١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام
أمامنا قصة عظيمة الأثر, وهي القصة الفريدة التي ذُكرت في سورة واحدة، فإن ما نعهده في القرآن الكريم أن أكثر قصص الأنبياء والرسل إنما ذُكر في أماكن عِدَّة, ومواقف عديدة، كل موقف يتناسب فيه ما ذُكر لأخذ العظة والعبرة، إلا قصة نبي الله ورسوله يوسف -عليه السلام- فإن قصة يوسف إنما ذُكرت في سورة "يوسف" في موقف واحد، وجُمعت أطرافها كلها في هذه السورة المباركة.
قصة يوسف -عليه السلام- ذُكرت مجموعة في هذه السورة وحدها، ورغم ذلك فقد وردت في قصة يوسف -عليه السلام- إسرائيليات ومرويات مختلقة مكذوبة، وأحاديث كثيرة ذُكرت في هذا الشأن مما تقدح في عصمة الأنبياء والرسل، لا سيما ما يتعلق بقوله -جل وعلا: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) [يوسف: ٢٤], على الرغم من أن الآيات في هذا الشأن ناطقة ببراءة يوسف وعصمته، وأنه من عباد الله المخلصين، وأن المرأة هي التي راودته كما سنتبيّن من خلال الآيات في هذا الشأن.
وردت في قصة يوسف -عليه السلام- إسرائيليات ومرويات؛ ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير في (تفسيره] والسيوطي في (الدر المنثور) وغيرهما في قوله تعالى في أول السورة: ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)) [يوسف: ٤]؛ قال السيوطي: وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في (الضعفاء)، ...

١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


... وأبو الشيخ، والحاكم وصححه -وعندما يقول السيوطي: إن الحاكم صححه؛ يجب أن نتذكر أن تصحيح الحاكم لا يعتد به إلا إذا وافقه الشيخ الذهبي أو غيره من علماء الحديث- وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معًا في (الدلائل) عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: جاء بستاني اليهودي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد, أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف -عليه السلام- ساجدة له؛ ما أسمائها؟ فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يجبه بشيء، فنزل جبريل -عليه السلام- فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى البستاني اليهودي، فقال: {{هل أنت مؤمن, إن أخبرتك بأسمائها؟)) قال: نعم، قال: ((حرثان، والطارق، والذيال، وذو الكفتان، وقابس، ودنان، وهودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، والفريخ، والضياء، والنور -هذه الأسماء في (تفسير ابن جرير) فيها: بدل حرفان جربان، وبدل دنان وثاب، وبدل هودان عمودان، وفيه بدل الفيلق الفليق؛ فالأسماء مختلفة في الروايات الأخرى- رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب، قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد}}، فقال اليهودي: إي والله, إنها لأسماؤها.
والذي يظهر لي -والكلام لأبي شهبة- أن هذا من الإسرائيليات، وأُلصقت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- زورًا، ثم إن سيدنا يوسف رأى كواكب بصورها لا بأسمائها, ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤيا، ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمه وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: هذا ساقط, وهو صاحب حديث حُسن يوسف, وكله من الأكاذيب.

١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


وقال الإمام الذهبي في (ميزان الاعتدال): قال ابن معين: ليس بثقة -أي: راوي هذه الرواية التي هي مروية عنه، وهو الحكم بن ظهير- وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال مرة: تركوه، وهو راوي حديث: "إذا رأيتم معاوية على منبري, فاقتلوه", فهل مثل هذا تُعتبر روايته في مثل هذا؟! وبحسبه سقوطًا مقالة البخاري فيه: منكر الحديث وتركوه.
الإسرائيليات في الآية التي حيَّرت بعض المفسرين، وكثر الكلام فيها من الإسرائيليات, والآية هي قوله تعالى: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)):
ومن الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق عقلًا, ولا نقلًا ما ذكره ابن جرير في (تفسيره) وصاحب (الدر المنثور), وغيرهما من المفسرين في هذه الآية؛ فقد ذكروا في همّ يوسف -عليه السلام- ما ينافي عصمة الأنبياء، وما يخجل القلم من تسطيره, لولا أن المقام مقام بيان، وتحذير من الكذب على الله وعلى رسله، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم.
فقد روى هؤلاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سُئِل عن همِّ يوسف -عليه السلام- ما بلغ؟ قال: حلَّ الهميان -يعني: السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن، فصِيحَ به: يا يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش. ورووا مثل هذا عن علي -رضي الله عنه- وعن مجاهد وعن سعيد بن جبير -معاذ الله.

