![]() |
لقد وردت في قصة (ذي القرنين) أخبار وروايات كثيرة، منها سبب تسميته بـ"ذي القرنين", مما لا يخلو من الخطأ والتخليط والتخبُّط، فقد ذكر ذلك عن غير ابن جرير الإمام السيوطي في كتابه (الدر المنثور)، حيث قال: |
![]() |
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، والشيرازي في (الألقاب)، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه اليماني أيضًا -وهو صاحب الرواية التي نقلها ابن جرير، وكان له علم بالأحاديث الأولى- أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلًا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه "الإسكندر"، وإنما سمي ذا القرنين؛ لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، هكذا كما وردت رواية ابن جرير. ونحن لا نشك في أن ذلك مما تلقاه وهب بن منبه عن كتبهم، وفيها ما فيها من الأباطيل والأكاذيب. | |
![]() |
ثم حملها عنه بعض التابعين، وأخذها عنهم محمد بن إسحاق وغيره من أصحاب كتب التفسير والسير والأخبار. | |
![]() |
روى ابن جرير وغيره عند تفسير قوله: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا)) حديثًا مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, وذكر الإمام السيوطي في (الدر المنثور) مثل ذلك، وقال: إنه أخرجه ابن عبد الحكم في (تاريخ مصر)، وابن أبي حاتم, وأبو الشيخ, والبيهقي في (الدلائل). | |
![]() |
والحقيقة أن كل هذا من الإسرائيليات التي دُسَّت على النبي -صلى الله عليه وسلم, وابن لهيعة ضعيف في الحديث. |
![]() |
الذي نقطع به أن ذا القرنين ليس الإسكندر المقدوني؛ لأن ما ذكره المؤرخون في تاريخه لا يتفق وما حكاه القرآن الكريم عن ذي القرنين، والذي نقطع به أيضًا أنه كان رجلًا مؤمنًا صالحًا، ملك شرق الأرض وغربها، وكان من أمره ما قصه الله -تعالى- في كتابه، وهذا ما ينبغي أن نؤمن به وأن نصدقه، أما معرفة هويته، وما اسمه؟ ومن أين؟ وفي أي زمان كان؟ فليس في القرآن ولا في السنة الصحيحة ما يدل عليه، على أن الاعتبار بقصته والانتفاع بها لا يتوقف على شيء من ذلك، وتلك سمة من سمات القصص القرآني وخصيصة من خصائصه؛ أنه لا يُعنى بالأشخاص والزمان والمكان مثلما يُعنى بانتزاع العبرة منها، والاستفادة منها فيما سيقت له. | |
![]() |
يتعلق أيضًا بقصة "ذي القرنين" ما يتصل بقصة "يأجوج ومأجوج"، وهي كذلك لم تسلم من إيراد الإسرائيليات، يقول الشيخ أبو شهبة: ومن الإسرائيليات التي اتسمت بالغرابة، والخروج عن سنة الله في الفطرة وخلق بني آدم؛ ما ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم عند قوله: ((قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)) [الكهف: ٩٤], ففي معناها ذكروا عن يأجوج ومأجوج الشيء الكثير من العجائب والغرائب. | |
![]() |
إن من الإسرائيليات المستنكرة ما روي: أن يأجوج ومأجوج خُلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتراب، وزعموا أن آدم كان نائمًا فاحتلم، فمن ثمَّ اختلط منيه بالتراب، ومعروف أن الأنبياء لا يحتلمون؛ لأن الاحتلام من الشيطان. |
![]() |
