... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا))

قال تعالى: ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)) [الإسراء: ٤-٨].
يقول الشيخ أبو شهبة في كتابه: وليس من قصدنا هنا تحقيق مرَّتَي إفسادهم، ومن سلط الله عليهم في كلتا المرتين، فلذلك موضع آخر إن شاء الله، وعلى كل حال فالذي يترجح أن العباد ذوي البأس الشديد الذين نكَّلوا بهم -ببني إسرائيل- وأذلوهم وسبوهم هم "بختنصر" وجنوده، وأن الآخرين الذين أساءوا وجوههم ودخلوا المسجد الأقصى؛ سواء كانوا من الرومان وجيوشهم، أو كانوا من المسلمين بعد ذلك، فقد أساموهم سوء العذاب، وتأمل عاقبة الآية في قوله -جل وعلا: ((وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا))، فإنه يدل على أنهم سيعودون ثم يفسدون، فيرسل الله لهم من يسومهم العذاب ألوانًا.
ونعود الآن إلى ما يتصل ببيان ما رُوي من الإسرائيليات في هاتين المرتين، والكلام عن الإفسادين، واسم من سلط عليهم، وصفته، وكيف كان؟ وإلام صار أمره؟

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


وقد كانت معظم الروايات في بيان العباد ذوي البأس الشديد الذين سُلِّطوا عليهم, تدور حول هذا الرجل "بختنصر" هذا البابلي، ولكن أحاطوه بهالة من العجائب والغرائب والمبالغات التي لا تُصدَّق، ومن العجيب أن هذه الروايات قد أخرجها ابن جرير في (تفسيره) وأكثر منها جدًّا، وكذا ابن أبي حاتم والبغوي, وغيرهم عن ابن عباس, وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعن السدي، وعن وهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهم، وخرجها من ذكر أسانيدها مع عزوها إلى مخرجيها الإمام السيوطي في تفسيره (الدر المنثور).
وفي هذه الروايات -ولا شك- الكثير من أكاذيب بني إسرائيل التي اختلقها أسلافهم، وتُنُوقِلت عليهم، ورواه أخلافهم من مسلمة أهل الكتاب الذين أسلموا، وأخذها عنهم بعض الصحابة والتابعين؛ تحسينًا للظن بهم، ورواها من غير تنبيه إلى ما جاء فيها من الكذب. وفي هذه الأخبار الإسرائيلية ما يحتمل الصدق والكذب، ولكن الأولى عدم الاشتغال به، وألا نفسر القرآن به، وأن نقف عند ما قصه الله علينا من غير أن نفسد جمال القرآن وجلاله بمثل هذه الإسرائيليات.
وقد أكثر ابن جرير هنا من النقل عن ابن إسحاق، وفي بعضها روى عن ابن إسحاق عمن لا يُتَّهم عن وهب بن منبه، وفي بعضها بسنده عن وهب بن منبه بدون ذكر ابن إسحاق، وبذلك وقفنا على من كان المصدر الحقيقي لهذه المرويات، وأنه وهب بن منبه وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب.
وقد سوّد ابن جرير بضع صفحات من كتابه في النقل عن ابن إسحاق وعن وهب، ولا نحب أن ننقل كل ما ذكره بنصه، وإلا طال الكلام؛ فإن في ذلك تسويدًا للصفحات، ولكن سنذكر البعض ليكون القارئ وطالب العلم والباحث, والذي يريد معرفة التفسير على حذر من مثل ذلك.

