ملخص الدرس


قصة لوط -عليه السلام:
هو: لوط بن هاران -أخي إبراهيم- بن تارخ, آمن بإبراهيم واهتدى بهديه كما قال سبحانه: ((فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي)) [العنكبوت: ٢٦] وتبع لوط -عليه السلام- عمه إبراهيم في رحلاته فكان معه بمصر, وأغدق عليه ملك مصر كما أغدق على إبراهيم؛ فكثر ماله ومواشيه، ثم افترق من إبراهيم عن تراضٍ؛ لأن الأرض لم تتسع لمواشيهما, ونزل إلى سدوم بلد في دائرة الأردن.
كان أهل هذا البلد -أهل سدوم- ذوي أخلاق سيئة رديئة، لا يستحيون من منكر يفعلونه، ولا يتعفّفون عن معصية يأتونها على رءوس الأشهاد، كما قال على لسان لوط -عليه السلام- وهو يعظهم وينهاهم: ((وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ)) [العنكبوت: ٢٩]؛ أي: كانوا يجاهرون بالمعاصي, والأخطاء التي لا يُستحيا منها.
وكان أهل هذا البلد يتربصون لكل داخل لمدينتهم من التجار، ويجتمعون عليه من كل صوب، ويمدون أيديهم إلى بضاعته يأخذ كل واحد منها شيئًا قليلًا حتى لا يبقى في يده شيء؛ فإذا جلس، جلس حزينًا وجأر بالشكوى, يأتي الواحد منهم ويقول: كل هذا لأني أخذت منك الشيء اليسير دونكه -يعني خذه- فيقول: ما عسى أن ينفعني ما جئت به بعد أن ذهبت بضاعتي، اذهب عني بهذا الذي جئت به. فإذا انصرف جاء آخر بشيء تافه يريد رده عليه، فيتركه الرجل لزهادة ما أتى به وينصرف، وهكذا يخسر الرجل بضاعته؛ لتفرقها في الأيدي الكثيرة, ...

ملخص الدرس


... فهم كانوا سرقة وأصحاب منكرات وفواحش، وهم كما قال الله تعالى عنهم: ((وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ))
[العنكبوت: ٢٩] إلى آخر الآيات.
وكذلك أهل هذا البلد كانوا ظلمة, وهناك دلائل على ذلك.
إبراهيم مع لوط -عليهما السلام:
إن الملائكة أخبرت إبراهيم أنهم ذاهبون للانتقام من قوم لوط الذين هم أهل هذا البلد؛ أهل سدوم وعامورة؛ فخاف إبراهيم أن يُمسّ لوط بأذى؛ فأخبروه بأنه ناجٍ هو ومن آمن معه، ثم أخبروه -أي: الملائكة- بأن وقوع العذاب بالقوم أمر حتمي لا تقبل فيه شفاعة، ولا يغني جدال؛ قال تعالى: ((يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود)).
وكان قوم لوط قد كانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله؛ وذلك أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، ويستعلنون بذلك ولا يستترون -معاذ الله- ولا يرون في ذلك سوءًا أو قبيحًا، وأنّ لوطًا قد وعظهم ونصحهم ونهاهم وخوّفهم بأس الله تعالى؛ فلم يأبهوا له ولم يرتدعوا، فلما ألحّ عليهم بالعظات والأنذار هددوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم، إلى أن جاء إلى لوط الملائكة؛ وقد جاءوا إليه بهيئة غلمانٍ مُرد حسان الوجوه؛ فجاء أهل القرية إلى لوط طالبين ضيوفه ليفعلوا فيهم الفاحشة، وقد جهد لوط في ردّهم وبالغ في ذلك؛ ...

ملخص الدرس


...حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته -أي: طلب منهم أن يتزوجوا بناته- فلم يصغوا إليه، حينئذٍ التفت لوط إلى الملائكة وقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد؛ لجاهدتهم بكم وأوقعت بهم ما يستحقون. وكان لا يعلم أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذٍ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاءوا للتنكيل بأولئك القوم، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك الغلمان المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط؛ طمس الله أعينهم فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه عليه وعلى من معه.
ثم أخرج الملائكة لوطًا وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم ألا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون؛ فصدعوا بالأمر إلا امرأته؛ فالتفتت إلى القرية لترى ما يحل بها، وكان هواها في أهل القرية دون لوط؛ فحل بها من السخط والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة؛ فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، وجعل عاليها سافلها.
ولكننا نربأ بسيدنا لوط أن يعرض بناته على قومه الفسقة الفجرة عرض شهوة، كما كانوا يقعون في الفواحش، فلعله قال: هؤلاء بناتي تزوجوهم، وتقضى الشهوات في الحلال، ولكنهم قوم ألفوا الفسق والفجور؛ إلى آخر الكلام، وهذا القول أورده كثير من المفسرين.

