٢.١١ الرأي الصائب في التفسير وضابط التفسير المذموم


الرأي الصائب في التفسير
يجدر بنا أن نعرّف الرأي، وأن نذكر الرأي الصائب في التفسير، الرأي: هو ما يكون بعد فكر وتأمل، وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات، هذا هو الرأي على وجه العموم؛ سواء أكان صوابًا أم خطأً، والرأي الصائب هو ما كان مبناه على علم أو غلبة ظن؛ بحيث إنه يجري على موافقة معهود العرب في لسانها وأساليبها في الخطاب، مع مراعاة الكتاب والسنة وما أُثر عن السلف، هذا هو الرأي الصائب؛ لأنه كما هو معلوم أن الرأي المذموم مبني على جهل وهوى، إلى غير ذلك.
ولُقب الرأي هنا بالصائب يعني من جهة خلفيته وما يستند عليه، وهذا هو الفهم الذي يختص الله به من يشاء من عباده، وهذا النوع من الرأي قال به الصحابة والتابعون، وعملوا به، ولذلك يقول الإمام الخليفة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في الكلالة: إني قد رأيت في الكلالة رأيًا؛ فإن كان صوابًا فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله منه بريء، الكلالة: ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر رحمة الله عليه قال: إني لأستحيي من الله -تبارك وتعالى- أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، في لفظ: أقول فيها برأيي فإن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، الشاهد في مقولة أبي بكر وما نهجه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد ذلك أنَّ الرأي قد يكون صوابًا وأخذ به الصحابة، ثم أخذ به التابعون بعد ذلك، وعملوا به.

٢.١١ الرأي الصائب في التفسير وضابط التفسير المذموم


نحن نقول: الرأي إما بنقل ثابت أو رأي صائب وما سوى ذلك فباطل؛ لأنَّ الرأي الصائب مبني على علم وغلبة ظن، يوافق أصول القرآن والسنة، يوافق ما أثر عن السلف، يوافق معهود العرب في لسانها وأساليبها في الخطاب؛ لأنَّ الرأي الفاسد رأيٌ مذموم، وهو رأي جاءت الآثار عن السلف لتحذر منه، والرأي المذموم هو الذي يخالف الأصول المتفق على ثباتها في التفسير، فهو لا يتفق مع الأدلة الشرعية، لا يتفق مع نصوص القرآن والسنة، ولا يتفق مع قواعد الشريعة في البيان والأحكام، ولا يتفق مع قوانين اللغة العربية في لسانّها وأساليبها في الخطاب، ولا يتفق مع مقاصد الشريعة، وإنما يأتي صاحبه -يعني صاحب الرأي المذموم هذا- يأتي فيفسر القرآن بمجرد خاطر يخطر له، دون أن يستند إلى نظر من الشرع أو قواعد العربية، ودون أن يستند إلى ما لا بد منه في التفسير من معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وما نقل عن الصحابة -رضي الله عنهم، وفهم النص في ضوء اللغة، مع عدم الإحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير، وقد يأتي هذا المخالف فيقتصر على بعض الأدلة دون بعض؛ لأنَّه لا يعلم غريب القرآن وأساليبه البيانية من إضمار وحذف وتقديم وتأخير، ولا يعلم طرق دلالة الألفاظ على المعاني، ولا يعلم العام والخاص والمطلق والمقيد، إلى غير ذلك من الأمور التي لا بد من مراعاتها في التفسير، هذا الذي يفسر التفسير المذموم قد يدفعه دافع مثل النزعات المذهبية والتعسف في التأويل، فيتأول القرآن على وفق رأيه ومذهبه؛ فيلوي أعناق النصوص ليدلل بها على صحة مذهبه أو نحلته، أو يتجهم بالرأي ويجترئ على تفسير ما لا يدرك علمه إلا بنص من الرسول -صلى الله عليه وسلم- والله تعالى قال: ((فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)) [آل عمران: ٧].


٢.١١ الرأي الصائب في التفسير وضابط التفسير المذموم


ضابط التفسير المذموم
وقد ذكر الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في مقدمته في أصول التفسير ذكر كلامًا طيبًا، يمكن أن يجعل ضابطًا يعرف به التفسير المذموم، ذكر الشيخ ابن تيمية ما خلاصته: أن يكون المفسر معتقدًا اعتقادًا معينًا، ثم يحمل ألفاظ القرآن على معتقده، فهذا يكون قد راعى المعنى الذي رآه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، وهؤلاء على أحد مسلكين؛ تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وأحيانًا يحملونه على ما لم يدل عليه، وفي كلا الحالين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وهؤلاء كبعض أهل البدع الذين اعتقدوا مذاهب باطلة ثم عمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، فهم تارة يستدلون بآيات من القرآن على مذهبهم، وهي لا تدل على زعمهم، وتارة يتأولون النصوص المخالفة لمذهبهم، فيحرّفون الكلم عن مواضعه، وهذا يكثر وقوعه في الغالب في بعض الطوائف كالرافضة والقدرية والخوارج والباطنية، إلى غير ذلك من الفرق والنحل التي تحاول أن تلوي عنق النص من أجل أن تستدل على شيء في مذاهبها، وهذا كله باطل وتعسف في التأويل وتحريف للكلم عن مواضعه.
ونحن ذكرنا أنَّ الخطأ هنا يكون في الدليل والمدلول معًا، ومن أمثلة ذلك ما زعمه بعض الرافضة من أن المراد بالجبت والطاغوت أبو بكر وعمر، هذا كلام باطل لا يستحق أن يرد عليه، أو ما زعموه من أن المراد بالبقرة في قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)) [البقرة: ٦٧] قالوا: عائشة، هذا كلام باطل وخطأ في الدليل والمدلول وهو تفسير مذموم، لا يمكن بحال من الأحوال أن يفسر به كلام الله -عز وجل- إنما هو تحريف للكلم عن مواضعه، وذهاب بالمعنى إلى أمورٍ لا يمكن أن يكون المراد بها ذلك أبدًا.