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: كان مما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل, وفي إحداثهم ما هم فاعلون بعده، فقال: ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا)) -وعندما نقول: مما أنزل الله على موسى؛ أي: أنزل المعنى لا هذا اللفظ؛ لأن التوراة لم تكن باللغة العربية، ولا كان لسان موسى -عليه الصلاة والسلام- عربيًّا؛ إنما أنزل عليه بلغته وبالمعنى- فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله -جل وعلا- في ذلك متجاوزًا عنهم, متعطفًا عليهم, محسنًا إليهم.
فكان مما أنزل بهم في ذنوبهم, ما كان قدَّم إليهم في الخبر على لسان موسى, مما أنزل بهم في ذنوبهم، فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع: أن ملكًا منهم كان يُدعَى صديقة، وكان الله إذا ملك الملك عليهم بعث نبيًّا يسدده ويرشده، ويكون فيما بينه وبين الله، ويحدث إليه في أمرهم، لا يُنزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهونهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة.
فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعياء بن أمصيا، وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى، وشعياء الذي بشر بعيسى ومحمد -صلى الله عليه وسلم- فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانًا، فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث وشعياء معه؛ بعث الله عليهم رجلا يُسمى "سنجاريب" ملك بابل, ومعه ستمائة ألف راية، فأقبل سائرًا حتى نزل نحو بيت المقدس، والملك مريض في ساقه قرحة، فجاء النبي شعياء فقال له: يا ملك بني إسرائيل, إن "سنجاريب" ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده, ستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم، فكَبُر ذلك على الملك، فقال: يا نبي الله, هل أتاك وحي من الله فيما حدث, فتخبرنا به؟ كيف يفعل الله بنا، وبـ"سنجاريب" وجنوده؟ فقال له النبي -عليه السلام: لم يأتنِي وحي أحدث إليَّ في شأنك.

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


فبينما هم على ذلك, أوحى الله إلى شعياء النبي أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته؛ فإنك ميت.
ثم استرسل ابن جرير في الرواية حتى استغرق أربع صفحات كبار من كتابه، لا يشك الناظر فيها أنها من أخبار بني إسرائيل، وفيما ذكره ابن جرير عن ابن إسحاق الصدق والكذب، والحق والباطل، ولسنا في حاجة إليه في تفسير الآيات.
أما الإفساد الثاني ففيه: ومن سلط الله عليهم، روى ابن جرير أيضًا قال: حدثني محمد بن سهل بن عسكر, ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، قالا: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: قال عن وهب بن منبه إلى أن قال عن ابن إسحاق، عن مَنْ لا يُتَّهم، عن وهب بن منبه اليماني، واللفظ لحديث ابن حميد؛ أنه كان يقول -أي وهب: قال الله -تبارك وتعالى- لـ"أرميا" حين بعثه نبيًّا إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن أخلقك اخترتك، ولأمر عظيم اختبأتك، فبعث الله "أرميا" إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدّده ويرشده، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله.
قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، ونسوا ما كان الله -سبحانه وتعالى- صنع بهم, وما نجاهم من عدوهم "سنجاريب" وجنوده، فأوحى الله إلى "أرميا" أن ائت قومك من بني إسرائيل، واقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم.
واسترسل وهب بن منبه فيما يذكره من أخبار بني إسرائيل, حتى استغرق ذلك من تفسير ابن جرير ثلاث صفحات كبار, إلى غير ذلك مما ذكره ابن جرير وابن أبي حاتم من قصص عجيب غريب في "بختنصر" هذا، وما خرب من البلاد وما قتل من العباد.

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


وتأمَّل الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنسبة هذه الإسرائيليات إليه، ولو أن هذه الإسرائيليات والأباطيل وقف بها عند رواتها من أهل الكتاب الذين أسلموا، أو عند من رواها عنهم من الصحابة والتابعين؛ لهان الأمر، ولكن عظم الإثم في أن تُنسب هذه الإسرائيليات إلى المعصوم -صلى الله عليه وسلم- صراحة، ولا نشكّ أن هذا الدسّ من عمل زنادقة اليهود أو الفرس.
sstما رواه ابن جرير في (تفسيره)
قال ابن جرير: حدثنا عصام بن داود بن الجراح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال: حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{إن بني إسرائيل لما اعتدوا وعلوا وقتلوا الأنبياء؛ بعث الله عليهم ملك فارس "بختنصر"، وكان الله ملَّكه سبعمائة سنة فسار إليهم, حتى دخل بيت المقدس فحاصرها, وفتح، وقتل على دم زكريا سبعين ألفًا، ثم سبى أهلها وبني الأنبياء، وسلب حُلي بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفًا ومائة ألف عجلة من حلي, حتى أوردها بابل}} انظر إلى هذه المبالغات والأكاذيب التي ينسبونها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.
قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله, لقد كان بيت المقدس عظيمًا عند الله؟ قال: ...