ملخص الدرس


القول الصحيح في عرض لوط -عليه السلام- بناته على هؤلاء الفسقة: أن لوطًا عرض على هؤلاء الفسقة بناته عرضًا سابريًّا، فقد كان يعرض بناته على ما يوافق الشرع بحيث إذا أرادوا الشهوة تزوجوا البنات، وإن كان البعض ذكر أنه عرضهن عليهم من باب ذر الرماد في العيون؛ ولكنه عرض بناته عليهم على أمل أن يستحيوا منه ويبتعدوا ويخجلوا؛ لينكفوا عن خزايته في ضيفه, ونربأ بسيدنا لوط أن يعرض بناته على قومه الفسقة الفجرة عرض شهوة، كما كانوا يقعون في الفواحش.
مجادلة إبراهيم -عليه السلام- عن قوم لوط:
ما ذكره أبو السعود بشأن العدد الذي جادل عنه إبراهيم الملائكة لا يُعول عليه؛ لما فيه من التناقض بين مروياته؛ إذ إن رواية أبي السعود التي تذكر أن إبراهيم جادلهم بعدد أقصاه خمسون، ثم أخذ ينقص منه حتى بلغ عشرة, تختلف مع العدد الذي ذكره ابن جرير الطبري في (تفسيره) من رواية السدي؛ حيث ذكر أن إبراهيم جادلهم في مائة من المسلمين، ولم يزل يحطّ حتى بلغ عشرة، وكذا من رواية ابن جرير أنه جادلهم في مائة أيضًا حتى هبط إلى خمسة، بينما نجد الحافظ ابن كثير يذكر في رواية ابن إسحاق وآخرين أن مجادلة أبينا إبراهيم لهم كانت في ثلاثمائة، وما زال يُنقص حتى بلغ معهم إلى مؤمن واحد، ويذكر ابن عباس وغيره أن إبراهيم -عليه السلام- جادلهم في أربعمائة، وأخذ ينقص منهم حتى بلغ أربعة عشر.

ملخص الدرس


وتلك المجادلة التي ذكرها المفسرون لم تفصل في القرآن الكريم، ولا في سنة النبي العظيم محمد - عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم- وإنما فصلت في الكتب المحرفة عند اليهود.
الإسرائيليات في قصة المائدة:
اختلف العلماء في المائدة؛ أنزلت أم لا؟ وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا على نزولها، وهذا هو ظاهر القرآن؛ فقد وعد الله -سبحانه- ووعده محقق لا محالة في قوله: ((إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ)).
وذهب الحسن ومجاهد إلى أنها لم تنزل؛ وذلك لأن الله -سبحانه- لما توعدهم على كفرهم بعد نزولها بالعذاب البالغ غاية الحد؛ خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا, وقالوا: لا نرُيدها فلم تنزل، ولا ندري ما الحامل لهم على هذا، وقد أحيطت المائدة -كما قال شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة- بأخبار كثيرة، أغلب الظن أنها من الإسرائيليات، ورويت عن وهب بن منبه وكعب الأحبار وسَلمان وابن عباس ومقاتل والكلبي وعطاء وغيرهم، بل رووا في ذلك حديثًا عن عمار بن ياسر، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: {{إنها نزلت خبزًا ولحمًا، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد}}, وفي رواية بزيادة: {{ولا يخبئوا}}, فخانوا وادخروا ورفعوا لغد؛ فمسخوا قردة وخنازير.

ملخص الدرس


في الرواية الطويلة التي ذكرها ابن أبي حاتم في (تفسيره) بسنده، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- ما يضعف القصة ويدل على الاختلاق، وإلا فكيف يطلبون المائدة ثم يمتنعون عن الأكل؛ لأن عيسى لم يبدأ به؟ وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك, أقبل إليها بنو إسرائيل يسعون من كل مكان، يزاحم بعضهم بعضًا؛ فلما رأى ذلك جعلها نوبًا, تنزل يومًا ولا تنزل يومًا، ومكثوا على ذلك أربعين يومًا تنزل عليهم غبًّا عند ارتفاع النهار، فلا تزال موضوعة يؤكل منها, حتى إذا قالوا -أي: جلسوا في وقت القيلولة وسط النهار- ارتفعت عنهم إلى جو السماء, وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى تتوارى عنهم.
وهناك تعليق على هذا؛ فالقرآن الكريم يدل دلالة واضحة على أن المائدة لم تنزل إلا مرة واحدة، وهذا الكلام يدل على تكرار نزولها، وهذا أيضًا يدل على اختلاف تفاصيل القصة، وهذا واضح أنها من تزايدات بني إسرائيل.
وقد شكك في هذه الرواية الإمام القرطبي؛ حيث قال: قلت: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده. ثم عرض بعد لما روي مرفوعًا وموقوفًا، وذكر ما قاله الإمام الترمذي من أن الموقوف أصح، وأن المرفوع لا أصل له.

ملخص الدرس


قال تعالى: ((قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)) [المائدة: ١٥]؛ أي: فمن يُكذِّب بها من أمتك يا عيسى ويعاندها؛ فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من عالم زمانكم، وهذا على سبيل الوعيد لهم والتهديد، وليس في الآية ما يدل على أنهم كفروا، ولا على أن غيرهم قد كفر بها، ولا على أنهم استعفوا من نزول المائدة؛ وإنما الذي دعا بعض المفسرين إلى هذه الأقوال الروايات الإسرائيلية.