١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


ورَوَوْا أيضًا في البرهان الذي رآه، ولولاه لوقع في الفاحشة, بأنه نُودي: أنت مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء! وقيل: رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط -وقيل: في سقف الحجرة- وأنه رآه عاضًّا على إبهامه، وأنه لم يتعظ بالنداء حتى رأى أباه على هذه الحال. بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليات الباطلة؛ فزعموا أنه لمَّا لم يرعوِ من رؤية صورة أبيه عاضًّا على أصابعه, ضربه أبوه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله.
ولأجل أن يؤيِّد هؤلاء الذين افتروا على الله ونبيه يوسف هذا الافتراء, يزعمون أيضًا أن كل أبناء يعقوب قد وُلد له اثنا عشر ولدًا ما عدا يوسف؛ فإنه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدًا, فلم يولد له غير أحد عشر ولدًا.
بل زعموا أيضًا في تفسير البرهان فيما روي عن ابن عباس, أنه رأى ثلاث آيات من كتاب الله؛ وهي قوله -تعالى: ((وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ)) [الانفطار: ١٠، ١١]، وقوله -تعالى: ((وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه)) [يونس: ٦١]، وقوله -تعالى: ((أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)) [الرعد: ٣٣]. وقيل: رأى قوله: ((وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)) [الإسراء: ٣٢].
ومن البدهي أن هذه الآيات بهذا اللفظ العربي, لم تنزل على أحد قبل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وإن كان الذين افتروا هذا لا يعدمون جوابًا بأن يقولوا: رأى ما يدل على معاني هذه الآيات بلغتهم التي يعرفونها, بل قيل في البرهان: إنه أُرِي تمثال الملك وهو العزيز، وقيل: خياله.

١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


وكل ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل, وأكاذيبهم التي افتجروها على الله وعلى رسله، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما، وليس أدلّ على هذا مما رُوي عن وهب بن منبه قال: لما خلا يوسف وامرأة العزيز, خرجت كفٌّ بلا جسد بينهما مكتوب عليها بالعبرانية: ((أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)) [الرعد: ٣٣]، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكفّ بينهما مكتوبا عليها بالعبرانية: ((وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ, كِرَامًا كَاتِبِينَ, يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)) [الانفطار: ١٠-١٢]، ثم انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوبا عليها: ((وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)) [الإسراء: ٣٢]، وانصرفت الكف وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة مكتوبا عليها بالعبرانية: ((وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) [البقرة: ٢٨١] فولى يوسف -عليه السلام- هاربًا. وهذا الكلام في (الدر المنثور], رواه الإمام السيوطي وغيره.
وقد كان وهب, أو من نقل عنه وهب ذكيًّا بارعًا حينما زعم أن ذلك كان مكتوبًا بالعبرانية، وبذلك أجاب عمَّا استشكله، ولكن مع هذا لن يجوز هذا الكذب إلا على الأغرار والسُّذَّج من أهل العلم، ولا أدري أيّ معنى يبقى للعصمة بعد أن جلس بين فخذيها وخلع سرواله! وما امتناعه عن الزنى على مروياتهم المفتراة إلا وهو مقهور مغلوب، ولو أن عربيدًا رأى صورة أبيه بعد مماته تحذره من معصية؛ لكفَّ عنها وانزجر، فأي فضل ليوسف إذًا وهو نبي من سلالة أنبياء؟!

١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


ويتابع الشيخ أبو شهبة فيقول: بل أي فضل له في عدم مقارفته الفاحشة, بعدما خرجت شهوته من أنامل قدميه؟ وما امتناعه حينئذٍ إلا قصريٌّ جبريّ، ثم ما هذا الاضطراب الفاحش في الروايات؟ أليس الاضطراب الذي لا يمكن التوفيق بينه كهذا, من العلل التي ردَّ المحدثون بسببها الكثير من المرويات؛ لأنه أمارة من أمارات الكذب والاختلاق، والباطل لجلج وأما الحق فهو أبلج؟ ثم كيف يتفق ما حِيك حول نبي الله يوسف -عليه الصلاة والسلام- وقول الحق -تبارك وتعالى- عقب ذكر الهمّ: ((كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) [يوسف: ٢٤]، فهل يستحق هذا الثناء من حلّ التكة وخلع السروال، وجلس بين رجليها؟ إلى آخر ما ذكروه من الكذب، ولا أدري أنصدق القرآن أم نصدق كَذَبة بني إسرائيل ومخرفيهم؟! بل كيف يتفق ما روى هو وما حكاه الله -عز وجل- عن زليخا بطلة المراودة؛ حيث قالت: ((أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)) [يوسف: ٥١], وهو اعتراف صريح من البطلة التي أعيتها الحيل عن طريق التزين حينًا، والتودد إليه بمعسول القول حينًا آخر، والإرهاب والتخويف حينًا ثالثًا فلم تفلح، وقالت: ((وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ)) [يوسف: ٣٢]؟
ثم انظر ماذا كان جواب السيد العفيف الكريم ابن الكريم ابن الكريم اين الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم صلوات الله وسلامه- قال: ((قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)) [يوسف: ٣٣].
وقصده -عليه الصلاة والسلام- بقوله: ((وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنََّ)) تبرؤ من الحول والطول، وأن الحول والقوة إنما هما من الله -جل وعلا- وهو سؤال منه لربه واستعانة به على أن يصرف عنه كيدهنَّ، وهكذا شأن الأنبياء.