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


... {{أجل, بناه سليمان بن داود من ذهب، ودرّ، وياقوت، وزبرجد، وكان بلاطة من ذهب، وبلاطة من فضة، وعُمُده ذهب، أعطاه الله ذلك, وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فسار "بختنصر" بهذه الأشياء حتى دخل بها بابل, فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة تعذبهم المجوس وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم إن الله رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له: "كورش", وكان مؤمنًا؛ أن سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم، فسار "كورش" ببني إسرائيل وحُلي بيت المقدس حتى ردَّه إليه.
فقام بنو إسرائيل مطيعين الله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي فسلط الله عليهم "بطيانموس"، فغزا بأبناء من غزا مع "بختنصر"، فغزا بني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس فسبى أهلها، وأحرق بيت المقدس، وقال لهم: يا بني إسرائيل, إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسباء، فعادوا في المعاصي فسيَّر الله عليهم السباء الثالث، ملك رومية يقال له: "فاقس بن أسبايوس"، فغزاهم في البر والبحر، فسباهم وسبى حلي بيت المقدس، وأحرق بيت المقدس بالنيران، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: هذا من صنعة حلي بيت المقدس، ويردّه المهدي إلى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين والآخرين}}
.
وعفا الله عن ابن جرير -هذا كلام الشيخ أبي شهبة- كيف استجاز ابن جرير أن يذكر هذا الهراء، وهذه التخريفات عن المعصوم -صلى الله عليه وسلم- وكان عليه أن يصون كتابه, عن أن يسوّده بأمثال هذه المرويات الباطلة؟!

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


ويرحم الله أيضًا الإمام الحافظ الناقد ابن كثير, حيث قال في (تفسيره): وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولًا، وهو حديث موضوع لا محالة, لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته؟! وقد صرح شيخنا أبو الحجاج المزي -رحمه الله- بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب -كتاب (تفسير ابن جرير).
وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية, لم أرَ تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد يُحتمل أن يكون صحيحًا ونحن في غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبلها، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم، وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم؛ جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمرّدوا، وقتلوا خلقًا كثيرًا من الأنبياء والعلماء.
أما عن التفسير الصحيح للآية, فنقول: وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يُصار إليه في الآية، والقصص القرآني لا يُعنى بذكر الأشخاص ولا الأماكن؛ لأن الغرض منه العبرة والتذكرة والتعليم والتأويل، والذي دلَّت عليه الآية أنهم أفسدوا مرتين في الزمن الأول، وظلموا وبغوا؛ فسلط الله عليهم في الأولى من أذلَّهم وسباهم، ولا يعنينا أن يكون هذا الذي أذلهم هو "سنجاريب" أو "بختنصر" وجيشه، أو غيره؛ إذ لا يترتب على العلم به فائدة تُذكر، وسلط الله عليهم في الثانية من أذلهم وساء وجوههم، ودخل المسجد الأقصى فأفسد فيه ودمَّر، ولا يعنينا أن يكون هذا الذي نكَّل بهم هو "طيطوس" الروماني أو غيره؛...

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


... لأن المراد من سياق قصته ما قضاه الله على بني إسرائيل أنهم أهل فساد وبطر وظلم وبغي، وأنهم لما أفسدوا وطغوا وتجبروا سلط الله عليهم من عباده من نكَّل بهم وأذلَّهم وسباهم وشرَّدهم.
ثم إن الآيات دلَّت أيضًا على أن بني إسرائيل لا يقف طغيانهم, ولا بغيهم وإفسادهم عند المرتين الأوليين، بل الآية توحي بأن ذلك مستمر إلى ما شاء الله، وأن الله سيسلّط عليهم من يسومهم سوء العذاب، ويبطش بهم ويردّ ظلمهم وعدوانهم، قال -عز وجل: ((عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)) أليس في قوله هذا إنذار ووعيد لهم إلى يوم القيامة؟ بلى.
ومما يُؤكّد هذا الإنذار والوعيد قوله تعالى: ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)) [الأعراف: ١٧٦], فهل يُسلط الله عليهم اليوم من يردّ ظلمهم وبغيهم, وطردهم أهل فلسطين من ديارهم, واغتصاب الديار واستغلال العباد, واستهانتهم بالقيم الخلقية والحقوق الإنسانية؟
ندعو الله ونرجوه أن يُحقّق ذلك فيمن يعاقبهم ويسلطه عليهم, وما ذلك على الله بعزيز، وبإمكان أمة الإسلام لو اتَّحدت كلمتها وجمعت صفها، ورفعوا راية الإسلام والجهاد، وأخذوا الحذر والأهبة، وأعدوا العدة؛ فإن الله يمكّنهم إن شاء الله.



... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


الإسرائيليات التي وردت في قصة أصحاب الكهف
إن قصة أصحاب الكهف التي سُمّيت السورة بهذا الاسم، ورد فيها من الإسرائيليات ما ورد، فمن قصص الماضين التي أكثر المفسرون فيها من الإسرائيليات قصة أصحاب الكهف, وقد ذكرها ابن جرير وابن مردويه وغيرهما، والكثير من أخبار هؤلاء لا يدل له أو عليه كتاب الله، ولا يتوقف فهم القرآن وتدبره على ما أورده المفسرون من هذه الإسرائيليات.
فمن ذلك: ما ذكره ابن جرير في (تفسيره) عن ابن إسحاق صاحب (السيرة) في قصتهم؛ فقد ذكر نحو ثلاث صفحات أو ورقات، ونقل عن وهب بن منبه، وابن عباس، ومجاهد أخبارًا كثيرة أخرى، وكذلك ذكر السيوطي في (الدر المنثور) الكثير مما ذكره المفسرون عن أصحاب الكهف؛ عن هويتهم، ومن كانوا؟ وفي أي زمان؟ وفي أي مكان وجدوا؟ وتحدث عن أسمائهم، واسم كلبهم، وهو قطمير أم غيره؟ وعن لونه؛ أهو أصفر أم أحمر؟
بل روى ابن أبي حاتم من طريق سفيان, قال: رجل بالكوفة يقال له: عبيد، وكان لا يُتَّهم بالكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء أنبجاني -نسبة إلى بلد اسمها أنبج تُعرف بصنع الأكسية, ولا ندري كيف كان لا يُتهم بالكذب، وما زعم كذب لا شك فيه؟! فهل بقي كلب أصحاب الكهف حتى الإسلام؟!

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


وذكروا أخبارًا غرائب في الرقيم؛ فمن قائل: إنه قرية، وروى ذلك كعب الأحبار، ومن قائل: إنه وادٍ بفلسطين بقرب أيلة، وقيل: اسم جبل أصحاب الكهف, إلى غير ذلك، مع أن الظاهر أنه -كما قال كثير من السلف- الكتاب أو الحجر الذي دُوِّن فيه قصتهم وأخبارهم, أو غير ذلك مما الله أعلم به.
وكلمة الرقيم فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مرقوم، وفي الكتاب الكريم جاء قوله -سبحانه: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)) [المطففين: ١٩-٢١], ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ)) [المطففين: ٨، ٩], فرقيم بمعنى مفعول.
وفي هذه الأخبار التي نُقلت عن الرقيم, وعن أصحاب الكهف, وعن صفاتهم وعددهم وأسمائهم الحق والباطل، والصدق والكذب، وفيها ما هو محتمل للصدق والكذب، ولكن فيما عندنا غُنية عنه، ولا فائدة من الاشتغال بمعرفة هذا وتفسير القرآن الكريم به؛ فإن الآيات لا تحتاج إلى هذا التفسير، والأولى والأحسن أن نضرب عنه صفحا، وقد أدبنا الله بذلك حيث قال لنبيه بعد ذكر اختلاف أهل الكتاب في عدد أصحاب الكهف: ((قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا)) [الكهف: ٢٢].

... ٢.١١ الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي


وغالب ذلك مما أشرنا إليه, وغيره متلقى عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وحمله عنهم بعض الصحابة والتابعين؛ لغرابته والعجب منهم.
قال العلامة ابن كثير في (تفسيره): وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظرٌ في صحته، والله أعلم؛ فإن غالب ذلك تُلُقي من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ((فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا))؛ أي: سهلًا هينًا لينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة، ((وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا))؛ أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولون من تلقاء أنفسهم, ((رَجْمًا بِالْغَيْبِ)) أي: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شكّ فيه، ولا مرية فيه؛ فهو المقدم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال.