2.1 اهتمام بعض المعاصرين بالتفسير العلمي منهم السيد عبد ...


اهتمام السيد عبد الرحمن بالتفسير العلمي في كتابه (طبائع الاستبداد
نرى عبد الرحمن الكواكبي يأتي في بيان اشتمال القرآن على ما جد من نظريات علمية تؤيد إعجاز القرآن، فيقول: إنه لو أطلق للعلماء عنان التدقيق، وحرية الرأي والتأليف كما أطلق لأهل التأويل والخرافات؛ لرأوا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات من الإعجاز. أيضًا لرأوا فيه كل يوم آية تتجدد مع الزمان تبرهن على إعجازه بصدق فقوله تعالى: ((وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)) [الأنعام: 59] رأوا فيه برهان عيان لا مجرد تسليم وإيمان، ومثال ذلك: أن العلم كشف في هذه القرون الأخيرة حقائق، وطبائع كثيرة تعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوربا وأمريكا. والمدقق في القرآن يجد أن أكثرها ورد التصريح أو التلميح به في القرآن، منذ ثلاثة عشر قرنًا، وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخفاء، إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن، شاهدة بأنه كلام رب لا يعلم الغيب سواه.

2.1 اهتمام بعض المعاصرين بالتفسير العلمي منهم السيد عبد ...


وذلك أنهم كشفوا أن مادة الكون هي الدخان، وقد وصف القرآن بدء التكوين، فقال: ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)) [فصلت: 11]، وكشفوا أن الكائنات في حركة دائمة دائبة. والقرآن يقول: ((وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا)) [يس: 33] إلى أن يقول: ((وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) [يس: 40]، وحققوا أن الأرض منفتقة من النظام الشمسي، والقرآن يقول: ((أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)) [الأنبياء: 30]. وحققوا أن القمر منشق من الأرض، والقرآن يقول: ((أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)) [الأنبياء: 44] ويقول: ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)) [القمر: 1]. وحققوا أن طبقات الأرض سبع، والقرآن يقول: ((خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)) [الطلاق: 12]، وحققوا أنه لولا الجبال لاقتضى الثقل النوعي أن تميد الأرض، أي: ترتج في دورتها. والقرآن يقول: ((وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)) [النحل: 15]، وكشفوا أيضًا أن التغيير في التركيب الكيماوي، بل والمعنوي ناشئ عن تخالف نسبة المقادير.

2.1 اهتمام بعض المعاصرين بالتفسير العلمي منهم السيد عبد ...


والقرآن يقول: ((وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)) [الرعد: 8]، وكشفوا أن للجمادات حياة قائمة بماء البحار، والقرآن يقول: ((وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)) [الأنبياء: 30]، وحققوا أن العالم العلوي، ومنه الإنسان ترقى من الجماد، والقرآن يقول: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ)) [المؤمنون: 12]. وكشفوا ناموس اللقاح العام، والقرآن يقول: ((خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ)) [يس: 36]، ويقول: ((فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى)) [طه: 53]، ويقول ((اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)) [الحج: 5]. ويقول: ((وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)) [الرعد: 3]، طريقة إمساك الظل أي: التصوير الشمسي، والقرآن يقول: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا)) [الفرقان: 45]. وكشفوا تسيير السفن والمركبات بالبخار والكهرباء، والقرآن يقول بعد ذكره الدواب والجواب بالريح، يقول الله تعالى: ((وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ)) [يس: 42]، وكشفوا وجود الميكروب وتأثيره وغيره من المرض.

2.1 اهتمام بعض المعاصرين بالتفسير العلمي منهم السيد عبد ...


والقرآن يقول: ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ)) [الفيل: 3]، أي: متتابعة مجتمعة يقول تعالى: ((تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ)) [الفيل: 4] أي: من طين المستنقعات اليابس. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المحققة لبعض مكتشفات علم الهيئة النواميس الطبيعية، وبالقياس على ما تقدم ذكره، يقتضي أن كثيرًا من آياته سينكشف سرها في المستقبل في وقتها تجديدًا لإعجازه، ما دام الزمان وما كر.

اهتمام مصطفى صادق الرافعي
وكذلك هناك كتاب (إعجاز القرآن) لمصطفى صادق الرافعي، وهو من أنصار هذه النزعة التفسيرية، ومن المؤيدين لها، وفي هذا الكتاب نجد المؤلف- رحمه الله- يعقد بحثًا خاصًّا لموضوع القرآن والعلوم. وفيه يقرر أن القرآن بآثاره النامية معجزة أصلية في تاريخ العلم كله على بسيط هذه الأرض، من لدن ظهور الإسلام إلى ما شاء الله، ثم يستطرد إلى ذكر بعض ما نقله السيوطي في (الإتقان) والإكليلي عن العلامة المرسي في اشتمال القرآن على سائر العلوم.

2.1 اهتمام بعض المعاصرين بالتفسير العلمي منهم السيد عبد ...


