1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي
لقد ذكر عن أبي الفضل المرسي أنه قال في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علمًا حقيقة إلا المتكلم به، وهو الله سبحانه، ثم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خلا ما استأثر به سبحانه وتعالى. ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل: الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنه التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم. وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر أموره، فنوعوا علومه, وقامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها وعدد كلماته وآياته وسوره، وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة من تعرض لمعانيه، ولتدبر لما أودع فيه؛ فسموا القراء، واعتنى ابن حاتم بالمعرب منه، والمتن من الأسماء والأفعال والحروف العاملة وغيرها، وأوسع الكلام في الأسماء وتوابعها وضروب الأفعال واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات وجميع ما يتعلق به.

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


حتى إن بعضهم أعرب مُشكله، وبعضهم أعربه كلمة كلمة، واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظًا يدل على معنى واحد، ولفظًا يدل على معنيين، ولفظًا يدل على أكثر، فأجروا الأول على حكمه وأوضحوا معنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات في المعنيين والمعاني. وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضى نظره، واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة القطعية، والشواهد الأصلية والنظرية مثل قوله تعالى: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)) [الأنبياء: 22] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. فاستنبطوا منها أدلة على وحدانية الله ووجوده وبقائه وقدمه وقدرته وعلمه وتنزيهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بأصول الدين، وتأملت طائفة منهم معاني خطابه فرأت منها ما يقتضي العموم، ومنها ما يقتضي الخصوص إلى غير ذلك. فاستنبطوا منها أحكام اللغة من الحقيقي والمجاز، وتكلموا في التخصيص والإضمار والنص والظاهر والمشكل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي والنسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة. واستصحاب الحال والاستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه، وأحكمت طائفة صحيح النظر، وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام، فأسسوا أصوله وفرعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطًا حسنًا، وسموه بعلم الفروق وبالفقه أيضًا.

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة والأمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم حتى ذكروا بدء الدنيا وأول الأشياء، وسموا ذلك بالتاريخ. وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ، التي تقلقل قلوب الرجال، وتكاد تدكدك الجبال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير، وذكر الموت والمعاد، والنشر والحشر، والحساب والعقاب والجنة والنار. استنبطوا من ذلك فصولًا من المواعظ وفصولًا من الزواجر، فسموا بذلك الخطباء والوعاظ، واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، يعني تفسير الرؤيا مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن. وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا، واستنبطوا تأويل كل رؤيا من الكتاب، فإن عز عليهم إخراجها منه، فمن السنة التي هي شارحة للكتاب، فإن عز فمن الحكم والأمثال. ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم، وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: ((وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ)) [لقمان: 17]. وأخذ قول مما في آيات المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك، أخذوا علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث والربع والسدس والثمن حساب الفرائض، ومسائل العدل، واستخرجوا منه أحكام الوصايا.

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر ومنازله والبروج وغير ذلك، فاستخرجوا منه علم المواقيت. ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم، وحسن السياق، والمبادئ والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب والإطناب والإيجاز وغير ذلك، واستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع. ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة، فلاح لهم من ألفاظه معاني ودقائق جعلوا لها أعلامًا اصطلحوا عليها، مثل الفناء والبقاء والحضور والخوف والهيبة والأنس والوحشة والقبض والبسط، وما أشبه ذلك. هذه الفنون أخذتها الملة الإسلامية منه، وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل، مثل الطب والجدل والهندسة والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم، أما الطب فمداره على نظام الصحة واستحكام القوة. وذلك إنما يكون باعتبار المزاج الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ((وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)) [الفرقان: 67]، وعرفنا فيه ما يفيد نظام الصحة بعد اختلالها. وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله تعالى: ((شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)) [النحل: 69]، ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب وشفاء الصدور. وأما ففي تضاعيف سوره من الآيات، التي ذكر فيها ملكوت السماوات والأرض وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات.

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


وأما الهندسة ففي قوله تعالى: ((انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ)) [المرسلات: 30، 31]، فإن فيه قاعدة هندسية، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له. وأما الجدل فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات والنتائج، والقول بالموشك والمعارضة وغير ذلك شيئًا كثيرًا، ومناظرة إبراهيم نمرود, ومحجته قومه أصل في ذلك عظيم. وأما الجبر والمقابلة فقد قيل: إن أوائل السور فيها ذكر مُدد وأعوام وأيام التواريخ لأمم سالفة، وإن فيها بقاء هذه الأمة وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقي مضروب بعضها في بعض. وفي القرآن أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها، كالخياطة في قوله تعالى: ((وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ)) [الأعراف: 22]، والحدادة في قوله تعالى: ((آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ )) [الكهف: 96]. والبناء في آيات والنجارة في قوله تعالى: ((وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)) [هود: 37]، والغزل في قوله تعالى: ((نَقَضَتْ غَزْلَهَا)) [النحل: 92]، والنسج في قوله تعالى: ((كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا)) [العنكبوت: 41].

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


والفلاحة في قوله تعالى: ((أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ)) [الواقعة: 63]، والصيد ذكر في الآيات، وكذلك الغوص وذلك في قوله تعالى: ((وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ)) [ص: 37]، وقوله تعالى: ((وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً)) [النحل: 14]. والصياغة في قوله تعالى: ((وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)) [الأعراف: 148]، والزجاجة في قوله: ((الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ)) [النور: 35]، وقوله تعالى: ((مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ)) [النمل: 44]. والفخار في قوله تعالى: ((فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ)) [القصص: 38]، والملاحة في قوله تعالى: ((أَمَّا السَّفِينَةُ)) [الكهف: 79]، والكتابة في قوله تعالى: ((الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)) [العلق: 4] وفي آيات أخرى. والخبز في قوله تعالى: ((أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا)) [يوسف: 36]، والطبخ في قوله تعالى: ((بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)) [هود: 69]، والقصارى بعد غسل الملابس وتنظيفها في قوله تعالى: ((وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)) [المدثر: 4].

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


((قَالَ الْحَوَارِيُّونَ)) [الصف: 14] قيل: وهم القصار، وكذلك الجزارة في قوله تعالى: ((إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ)) [المائدة: 3]، والبيع والشراء في آيات، والصبغ في قوله تعالى: ((صِبْغَةَ اللَّهِ)) [البقرة: 138]، و ((جُدَدٌ بِيضٌ)) [فاطر: 27]. والحجارة في قوله تعالى: ((وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ)) [الشعراء: 149]، والكيالة والوزن في آيات كثيرة، والرمي في قوله تعالى: ((وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْتَ)) [الأنفال: 17]، بداية السقط، وفي قوله تعالى: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)) [الأنفال: 60]. وفي القرآن الكريم من أسماء الآلات، وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع ويقع في الكائنات ما يحقق معنى قوله تعالى: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام: 38]. قال السيوطي: انتهى كلام أبي الفضل المرسي ملخصًا مع زيادة. ثم عقب السيوطي قائلًا: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء، أما أنواعه فليس منها باب ولا مسألة هي أصلًا إلا وفي القرآن ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السماوات والأرض وما في الأفق الأعلى وما تحت الثرى. وإلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات، ومن هنا يُتبين كيف ظهرت آثار الثقافات العلمية للمسلمين في تفسير القرآن الكريم نهاية السقط.

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


وكيف حاول هؤلاء العلماء المتقدمون أن يجعلوا القرآن منبع العلوم كلها ما جد، وما يجد إلى يوم القيامة، هذه النزعة التفسيرية العلمية للقرآن الكريم تمتد من عهد النهضة العلمية العباسية إلى يومنا هذا. وفي بداية الأمر كانت عبارة عن محاولات يقصد منها التوفيق بين القرآن، وما جد من العلوم، ثم وجدت الفكرة مركزة وصريحة على لسان الغزالي وابن العربي والمرسي والسيوطي، وهذه الفكرة قد طبقت علميًّا. وظهرت في مثل محاولات الفخر الرازي ضمن تفسيره للقرآن، ثم وجدت بعد ذلك كتب مستقلة لاستخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم. وراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجًا كبيرًا بين جماعة من أهل العلم، ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع، كما ألفت بعض التفاسير التي تسير على ضوء هذه الفكرة.

بعض النماذج لمؤلفات التفسير العلمي في العصر
هؤلاء هم المؤيدون للتفسير العلمي، وأرى من المستحسن أن نذكر بعض النماذج لمؤلفات التفسير العلمي في العصر الحديث، وهذه هي النقطة أو العنصر التي نأتي إليه، وهو اللون العلمي للتفسير في عصرنا الحاضر.

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


إن هذا اللون من التفسير أعني التفسير العلمي، الذي يرمي إلى جعل القرآن مشتملًا على سائر العلوم ما جد منها، وما يجد قد استشرى أمره في هذا العصر الحديث، وراج لدى بعض المثقفين الذين لهم عناية بالعلوم، وعناية بالقرآن الكريم. وكان من أثر هذه النزعة التفسيرية، التي تسلطت على قلوب أصحابها أن أخرج لنا المشغوفون بها كثيرًا من الكتب، يحاول أصحابها فيها أن يحملوا القرآن كل علوم الأرض والسماء، وأن يجعلوه دالًّا عليه بطريق التصريح أو التلميح. اعتقادًا منهم أن هذا بيان لناحية من أهم نواحي صدقه وإعجازه، وصلاحيته للبقاء. ومن أهم هذه التي ظهرت فيها هذه النزعة التفسيرية: كتاب (كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية، والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية) للإمام الفاضل. يعني كتاب اسمه (الجواهر المعدنية) للإمام الفاضل والطبيب البارع، محمد بن أحمد الإسكندراني من علماء القرن الثالث عشر الهجري، وهو كتاب كبير الحجم يقع في ثلاثة مجلدات، ومطبوع بالمطبعة الوهبية بمصر سنة 1297 هجرية، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية. ورسالة عبد الله باشا فكري في مقارنة بعض مباحث الهيئة بالوارد في النصوص الشرعية، وقد طبعت بالقاهرة سنة 1315 هجرية، وهناك كتاب آخر اسمه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) لرجل الإصلاح الإسلامي، السيد عبد الرحمن الكواكبي.

1.2 قول أبي الفضل المرسي وأبي بكر بن العربي في الإعجاز العلمي.


هو عبارة عن مجموعة مقالات له، نشرها في بعض الصحف عندما زار مصر سنة 1318 هجرية، وقد طبع هذا الكتاب وأبهم اسم مؤلفه، ورمز له الرحالة . هذا الكتاب (طبائع الاستبداد) للسيد عبد الرحمن الكواكبي، نريد أن نبين أهم الملامح، وأهم مناهج هذا المؤلف في بيانه لهذا التفسير العلمي، فنجده ينحاز انحيازًا بليغًا إلى هذا اللون من ألوان التفسير، ويصف القرآن بأنه شمس العلوم، وكنز الحكم. ويقرر بأن السبب في إحجام العلماء عن تفسير بيان ما يشتمل عليه القرآن من العلوم المختلفة هو أنهم كانوا يخافون مخالفة رأي بعض السلف القاصرين في العلم، فيكفرون فيقتلون. وهذه مسألة إعجاز القرآن، وهي أهم مسألة في الدين لم يقدروا أن يوفوها حقها من البحث، واقتصروا على ما قاله بعض السلف: أن الإعجاز في فصاحته وبلاغته وإخباره عن أن الروم من بعد غلبهم سيغلبون.