٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
ومن الإسرائيليات التي ذكرها المفسرون, ما جاء عند قوله تعالى: ((إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ)) [المائدة: ١١٢-١١٥].
اختلف العلماء في المائدة؛ أنزلت أم لا؟ وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا على نزولها، وهذا هو ظاهر القرآن؛ فقد وعد الله -سبحانه- ووعده محقق لا محالة في قوله: ((إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ)).
وذهب الحسن ومجاهد إلى أنها لم تنزل؛ وذلك لأن الله -سبحانه- لما توعدهم على كفرهم بعد نزولها بالعذاب البالغ غاية الحد؛ خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا, وقالوا: لا نرُيدها فلم تنزل، ولا ندري ما الحامل لهم على هذا، وقد أحيطت المائدة -كما قال شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة- بأخبار كثيرة، أغلب الظن أنها من الإسرائيليات، ورويت عن وهب بن منبه وكعب الأحبار وسَلمان وابن عباس ومقاتل والكلبي وعطاء وغيرهم، بل رووا في ذلك حديثًا عن عمار بن ياسر، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: {{إنها نزلت خبزًا ولحمًا، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد}}, وفي رواية بزيادة: {{ولا يخبئوا}}, فخانوا وادخروا ورفعوا لغد؛ فمسخوا قردة وخنازير.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
ورفعُ مثل هذا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- غلط, ووهم من أحد الرواة على ما أرجح؛ فقد روى هذا ابن جرير في (تفسيره) مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح، وقد نص على أن المرفوع لا أصل له الإمام أبو عيسى الترمذي، فقال بعد أن روى الروايات المرفوعة: هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، وبعد أن ذكر رواية موقوفة عن أبي هريرة، قال: "وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلًا".
وقد اختلفت المرويات في هذا؛ فروى العوفي عن ابن عباس أنها -أي: المائدة- خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا، إذا شاءوا, وقال عكرمة، عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأريغفة، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أُنزلت على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، وقال كعب الأحبار: نزلت المائدة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض, عليها كل الطعام إلا اللحم، وقال وهب بن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل؛ فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة, فأكلوا ما شاءوا من ضروب شتى؛ فكان يقعد عليها أربعة آلاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا على ذلك ما شاء الله -عز وجل.
وقال وهب أيضًا: نزل عليهم أقرصة من شعير, وأحوات -جمع حوت أي: سمك- وحشا الله بين أضعافهن البركة؛ فكان قوم يأكلون ثم يخرجون, ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون, حتى أكل جميعهم وأفضلوا منها؛ وهكذا لم يتفق الرواة على شيء مما يدل على أنها إسرائيليات مبتدعة، وليس مرجعها إلى المعصوم -صلى الله عليه وسلم- والحق أبلج والباطل لجلج لا يتفق عليه غالبًا.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
وسنكتفي بذكر الرواية الطويلة التي ذكرها ابن أبي حاتم في (تفسيره) بسنده، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- وخلاصتها: أن الحواريين لما سألوا عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك؛ خشية أن تنزل عليهم فلا يؤمنوا بها, فيكون فيها هلاكهم، فلما أبوا إلا أن يدعو لهم الله لكي تنزل, دعا الله فاستجاب له, فأنزل الله -تعالى- سفرة حمراء بين غمامتين, غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من السماء تهوي إليهم, وعيسى -عليه السلام- يبكي خوفًا من الشرط الذي اتخذ عليهم فيها، فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يديه، والحواريون حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا رائحة مثلها قط، وخرّ عيسى -عليه الصلاة والسلام- والحواريون سجدًا شكرًا لله -تعالى.