يقول الشيخ أبو شهبة في كتابه: وليس من قصدنا هنا تحقيق مرَّتَي إفسادهم، ومن سلط الله عليهم في كلتا المرتين، فلذلك موضع آخر إن شاء الله، وعلى كل حال فالذي يترجح أن العباد ذوي البأس الشديد الذين نكَّلوا بهم -ببني إسرائيل- وأذلوهم وسبوهم هم "بختنصر" وجنوده، وأن الآخرين الذين أساءوا وجوههم ودخلوا المسجد الأقصى؛ سواء كانوا من الرومان وجيوشهم، أو كانوا من المسلمين بعد ذلك، فقد أساموهم سوء العذاب، وتأمل عاقبة الآية في قوله -جل وعلا-: ((وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا))، فإنه يدل على أنهم سيعودون ثم يفسدون، فيرسل الله لهم من يسومهم العذاب ألوانًا. |
![]() |
لقد كانت معظم الروايات في بيان العباد ذوي البأس الشديد الذين سُلِّطوا على بني إسرائيل, تدور حول هذا الرجل "بختنصر" هذا البابلي، ولكن أحاطوه بهالة من العجائب والغرائب والمبالغات التي لا تُصدَّق، ومن العجيب أن هذه الروايات قد أخرجها ابن جرير في (تفسيره) وأكثر منها جدًّا، وكذا ابن أبي حاتم والبغوي, وغيرهم عن ابن عباس, وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعن السدي، وعن وهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهم، وخرجها من ذكر أسانيدها مع عزوها إلى مخرجيها الإمام السيوطي في تفسيره (الدر المنثور). |
![]() |
وفي هذه الروايات -ولا شك- الكثير من أكاذيب بني إسرائيل التي اختلقها أسلافهم، وتُنُوقِلت عليهم، ورواه أخلافهم من مسلمة أهل الكتاب الذين أسلموا، وأخذها عنهم بعض الصحابة والتابعين؛ تحسينًا للظن بهم، ورواها من غير تنبيه إلى ما جاء فيها من الكذب. وفي هذه الأخبار الإسرائيلية ما يحتمل الصدق والكذب، ولكن الأولى عدم الاشتغال به، وألا نفسر القرآن به، وأن نقف عند ما قصه الله علينا من غير أن نفسد جمال القرآن وجلاله بمثل هذه الإسرائيليات. | |
![]() |
وقد أكثر ابن جرير هنا من النقل عن ابن إسحاق، وفي بعضها روى عن ابن إسحاق عمن لا يُتَّهم عن وهب بن منبه، وفي بعضها بسنده عن وهب بن منبه بدون ذكر ابن إسحاق، وبذلك وقفنا على من كان المصدر الحقيقي لهذه المرويات، وأنه وهب بن منبه وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب. | |
![]() |
من قصص الماضين التي أكثر المفسرون فيها من الإسرائيليات قصة أصحاب الكهف, وقد ذكرها ابن جرير وابن مردويه وغيرهما، والكثير من أخبار هؤلاء لا يدل له أو عليه كتاب الله، ولا يتوقف فهم القرآن وتدبره على ما أورده المفسرون من هذه الإسرائيليات. |
![]() |
ذكر المفسرون أخبارًا غرائب في الرقيم؛ فمن قائل: إنه قرية، وروى ذلك كعب الأحبار، ومن قائل: إنه وادٍ بفلسطين بقرب أيلة، وقيل: اسم جبل أصحاب الكهف, إلى غير ذلك، مع أن الظاهر أنه -كما قال كثير من السلف- الكتاب أو الحجر الذي دُوِّن فيه قصتهم وأخبارهم, أو غير ذلك مما الله أعلم به. | |
![]() |
وفي هذه الأخبار التي نُقلت عن الرقيم, وعن أصحاب الكهف, وعن صفاتهم وعددهم وأسمائهم الحق والباطل، والصدق والكذب، وفيها ما هو محتمل للصدق والكذب، ولكن فيما عندنا غُنية عنه، ولا فائدة من الاشتغال بمعرفة هذا وتفسير القرآن الكريم به؛ فإن الآيات لا تحتاج إلى هذا التفسير، والأولى والأحسن أن نضرب عنه صفحا، وقد أدبنا الله بذلك حيث قال لنبيه بعد ذكر اختلاف أهل الكتاب في عدد أصحاب الكهف: ((قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا)) [الكهف: ٢٢]. | |
![]() |
وغالب ذلك مما أشرنا إليه, وغيره متلقى عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وحمله عنهم بعض الصحابة والتابعين؛ لغرابته والعجب منهم. |