٢.١١ الرأي الصائب في التفسير وضابط التفسير المذموم


استدلال المعتزلة أيضًا بقوله تعالى: ((اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) [الرعد: ١٦] على أنَّ القرآن مخلوق أو على قضية خلق القرآن، استدلال بعض المتصوفة بقوله تعالى: ((ارْكُضْ بِرِجْلِكَ)) [ص: ٤٢] على جواز الرقص، استدلال بعض الجهلة في قوله تعالى: ((فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)) [النساء: ٣] على جواز نكاح الرجل تسع نساء حرائر؛ لأنه جمع ٢ + ٣ + ٤= ٩، استدلال بعضهم بقوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)) [المائدة: ٣] على إباحة جلد الخنزير وشحمه.
هذه الأمثلة اشتركت في أمرين؛ الأول: فساد القول الذي أريد تقريره، الثاني: انعدام دلالة النصوص السابقة على ما ذكر، فالغلط هنا غلط مركب، والجهل هنا جهل مركب من هذين الأمر، فالخطأ هنا كما ذكرنا في الدليل والمدلول معًا، وقد يكون الخطأ في الدليل دون المدلول، ومن ذلك ما قام به بعض الصوفية من تفسير قوله تعالى: ((فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) [الروم: ٥٠] قالوا: أي أن القلوب تحيا بالذكر، فهذه القضية التي ذكروها وهي حياة القلوب بالذكر قضية صحيحة، والله تعالى: ((أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)) [الرعد: ٢٨]، لكن الآية السابقة على هذه الآية التي في سورة الروم لا تدل عليها، وإنما داخلهم الغلط باستدلالهم بتلك الآية على غير موضعها، هم هنا يفسرون الآية بعيدًا عن السياق، هم يذكرون قضية صحيحة لكن في سياق آخر مختلف، ولذلك الخطأ هنا كما قلنا خطأ في الدليل دون المدلول، المدلول صحيح لكن أتوا به في سياق آخر تمامًا.

٢.١١ الرأي الصائب في التفسير وضابط التفسير المذموم


ومن ذلك أيضًا، ما ذهب إليه بعض الصوفية في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ((إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)) [البقرة: ٢٤٩] يقول بعض الصوفية: هذه الآية مثلٌ ضربه الله للدنيا، فشبهها الله بالنهر، والشارب منه هو المائل إليها، والمستكثر منها، وأما التارك لشربه فهو المنحرف عنها والزاهد فيها، وأن المغترف بيده هو الآخذ منها على قدر حاجته، قالوا: فأحوال الثلاثة عند الله مختلفة، ولا يخفى أنَّ الآية لا تمتّ إلى ما ذكروه بصلة، وإنما هم يحاولون لي عنق النصوص من أجل أن يذكروا شيئًا يخدم مذهبهم واتجاههم، قد يقولون كلامًا صحيحًا في ظاهره، لكن هذا الكلام لا يوجد له أصل في السياق وفي التركيب، يعني هم يأتون بمدلول في سياق مختلف تمامًا.
أيضًا، مما ينبغي أن نذكره هنا في التفسير بالمذموم، هؤلاء الذين فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزّل عليه والمخاطب به، وأسباب النزول وملابساته، وما إلى ذلك من الأمور الضرورية للمفسر، فهؤلاء نظروا إلى مجرد الألفاظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به، وإلى سياق الكلام.
نحن ذكرنا قبل ذلك أنه يجب أن نفهم النص القرآني في ضوء معرفة أسباب النزول، في ضوء معرفة دلالة الألفاظ، دلالة التراكيب، دلالة السياق، إلى غير ذلك من الأمور، التي يجب أن نكون فاقهين لها وعالمين بها قبل أن نُقدِم على تفسير القرآن الكريم.

٢.١١ الرأي الصائب في التفسير وضابط التفسير المذموم


أما أن يأتي الإنسان ويقوم بتفسير القرآن دون معرفة بلغة العرب ولا بالسياق ولا بأسباب النزول ولا بالتفسير بالمأثور، فلا يجوز له ذلك؛ لأنه فقد الأدوات التي لا بد من معرفتها قبل أن يُقدم على التفسير.
ومثال ما نظر فيه إلى اللفظ مع إغفال دلالة السياق وأسباب النزول: ما جاء في قوله تعالى في سورة الأنفال: ((وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ)) [الأنفال: ١١] يقول الإمام ابن جرير -رحمه الله: وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة أن مجاز قوله: ويثبت به الأقدام، والمعنى: ويفرغ عليهم الصبر وينزلهم عليهم فيثبتون لعدوّهم، قال ابن جرير: وذلك قول خلاف لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين، والمعنى هنا يُغفِل دلالة السياق وأسباب النزول، إلى غير ذلك من الأمور.
والذي دفع هذا إلى الوقوع في هذا الخطأ أنه لم يفقه السياق، ولم يفقه أسباب النزول.
إذن، التفسير بالرأي كما قلنا ينقسم إلى قسمين؛ رأي صائب: يعتمد على نصوص الشريعة ومقاصد الشريعة ومعرفة اللغة، ورأي مذموم: يغفل الأبجديات المنهجية اللازمة لفهم التفسير القرآني.