وأقبل اليهود ينظرون إليهم, فرأوا ما يغمّهم ثم انصرفوا، فأقبل عيسى -عليه السلام- ومن معه ينظرونها؛ فإذا هي مغطاة بمنديل، قال عليه السلام: من أجرؤنا على كشفه, وأوثقنا بنفسه, وأحسننا بلاءً عند ربه, حتى نراها ونحمد ربنا -سبحانه وتعالى- ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقالوا: يا روح الله وكلمته، أنت أولى بذلك, فقام واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه وصلى ركعات, ثم بكى طويلًا ودعا الله -تعالى- أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل لها وقومه فيها بركة ورزقًا, ثم انصرف وجلس حول السفرة وتناول المنديل, وقال: باسم الله خير الرازقين، وكشف عنها؛ فإذا عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير -أي: قشر- وليس في جوفها شوك, يسيل السمن منها -أي: الدهن- قد نُضض حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعلى رأسها خل, وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة, على واحد منها زيتون, وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات, وفي رواية: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد -أي: لحم مجفف.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
فقال شمعون -رأس الحواريين- لعيسى: يا روح الله وكلمته, أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات, وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بسبب نزول هذه الآية؛ فقال له شمعون: لا، وإله إسرائيل ما أردت بهذا سؤالًا يابن الصديقة، فقال عيسى -عليه السلام: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقالوا: يا روح الله وكلمته, إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية، فقال عليه السلام: سبحان الله -تعالى- أما اكتفيتم؟ ثم قال: يا سمكة، عودي بإذن الله -تعالى- حية كما كنتِ؛ فأحياها الله وعادت حية طرية، يا سمكة، عودي بإذن الله -تعالى- كما كنت مشوية فعادت، ثم دعاهم إلى الأكل فامتنعوا حتى يكون هو البادئ فأبى، ثم دعا لها الفقراء والزمنى -أي: كبار السن- وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم, واحمدوا الله -تعالى- الذي أنزلها لكم؛ فيكون مهنئوها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم بباسم الله -تعالى- واختتموه بحمد الله, ففعلوا فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ.
ونظر عيسى والحواريون؛ فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون, فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زمن أكل منها، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
ويعلق على هذه القصة فيقول: هذا مما يضعف القصة ويدل على الاختلاق، وإلا فكيف يطلبونها ثم يمتنعون عن الأكل؛ لأن عيسى لم يبدأ به؟ وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك, أقبل إليها بنو إسرائيل يسعون من كل مكان، يزاحم بعضهم بعضًا؛ فلما رأى ذلك جعلها نوبًا, تنزل يومًا ولا تنزل يومًا، ومكثوا على ذلك أربعين يومًا تنزل عليهم غبًّا عند ارتفاع النهار، فلا تزال موضوعة يؤكل منها, حتى إذا قالوا -أي: جلسوا في وقت القيلولة وسط النهار- ارتفعت عنهم إلى جو السماء, وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى تتوارى عنهم.
هناك تعليق على هذا؛ فالقرآن الكريم يدل دلالة واضحة على أن المائدة لم تنزل إلا مرة واحدة، وهذا الكلام يدل على تكرار نزولها، وهذا أيضًا يدل على اختلاف تفاصيل القصة، وهذا واضح أنها من تزايدات بني إسرائيل.
بقية الكلام: فأوحى الله -تعالى- إلى عيسى -عليه الصلاة والسلام- أن اجعل رزقي لليتامى والمساكين والزمنى دون الأغنياء من الناس؛ فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك, حتى شكوا فيها في أنفسهم وشكّكوا فيها الناس, وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وساوسه في قلوب المرتابين؛ فلما علم عيسى ذلك منهم قال: هلكتم وإله المسيح، سألتم نبيكم أن يطلب المائدة لكم إلى ربكم؛ فلما فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقًا وأراكم فيها الآيات والعبر؛ كذبتم بها وشككتم فيها, فأبشروا بالعذاب؛ فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله -تعالى.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
وأوحى الله -تعالى- إلى عيسى -عليه السلام: إني آخذ المكذبين بشرطي؛ فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين؛ فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين؛ فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير؛ فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات.
قال العلامة ابن كثير في (تفسيره) بعد ذكره: هذا أثر غريب جدًّا -والغريب: ما تفرد به رواته في كل السند أو بعضه، ومنه الصحيح, ومنه غير الصحيح وهو الغالب والكثير- قطّعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم وأكمل -والله سبحانه وتعالى أعلم.
يقول أبو شهبة: ومن هذه الروايات الغريبة دخل البلاء على الإسلام والمسلمين؛ لأن غالبها لا يصح؛ ولذلك قال الإمام الجليل أحمد بن حنبل: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء.
وقال الإمام مالك -رضي الله عنه: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.
وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من ههنا وههنا -يعني المشهور الذي رواه الكثيرون.
وروي عن الزهري أنه قال: ليس من العلم ما لا يُعرَف، إنما العلم ما عُرِف وتواطأت عليه الألسن.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
ويقول شيخنا أبو شهبة: وأحب أن أنبه إلى أن أصل القصة ثابت بالقرآن الذي لا شك فيه، وإنما موضع الشك في كل هذه التزايدات التي هي من الإسرائيليات, والمفسرون جميعًا قد ذكروا كل ما يدور حول قصة المائدة، وإن اختلفوا في ذلك قلة وكثرة، والعجب أن أحدا لم ينبه على أصل هذه المرويات، والمنبع الذي نبعت منه, حتى الإمامين الجليلين ابن كثير والألوسي وهما من العلماء الأثبات النقاد، وإن كان ابن كثير قد أشار من طرف خفي إلى عدم صحة معظم ما روي، ولعلهم اعتبروا ذلك مما يباح روايته ويحتمل الصدق والكذب؛ فذكروه من غير إنكار له، وكان عليهم أن ينزهوا التفسير عن هذا وأمثاله.
وقد شكك في القصة الطويلة التي اختصرناها الإمام القرطبي؛ حيث قال: قلت: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده. ثم عرض بعد لما روي مرفوعًا وموقوفًا، وذكر ما قاله الإمام الترمذي من أن الموقوف أصح، وأن المرفوع لا أصل له.
والآيات في هذا هي: قول الله -جل وعلا: ((إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء))
[المائدة: ١١٢].
((إِذْ)) ظرف لما مضى من الزمان، وهو مفعول لفعل محذوف والتقدير: اذكر يا محمد -صلى الله عليك وسلم- ما حدث في هذا الزمان البعيد؛ لكي يكون دليلًا على صدق نبوتك؛ فما كنت معهم، ولا صاحبت أهل الكتاب، ولم تكن قارئًا ولا كاتبًا؛ فمعرفتك بهذه القصة دليل على أنك تلقيتها من الوحي من ربك.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
((إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ)), الحواريون جمع: حواريّ, وهم المخلصون الأصفياء من أتباع عيسى -عليه السلام- ويطلق أيضًا على الأصحاب المخلصين من أتباع الأنبياء، وفي الحديث الصحيح: {{لكل نبي حواريٌّ، وحواريي الزبير}} أي: ابن العوام.
و"المائدة": هي الخوان الذي عليه الطعام؛ فإن لم يكن عليها طعام؛ فهو خوان.
((أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنْ السَّمَاءِ)) و"السماء" هي السماء المعروفة، أو المراد بها جهة العلو؛ فإنها قد تطلق ويراد بها كل ما علا.
والاستفهام في هذه الآية: ((هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ))؟ ليس المراد هو أصل الاستطاعة وأنهم ما كانوا يعلمون هذا؛ لأن السائلين كانوا مؤمنين عارفين عالمين بالله وصفاته؛ بل في أعلى درجات هذه الصفات؛ وإنما المراد بالسؤال: الإنزال بالفعل؛ أي: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة؟ فالسؤال لا يراد منه السؤال عن أصل الاستطاعة؛ إنما المراد إنزال الشيء بالفعل، من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، والمعنى: هل يجيبنا ربك يا نبينا عيسى إلى ذلك أم لا؟
وقال بعض العلماء: ليس ذلك بشك في الاستطاعة؛ وإنما هو تلطف في السؤال وأدب مع الله تعالى بهذه الصيغة المهذبة؛ كقول الرجل لآخر: هل تستطيع أن تعينني على كذا وكذا؟ وهو يعلم أنه يستطيع.
