ملخص الدرس


وردت في قصة يوسف -عليه السلام- إسرائيليات ومرويات؛ ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير في (تفسيره) والسيوطي في (الدر المنثور) وغيرهما في قوله تعالى في أول السورة: ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)) [يوسف: ٤]؛ قال السيوطي: وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في (الضعفاء]، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه -وعندما يقول السيوطي: إن الحاكم صححه؛ يجب أن نتذكر أن تصحيح الحاكم لا يعتد به إلا إذا وافقه الشيخ الذهبي أو غيره من علماء الحديث- وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معًا في (الدلائل) عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: جاء بستاني اليهودي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد, أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف -عليه السلام- ساجدة له؛ ما أسمائها؟ فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يجبه بشيء، فنزل جبريل -عليه السلام- فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى البستاني اليهودي، فقال: {{هل أنت مؤمن, إن أخبرتك بأسمائها؟}} قال: نعم، قال: {{حرثان، والطارق، والذيال، وذو الكفتان، وقابس، ودنان، وهودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، والفريخ، والضياء، والنور -هذه الأسماء في (تفسير ابن جرير) فيها: بدل حرفان جربان، وبدل دنان وثاب، وبدل هودان عمودان، وفيه بدل الفيلق الفليق؛ فالأسماء مختلفة في الروايات الأخرى- رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب، قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد}}، فقال اليهودي: إي والله, إنها لأسماؤها.

ملخص الدرس


والذي يظهر أن هذا من الإسرائيليات، وأُلصقت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- زورًا، ثم إن سيدنا يوسف رأى كواكب بصورها لا بأسمائها, ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤيا، ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمه وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: هذا ساقط, وهو صاحب حديث حُسن يوسف, وكله من الأكاذيب.
ومن الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق عقلًا, ولا نقلًا ما ذكره ابن جرير في (تفسيره) وصاحب (الدر المنثور), وغيرهما من المفسرين, في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ))؛ فقد ذكروا في همّ يوسف -عليه السلام- ما ينافي عصمة الأنبياء، وما يخجل القلم من تسطيره, لولا أن المقام مقام بيان، وتحذير من الكذب على الله وعلى رسله، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم.
لقد أسفر التحقيق عن براءة يوسف وإدانة زليخا امرأة العزيز، وذلك بشهادات ناصعة صادقة، بخلاف الروايات المزوّرة عن الإسرائيليات، وقد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير الطبري، والثعلبي، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي.
ذكر المفسرون أن يوسف همّ بهذه المرأة همًّا صحيحًا, وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه, وهذا كلام لا يقبله العقل ويقدح في عصمة الأنبياء.

ملخص الدرس


يقول الدكتور محمد أبو شهبة: وقد فات هؤلاء الدّسّاسين الكذابين أن قوله -تعالى: ((ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)) ليس من مقالة سيدنا يوسف -عليه السلام- وإنما هو من مقالة امرأة العزيز, وهو ما يتفق وسياق الآية؛ ذلك أن العزيز لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ((ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)) [يوسف: ٥٠], فأحضر النّسوة وسألهن, وشهدن ببراءة يوسف فلم تجد امرأة العزيز بدًّا من الاعتراف فقالت: ((الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)) [يوسف: ٥١-٥٣]. فكل ذلك من قولها، ولم يكن يوسف حاضرًا ثَمّ -أي: هناك- بل كان في السجن؛ فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك في مجلس التحقيق الذي عقده العزيز؟
الصحيح في تفسير قوله تعالى: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبّه)) أنّ الكلام تم عند قوله -تعالى: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)), وليس من شك في أن همها كان بقصد الفاحشة, ((وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبّه)), الكلام من قبيل التقديم والتأخير، والتقدير: "ولولا أن رَأَى برْهان ربه لهمّ بها", وقوله تعالى: ((وَهَمَّ بِهَا)) هذا جواب لولا مقدم عليها، ومعروف في اللغة العربية أنّ "لولا" حرف امتناع لوجود؛ أي: امتناع الجواب لوجود الشرط؛ فامتنع الهمّ لوجود البرهان؛ أي: فيكون الهم ممتنعًا لوجود البرهان الذي ركزه الله في فطرته، والمقدم إما الجواب أو دليله؛ على الخلاف في هذا بين النحويين.

ملخص الدرس


من الإسرائيليات ما يذكره بعضُ المُفَسّرين في مدة سجن يوسف -عليه السلام- وفي سبب لُبثه ومُكثه في السجن بضع سنين، وذلك عند تفسير قوله -تعالى: ((وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ))
[يوسف: ٤٢]، فقد ذكر ابن جرير والثعلبي والبغوي وغيرهم أقوالًا كثيرة في هذا، فقد قال وهب بن مُنبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين.
ويعلق الشيخ أبو شهبة على ذلك, فيقول: لا أدري ما المناسبة بين نبي الله, وبين بختنصر الذي أذل اليهود وسباهم؟!
الذي يجب أن نعتقده أن يوسف -عليه السلام- مكث في السجن كما قال الله -تعالى- بضع سنين، وكلمة البضع من الثلاث إلى التسع أو إلى العشر من غير تحديد للمدة؛ فجائز أن تكون سبعًا، وجائز أن تكون تسعًا، وجائز أن تكون خمسًا، ما دام ليس هناك نقل صحيح عن المعصوم -صلى الله عليه وسلم.
وكذلك نعتقد أنه لم يكن السجن عقوبة على كلمة، وإنما هو بلاء ورفعة درجة، ثم كيف يتفق هذا الحديث الضعيف، وما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في (الصحيحين)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{... ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف, لأجبت الداعي}}, وفى لفظ للأمام أحمد: {{لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر}}؟