من جنسها- زوجها وهي الأنثى, ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا)) أي: بشرًا سويًّا كاملًا؛ جعلا -أي: الزوجان الكافران- لله شركاء فيما آتاهما, وبذلك أبدلا شكر الله كفرانًا به وجحودًا؛ وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر ما في الآيتين، وهنالك تفاسير أخرى لا نستريح لها، يقول شيخنا: لست منها على ثلج ولا طمأنينة, كما روي في تفاسير الكشاف والقرطبي وأبي السعود والألوسي وغيرها.