وأما قول من قال: إنه من قول من كان مع الحواريين، فبعيد؛ لخروجه عن ظاهر الآية, ولا سيما أن تفسير الآية مستقيم غاية الاستقامة على ما ذكرنا, وما يعرف في قواعد اللغة. وهذا السؤال إما لفقرهم وحاجتهم، وإما لتعرف فضل نبيهم عيسى -عليه السلام- وفضلهم وكرامتهم عند ربهم.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
وأما ما روي من أن عيسى أمرهم بصيام ثلاثين يومًا, ثم يسألون ربهم ما يشاءون, فصاموا وسألوا؛ فهذا كلام لسنا منه على يقين.
بقية الآية: ((قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [المائدة: ١١٢], ليس هذا شكًّا في إيمانهم؛ وإنما هو أسلوب معهود حملًا على التقوى؛ كما قال تعالى في حق المؤمنين الصادقين من هذه الأمة المحمدية: ((وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين)) [الأنفال: ١], والمعنى: اتقوا الله ولا تسألوه؛ فعسى أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق، أو اتقوا الله ودعوا كثرة السؤال؛ فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عند اقتراح الآيات؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- إنما يفعل الأصلح لعباده.
((إِنْ كُنتُمْ مُّؤْمِنِين)) أي: من أهل الإيمان بالله ورسله؛ ولا سيما أنه -سبحانه- آتاكم من الآيات ما فيه غنية عن غيره.
((قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا)) [المائدة: ١١٣] بدءوا بالغذاء المادي، ثم ثنوا بالغذاء الروحي فقالوا: ((وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا)) [المائدة: ١١٣], وهو مثل قول الخليل إبراهيم -عليه السلام: ((وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) [البقرة: ٢٦٠].
بقية الآية: ((وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا)) [المائدة: ١١٣]؛ أي: نزداد علمًا ويقينًا بصدقك وحقيقة رسالتك, ((وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِين))
[المائدة: ١١٣]؛ أي: المقرين المعترفين لله بالوحدانية, ولك بالنبوة والرسالة، أو نكون من الشاهدين عليها لمن لم يرها ويعاينها.
٢.٩ الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
((قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا)) [المائدة: ١١٤] العيد: يوم الفرح والسرور، ((لِأَوَّلِنَا)): لأول أمتنا، ((وَآَخِرِنَا)): آخر أمتنا أو لنا ولمن بعدنا، ((وَآيَةً مِّنكَ))؛ أي: دليلًا وحجة على قدرتك على كل شيء، وعلى إجابتك لدعوتي؛ فيصدقونني فيما أبلغه عنك, ((وَارْزُقْنَا)) أي: من عندك رزقًا هنيئًا لا كلفة فيه ولا تعب، ((وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)): وأنت خير من أعطى ورزق؛ لأنك الغني الحميد.
((قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)) [المائدة: ١٥]؛ أي: فمن يُكذِّب بها من أمتك يا عيسى ويعاندها؛ فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من عالم زمانكم، وهذا على سبيل الوعيد لهم والتهديد، وليس في الآية ما يدل على أنهم كفروا، ولا على أن غيرهم قد كفر بها، ولا على أنهم استعفوا من نزول المائدة؛ وإنما الذي دعا بعض المفسرين إلى هذه الأقوال ما سمعتَ من الروايات الإسرائيلية وما ذكرناه. وها نحن -والحمد لله- فسرنا الآيات تفسيرًا صحيحًا من غير حاجة إلى ما روي, ونقل من الإسرائيليات؛ مما يدل دلالة قاطعة على أن مفسر القرآن في غنية عن الإسرائيليات التي شوّهت جمال القرآن الكريم.