1.1 معنى التفسير العلمي وممن توسع في هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به.


معنى التفسير العلمي
هو التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن الكريم، يعني مثلًا مصطلح علمي مثلًا تناقض ضغط الجو والأكسجين، كلما ارتفعنا فوق في الفضاء يأتي التفسير العلمي. ويأتي على الآية التي تقول: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)) [الأنعام: 125]. فيأتي بهذه المصطلحات العلمية، ويحاول أن يفسر بها عبارات القرآن الكريم، ويجتهد الذي يفسر القرآن تفسيرًا علميًّا في استخراج مختلف العلوم.

التوسع في هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به
لقد اتسع القول في احتواء القرآن كل العلوم ما كان منها وما يكون، فالقرآن في نظر أصحاب هذه الطريقة يشمل جانب العلوم الدينية الاعتقادية والعملية، وسائر علوم الدنيا على اختلاف أنواعها، وتعدد ألوانها. وممن توسعوا في التفسير العلمي الإمام الغزالي؛ فقد كان في عهده أكثر من استوفى بيان هذا القول في تفسير القرآن الكريم، وأهم من أيده وعمل على ترويجه في الأوساط العلمية الإسلامية على رغم ما قرر فيها من قواعد فهم عبارات القرآن الكريم. وكتاب (إحياء علوم الدين) ينقل فيه عن بعض العلماء أن القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم، إذ كل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع.

1.1 معنى التفسير العلمي وممن توسع في هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به.


ثم يروي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن، ثم يقول بعد ذلك كله: وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله- عز وجل-وصفاته. وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها وفي القرآن إشارة إلى مجامعها، ثم يزيد على ذلك فيقول بل كل ما أشكل فهمه على القرآن، واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات في القرآن، إليه رمز ودلالات عليه. يختص أهل الفهم بدركها، ثم لو تصفحنا كتاب الغزالي (جواهر القرآن)، الذي ألفه بعد (إحياء علوم الدين)، فنجده يزيد هذا الذي قرره في الإحياء بيانًا وتفصيلًا، فيعقد الفصل الرابع منه لكيفية تشعب العلوم الدينية كلها، وما يتصل بها من القرآن عن تقسيمات وتفصيلات تولاها. ونكتفي بأن نقول: إن الغزالي قسم علوم القرآن إلى قسمين:
الأول: علم القشر يعني السطحيات، وجعل من مشتملاته علم اللغة وعلم النحو وعلم القراءات وعلم مخارج الحروف وعلم التفسير.
والقسم الثاني: علم اللغات وجعل من مشتملاته علم قصص الأولين، وعلم الكلام وعلم الفقه وعلم أصول الفقه والعلم بالله واليوم الآخر والعلم بالصراط المستقيم وطريق السنة، ثم بعد ذلك يعقد الفصل الخامس من كتابه (جواهر القرآن) لكيفية تشعب سائر العلوم من القرآن الكريم.

1.1 معنى التفسير العلمي وممن توسع في هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به.


فيذكر علم الطب والنجوم، وهيئة العالم، وهيئة أجسام الحيوان وتشريح أعضائه، وعلم السحر وغير ذلك، ثم يقول: ووراء ما عددته علومًا أخرى يعلم تراجمها ولا يخل العالم عمن يعرفها. ثم بعد ذلك يقول: ولا حاجة لي إلى ذكرها بل أقول: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة، التي لا يتمارى فيها أن في الإمكان والقوة أصنافًا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود، وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها. وعلوم كانت قد خرجت من الوجود واندرست، فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها. وعلوم أخر ليس في قوة البشر أصلًا إدراكها والإحاطة بها، ويحظى بها بعض الملائكة المقربين، فإن الإمكان في حق الآدمي محدود، والإمكان في حق الملك محدود إلى غاية من النقصان، وإنما الله- سبحانه- هو الذي لا يتناهى العلم في حقه. ثم يقول بعد ذلك: ثم هذه العلوم ما عددناه وما لم نعدده ليست أوائلها خارجة من القرآن، فإن جميعها مقترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحر الأفعال, يقول: وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له، وأن البحر لو كان مدادًا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد.

1.1 معنى التفسير العلمي وممن توسع في هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به.


فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال مثلًا الشفاء والمرض، كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ((وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)) [الشعراء:80]، وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله. إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته، ومعرفة الشفاء وأسبابه، ومن أفعاله تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان، وقد قال الله تعالى: ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)) [الرحمن: 5]. وقال تعالى: ((وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)) [يونس: 5]، وقال تعالى: ((وَخَسَفَ الْقَمَرُ)) [القيامة: 8] ((وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)) [القيامة: 9]، وقال تعالى: ((يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ)) [الحج: 61]. وقال تعالى: ((وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)) [يس: 38]، ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان وخسوفهما وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر إلا من عرف هيهات تركيب السماوات والأرض. وهو علم برأسه ولا يعرف كمال معنى قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ*فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)) [الانفطار: 8]، إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرًا وباطنًا وعددها وألونها وحكمتها ومنافعها.

1.1 معنى التفسير العلمي وممن توسع في هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به.


وقد أشار في القرآن مجامع علم الأولين والآخرين، وكذلك لا يعرف معنى قوله تعالى: ((سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)) [الحجر: 29] ما لم يعلم التسمية والنفخ والروح، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق، وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالم بها. يقول الغزالي: ولو ذهبت أفصل ما تدل عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لقامت، ولا يمكن الإشارة إلا إلى مجامعها، فتفكر في القرآن والتمس فرائده لتصادف فيه مجامع علم الأولين والآخرين. بهذا نعرف أن الغزالي كان من المكثرين في القول بالتفسير العلمي، ومن المؤيدين له. بعد ذلك نذهب إلى إمام آخر نحا منحى الغزالي في القول بالتفسير العلمي وهو الجلال السيوطي، فنجده يقرر ذلك بوضوح وتوسع في كتابه (الإتقان) في النوع الخامس والستين منه. كما يقرر ذلك أيضًا بمثل هذا الوضوح والتوسع في كتابه (الإكليل في استنباط التنزيل)، ونجده يسوق من الآيات والأحاديث والآثار ما يستدل به على أن القرآن مشتمل على كل العلوم. فمن الآيات نجد قول الله تعالى في الآية 38 من سورة الأنعام: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام: 38]، وقوله في الآية 89 من سورة النحل: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ)) [النحل: 89].

1.1 معنى التفسير العلمي وممن توسع في هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به.


ومن الأحاديث التي ساقها، ويستدل بها على أن القرآن مشتبه على كل العلوم: ما أخرجه الترمذي وغيره أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ((ستكون فتن, قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم, وخبر ما بعدكم, وحكم ما بينكم)) . وكذلك أيضًا ما أخرجه أبو الشيب عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لو أغفل شيئًا لأغفل الذرة والخردل والبعوضة)) ، ومن الآثار ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين. وما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: أنزل الله في القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء، لكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن. ثم نجد السيوطي بعد أن يسوق هذه الأدلة وغيرها، يذكر لنا عن بعض العلماء أنه استنبط أن عمر النبي- صلى الله عليه وسلم- ثلاث وستون سنة، من قوله تعالى في الآية الحادية عشرة من سورة "المنافقون": ((وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)) [المنافقون: 11]. فإنها رأس ثلاث وستين سورة وعقبها، أي: ذكر بعدها سورة التغابن؛ ليظهر التغابن في فقد النبي صلى الله عليه وسلم.