وهنا نجده يعلق استخراج علم المواقيت من القرآن، فيقول: قال بعض المتأخرين: إن الميقات مشار إليه في القرآن بقوله تعالى: ((رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ)) [غافر: 15] قال: فإن عدد رفيع بحساب الجملة ثلاث مائة وستون، وهو عدد درج الليل والنهار. ثم يقول الرافعي نفسه بعد هذا: وإذا أطلق حساب في كلمات القرآن كشف منه كل عجائب العصور وتواريخها وأسرارها، ثم يقول الرافعي: ولو أن هذا خارج عن غرض امتداد لجئنا منه بأشياء كثيرة من القديم والحديث. ثم نرى الرافعي- رحمه الله- يسترسل في حديثه إلى أن يقول: "وقد استخرج بعض علمائنا من القرآن ما يشير إلى مستحدثات الاختراع، وما يحقق بعض غوامض العلوم الطبيعية، وبسطوا كل ذلك بسطًا ليس هو من غرضنا". ولعل متحققًا بهذه العلوم الحديثة لو تدبر القرآن، وأحكم النظر فيه، وكان لا تعوذه أداة الفهم، ولا يلتوي عليه أمر لاستخرج منه إشارات كثيرة تومئ إلى حقائق العلوم. ثم يقول: "وقد أشار القرآن إلى نشأة هذه العلوم، وإلى تمحيصها وغايتها على ما وصفناه آنفًا، وذلك في قوله تعالى: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [فصلت: 53]. ولو جمعت أنواع العلوم الإنسانية كلها ما خرجت في معانيها من قوله تعالى: ((فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)) ، هذه آفاق وهذه آفاق أخرى، فإن لم يكن هذا التعبير من الإعجاز الظاهر بداهة، فليس يصح في الأفهام شيء.

2.1 اهتمام بعض المعاصرين بالتفسير العلمي منهم السيد عبد ...


موقف الدكتور عبد العزيز السباعي من التفسير العلمي للقرآن
ثم نجد كتابًا آخر عنوانه (الإسلام والطب الحديث) للدكتور عبد العزيز السباعي الطبيب المعروف، هذا الكتاب يظهر فيه أن مؤلفه ينحاز إلى هذا اللون من ألوان التفسير وهو التفسير العلمي. هذا الكتاب جمع فيه مؤلفه مقالة التي نشرها في مجلة الأزهر، وفيه نجد المؤلف- رحمه الله- يقرر أن القرآن ليس بكتاب طب أو هندسة أو فلك، ولكنه يشير أحيانًا إلى سنن طبيعية، ترجع إلى هذه العلوم. كما يقرر أن كثيرًا من آيات القرآن لا يفهم شيئًا من معناها الحقيقي، إلا من درس العلوم الحديثة، كما يؤكد أن العلم الحديث كشف عن معنى بعض الآيات، وسينكشف الباقي منها كلما تقدمت العلوم، ثم يأتي وقت يقوم فيه العلماء الماديون أقرب الناس إلى الدين. وفي هذا اتهام للصحابة، ومن جاء بعدهم من سلف الأمة بأنهم لم يفهموا المعاني الحقيقية لبعض الآيات القرآنية؛ لجهلهم بهذه العلوم المستهدفة، وهذا اتهام نعيذ منه صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة- رضوان الله عليهم. ونحن إذا تتبعنا ما في هذا الكتاب لوجدنا الكثير منه لا يقصده القرآن، ولا يهدف إليه من وراء خطابه للعرب الأمي. فمثلًا نجده يعرض لقوله تعالى في الآية 22 من سورة البقرة: ((الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [البقرة: 22]. تحت عنوان: الحياة تحت ضوء القرآن.

2.1 اهتمام بعض المعاصرين بالتفسير العلمي منهم السيد عبد ...


وفيه يقول: هذه الآية الكريمة معناها والله أعلم: أن اللحوم والأسماك والألبان إلى آخره أفضل في التغذية من البقول والقمح والذرة، وليست الأفضلية في مقدار المواد الزلالية الضرورية للجسم في كل نوع؛ لأن هذا يجب ألا يكون سببًا مهمًّا للأفضلية. ثم يعقب مقارنة بين بعض الأغذية، وما فيها من نسبة المواد الزلالية، ثم يقول: وقد اهتدت أخيرًا نجمة الأبحاث بانجلترا إلى أن قيمة المواد الزلالية تختلف في نوعها، وفي المقدار منها الذي يمنع المواد الزلالية المكونة للأمزجة من أن تخترق. إن اللحوم بالنسبة للمواد الزلالية، ونوعها لها قيمة أكثر من اللبن والذرة، مثل: البيان التالي لحوم يضع تحتها عدد 104، لبن يضع تحتها عدد 100، أرز يضع تحته عدد 88، بطاطس 79, فول 70، دقيق 40, ذرة 30. ثم يقول: إن هذه النتيجة التي لخصها القرآن الشريف انظر يقول: لخصها القرآن الشريف، هذا شيء يدعو للعجب لم تظهر حقيقة ثابتة، إلا منذ سنوات قليلة، وغير هذا كثير في كتاب (الإسلام والطب الحديث). مما لا نصدق أنه مراد الله من خطابه للعرب بالقرآن، وإن كان لا يتعارض مع ما ثبت من ذلك علميًّا وتحققت صحته، هذا، وإن أعظم علماء العصر الحديث تشيعًا للنزعة التفسيرية العلمية، وأكثرهم إنتاجًا لهذا التفسير العلمي هو الشيخ طنطاوي جوهري. إذ أنه جمع كثيرًا من هذا العلم، وأطال في تفسيره الجواب الذي يقع في خمسة وعشرين جزءًا كبيرًا، والمطبوع بمصر سنة 1351 هـ، يعني في هذه المدة.