١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


والحقيقة عندما نتأمل الآيات نجد فيها أكثر من عشرة أدلة كلها واضحة، فبعدما مضى من قولها: ((أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ))
[يوسف: ٥١]، وقول الله -عز وجل: ((كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)) [يوسف: ٢٤]، وقوله -عز وجل: ((إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) [يوسف: ٢٤], نرى أن الشيطان نفسه قد شهد ليوسف -عليه السلام- في ضمن قوله, كما ذكر القرآن وحكاه الله عنه بقوله: ((قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)) [ص: ٢٢، ٢٣], ويوسف بشهادة الحق السالفة من المخلصين.
وكذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها، هذا الشاهد كما نطقت الآية عندما قال -جل وعلا: ((وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)) [يوسف ٢٦-٢٢]، وهذا الشاهد قيل: كان رجلًا عاقلًا حكيمًا مجربًا من خاصة الملك، وكان من أهلها، وقيل: كان صبيًّا في المهد، وكان ذلك إرهاصًا بين يدي نبي الله يوسف إكرامًا له.
على أيَّة حال نطق هذا الشاهد بالقول الفصل عندما قال: ((إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ))؛ أي: شُقَّ وقطع من الأمام, ((فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) كأنه هو الذي يقدم عليها ويقبل فدفعته, ((وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ))؛ لأن قدّ القميص وشقه من الخلف معناه أنه كان يجري ويهرب منها, ((فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)) الآيات.

١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


وقد أسفر التحقيق عن براءة يوسف وإدانة زليخا امرأة العزيز، فكيف تتفق كل هذه الشهادات الناصعة الصادقة، وتلك الروايات المزوّرة عن الإسرائيليات لا تتفق، وقد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير الطبري، والثعلبي، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي؟!
ونحن نعرف أن هذه الكتب مع جلالة قدرها, لم تسلم من سوق هذه الروايات الكثيرة -الإسرائيليات- وقد مر بها ابن كثير بعد أن نقلها حاكيًا من غير أن ينبّه إلى زيفها، وهذا من المواضع التي تعدّ زلَّات لابن كثير؛ إذ ينقل هذه الإسرائيليات وهذه الروايات ولا يعقّب عليها، ولا ينص على تزييفها، مع أن ابن كثير تأخّر؛ فكان حريًّا به أن يدفع هذه الأباطيل وأن ينقدها، وأن يبين زيفها.
ومن العجيب حقًّا أن الإمام ابن جرير على جلالة قدره, يحاول أن يضعف في (تفسيره) مذهب الخلف الذين ينفون هذا الزور والبهتان، ويفسرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة وقواعد الشرع، وما جاء في القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، وتعتبر هذه المرويات التي سقناها الآن هي قول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين يؤخذ عنهم.
وكذلك تابعه على مقالته هذه الثعلبي والبغوي في تفسيريهما؛ تفسير البغوي (معالم التنزيل)، والثعلبي أيضًا في تفسيره (الكشف والبيان)، وهذه المرويات الغثة المكذوبة التي يأباها النظم الكريم، ويجزم العقل والنقل باستحالتها على الأنبياء -عليهم السلام- هي التي اعتبرها الطبري ومن تبعه أقوال السلف, بل يسير في خط اعتبار هذه المرويات، فيورد على نفسه سؤالًا فيقول: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا، وهو لله نبي؟ ثم أجاب بما لا طائل تحته، ولا يليق بمقام الأنبياء والمرسلين.

١.١٠ الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف -عليه السلام


ثم نذكر أيضًا ما وقع فيه الإمام الواحدي, وهو صاحب تفسير (البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز)، وله قدمه الراسخة في علم التفسير, إلا أنه أيضًا ذهب إلى ما ذهب إليه هؤلاء؛ فذهب الواحدي في تفسيره (البسيط) حيث قال: قال المفسرون الموثوق بعلمهم, المرجوع إلى روايتهم, الآخذون للتأويل عمَّن شاهدوا التنزيل: همّ يوسف -عليه السلام- بهذه المرأة همًّا صحيحًا، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه؛ زالت كل شهوة منه. وهي غفلة شديدة من هؤلاء الأئمة؛ من الواحدي وغيره, لا نرضاها ولا يرضاها الله ورسوله.