3.2 موقف العلامة الشاطبي من التفسير العلمي للقرآن.
موقف العلامة الشاطبي من التفسير العلمي للقرآن
فإذا كانت فكرة التفسير العلمي قد راجت عند بعض المتقدمين، وازدادت رواجًا عند بعض المتأخرين، فإنها لم تلق رواجًا عند بعض العلماء الأقدمين؛ كما أنها لم تلق رواجًا عند بعض المتأخرين منهم أيضًا.
الشاطبي ينكر التفسير العلمي، وكان زعيم المعارضة لفكرة التفسير العلمي في العصور المتقدمة، وهو الفقيه الأصولي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي، المتوفى سنة 790 هجرية، وهذا مما يظهر في كتابه (الموافقات) فهو يعقد بحثًا خاصًّا لمقاصد الشارع، وينوع هذه المقاصد إلى أنواع تولَّى شرْحَهَا وبيانَهَا.
يقول صاحب (التفسير والمفسرون): والذي يهمنا هنا النوع الثاني منها وهو بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للأفهام، وفي المسألة الثالثة من مسائل هذا النوع نجده يقرر: أن هذه الشريعة المباركة أمية؛ لأن أهلها كذلك، فهو أجرى على اعتبار المصالح، ثم دلَّلَ على ذلك بأمور ثلاثة لا نطيل بذكرها، ثم عقب بفصل ذكر فيه أن العرب كان لهم اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح، وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل وبينت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه.
3.2 موقف العلامة الشاطبي من التفسير العلمي للقرآن.
ثم ذكر من العلوم الصحيحة التي كان للعرب اعتناء بها علم النجوم وما يختص به من الاهتداء في البر والبحر واختلاف الأزمان، باختلاف سيرها، وما يتعلق بهذا المعنى، ثم قال: وهو معنى مقررٌ في أثناء القرآن في مواضع كثيرة، كقوله تعالى ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)) [الأنعام: 97].
وقوله تعالى ((وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون)) [النحل: 16]. وقوله ((وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) [يس 39 ، 40].
وقوله ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)) [يونس: 5]، وقوله: ((وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً)) [الإسراء: 12]، وقوله ((وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِين)) [الملك: 5]، وقوله ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج)) [البقرة: 189]، ما أشبه ذلك من الآيات.
3.2 موقف العلامة الشاطبي من التفسير العلمي للقرآن.
وذكر علم الأنواء وأوقات نزول الأمطار وإنشاء السحاب وهبوب الرياح المثيرة لها وعرض لما ورد في ذلك من القرآن مثل قوله تعالى ((هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)) [الرعد 12، 13]، وقوله: ((أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ)) [الواقعة 68، 69]، وقوله ((وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) [فاطر: 9]. وغير ذلك من الآيات.
وذكر علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية، وفي القرآن من ذلك ما هو كثير قال تعالى ((ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ)) [آل عمران: 44]. وقال تعالى ((تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا)) [هود: 49].
3.2 موقف العلامة الشاطبي من التفسير العلمي للقرآن.
وذكر علم الطب وبيَّنَ أنه كان في العرب منه شيء مبنيٌّ على تجارب الأميين لا على قواعد الأقدمين، قال: وعلى ذلك المساق جاء في الشريعة، لكن على وجه جامعٍ شافٍ، قال تعالى: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا)) [الأعراف: 31] وذكر التفنن في علم فنون البلاغة والخوض في وجوه الفصاحة والتصرف في أساليب الكلام، قال وهو أعظم ممتحناتهم فجاءهم بما أعجزهم من القرآن قال تعالى: ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)) [الإسراء: 88 ]، وذكر ضرب الأمثال، واستشهد بقوله تعالى: ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل)) [الروم: 58].
وذكر من العلوم التي عُني بها العرب وأكثرها باطلٌ أو جميعها علم العيافة والزجر والكهانة، وخط الرمل، والضرب بالحصى والطيرة، قال: فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل، ونهت عنه كالكهانة، وخط الرمل، وأقرت الفأل لا من جهة تطلب الغيب؛ فإن الكهانة والزجر كذلك، وأكثر هذه الأمور تخرص على علم الغيب من غير دليل، فجاء النبي- صلى الله عليه وسلم- بجهة من تعرف علم الغيب مما هو محض، وهو الوحي والإلهام.
3.2 موقف العلامة الشاطبي من التفسير العلمي للقرآن.
وبقي للناس من ذلك بعد موته– عليه الصلاة والسلام- جزء من النبوة، وهو الرؤية الصالحة، وهو نموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام والفراسة.
ثم بعد هذا البيان الذي أوضح فيه الشاطبي: أن الشريعة في تصحيح ما صححت، وإبطال ما أبطلت قد عرضت من ذلك إلى ما تعرفه العرب من العلوم، ولم تخرج عما ألفوه، نراه يزيد هذا البيان إسهابًا وإيضاحًا، ويتوجه باللوم إلى من أضافوا للقرآن كل علوم الأولين والآخرين، مفندًا هذا الزعم الذي اعتقده؛ أن قائليه قد تجاوزوا به الحد في دعواهُم على القرآن، وذلك حيث يقول في المسألة الرابعة من مسائل النوع الثاني من المقاصد أعني مقاصد وضع الشريعة للإفهام ما تقرر من أمية الشريعة، وأنها جارية على مذاهب أهلها، وهم العرب ينبني عليه قواعد منها أن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوة على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يُذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم كالهندسة وغيرها من الرياضيات والمنطق وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها وهذا إذا أردناه على ما تقدم لم يصح.
3.2 موقف العلامة الشاطبي من التفسير العلمي للقرآن.
ثم يصحح الشاطبي رأيه هذا ويحتج له بما عُرف عن السلف من نظرهم في القرآن، فيقول إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المُدعى، سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منهم ما يدلنا على أصل المسألة إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم وذلك دليل على أن القرآن لم يُقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا.
نعم تضمن علومًا من جنس علوم العرب أو ما ينبني على معهودها بما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، وأما أن فيه ما ليس من ذلك فلا.
وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء)) [النحل: 89]، وقوله تعالى ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء)) [الأنعام: 38]، ونحو ذلك وبفواتح السور، وهي مما لم يُعهد عند العرب، وبما نُقل عن الناس فيها، وربما حُكي من ذلك عن علي بن طالب- رضي الله عنه- وغيره أشياء.
ثم أخذ الشاطبي- رحمه الله- يفند هذه الأدلة فقال: "فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد أو المراد بالكتاب في قوله ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء)) [الأنعام: 38]: اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية.
3.2 موقف العلامة الشاطبي من التفسير العلمي للقرآن.
وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا كعدة الجمل التي عرفوها من أهل الكتاب حسبما ذكره أصحاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدَّعِ ذلك العلم أحد ممن تقدم.
فلا دليل فيها على ما ادعوا وما يُنقل عن علي أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يُضاف للقرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يُضاف علمه إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه وتقول على الله ورسوله فيه".
يقول الذهبي: "وأحسب أني قد وضعت بين يدي القارئ مقالةَ كل فريق وما يستند إليه من أدلة قد أنارت له الطريق، وأوضحت له السبيل".
هذا عن إنكار بعض العلماء للتفسير في العصر القديم، أما في العصر الحديث أيضًا لم يقف العلماء في هذا العصر موقف الإجماع على قبول هذا اللون من التفسير، بل نراهم مختلفين في قبوله، والقول به، كما كان الشأنُ بينَ مَن سبقَهُم من العلماء الأقدمين.