١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


الأمر الأول

لا يجوز أن يحمل كلام الله -عز وجل- على مجرد الاحتمال النحوي أو اللغوي.
ما معنى هذا؟ معناه أنه لا يجوز في كلام الله أن يفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام أخطأ فيه من توجه إليه، فهؤلاء يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة، ويُفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله كتاب الله -عز وجل.
ويمثل لذلك بقول بعض هؤلاء في قراءة من قرأ: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) [النساء: ١] هناك من قرأ "والأرحام" بالجر على أنه قسم، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى في سورة البقرة: ((وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ))
[البقرة: ٢١٧]، أن المسجد مجرور بالعطف على الضمر المجرور في به، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ((لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)) [النساء: ١٦٢]: ...

١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


... أن المقيمين مجرور بواو القسم، ونظائر ذلك كثيرة، ونقول لهؤلاء: إن للقرآن الكريم عُرفًا خاصًّا ومعاني معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عُرفه والمعهود من معانيه، فإنَّ نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ، بل أعظم، فكما أن ألفاظه أجلّ الألفاظ وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها فكذلك معانيه أجلّ المعاني وأعظمها وأفصحها وأفخمها، وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي.
فلنتدبر هذه القاعدة ولنكن منها على بال، وقد اعتبر الإمام ابن القيم -رحمه الله- هذا الأمر أهم أصول التفسير، فقال في كتابه (بدائع الفوائد): فهذا أصلٌ من أصوله، بل هو أهم أصوله.

الأمر الثاني

ينبغي أن تجتنب التقادير البعيدة والمجازات المعقدة عند تفسير القرآن الكريم باللغة والإعراب:

١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


ففي تفسير قوله تعالى: ((إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)) [الأعراف: ٥٦] ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- مسالك الناس في إعرابها، فقال: ومن ذلك المسلك الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كأنه قال: إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين، أو لطفٌ قريب، ثم ضعف ابن القيم هذا المسلك من ثلاثة أوجه؛ الثاني منها هو قوله: إن الشيء أعم المعلومات، فإنه يشمل الواجب والممكن، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فصيحًا بليغًا فضلًا عن أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأي فصاحة في قول القائل في حائض وطامث وطالق: شيء حائض، وشيء طامث، وشيء طالق، وهو لو صرّح بهذا لاستهجنه السامع، فكيف يقدر في الكلام، مع أنه لا يتضمن فائدة أصلًا، إذ كونه شيئًا أمر معلوم، لا يدل على مدح ولا ذم، ولا كمال ولا نقصان.

الأمر الثالث

معرفة تصريف اللفظة وإرجاعها إلى أصلها يعين في بيان المعنى الراجح من الأقوال، ورد المرجوح:

١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


هذا الأمر يتعلق بمعرفة تصريف اللفظة وإرجاعها إلى أصلها، حتى نعرف معناها بوضوح، فقوله تعالى: ((وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)) [الجن: ١٥] يجب أن نرجع في تفسير كلمة القاسطون الواردة إلى أصلها اللغوي، قاسط: اسم فاعل، واسم فاعل من الثلاثي قسط، والقاسط هو الجائر والظالم، وأما قوله تعالى: ((وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الحجرات: ٩] فإن المقسط: اسم فاعل من أقسط من الرباعي، والهمزة التي دخلت على قسط غيّرت المعنى، فإذا كان قسط الثلاثي بمعنى ظلم وجار، فإن أقسط الرباعي الذي زيدت فيه الهمزة بمعنى عدَل، فالمعنى تغير وتبدّل بسبب همزة الإزالة، التي دخلت على الثلاثي فغيّرت معناه، وعلى المفسر أن يكون عالمًا بهذا الأصل، عليه أن يعرف تصريف اللفظة، وأن يعرف كيف يرجعها إلى أصلها؛ ليتضح له المعنى بوضوح، وقد أدى الجهل بهذا الجانب بأقوام إلى ركوب أغلاط شنيعة في التفسير، فمن ذلك ما نجده في تفسير بعضهم لقوله تعالى: ((يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)) [الإسراء: ٧١] يفسرها هؤلاء بأن إمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، مع أن كلمة أم لا يمكن أن تجمع على إمام أبدًا، فالجهل بتصريف اللفظة وإرجاعها إلى أصلها يجعل الإنسان يقع في خطأ شنيع لا يجوز له أن يقع فيه، ومن هؤلاء الذين غلطوا وابتعدوا عن الصواب من فسّر غوى في قوله تعالى: ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)) [طه: ١٢١] بأنه تخمَ من أكل الشجرة، وهذا قول فاسد؛ لأن غوى على وزن فعل، وهي ليست غوي الذي هو على زن فَعِلَ، تقول العرب: غوي الفصيل يغوي إذا بشم من شرب اللبن.

١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


ومنهم من قال في قوله تعالى في سورة الأعراف: ((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ)) [الأعراف: ١٧٩] أي ألقينا فيها، ومنهم من قال في قوله تعالى: ((وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)) [النساء: ١٢٥] قال: الخليل هنا بمعنى الفقير، فخليلا أي فقيرا إلى رحمته، من الخلة بفتح الخاء، محتجين على ذلك بقول زهير:
وإن أتاه خليلٌ يوم مسألة أو يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم
إذن، نخلص من هذا إلى أن هناك من أخطأ خطأً فاحشًا عندما لم يلتفت إلى الأصل التصريفي للكلمة، ولم ينتبه إليه.

الأمر الرابع

أنه لا يجوز تحريف معاني القرآن من أجل المحافظة على قاعدة نحوية:

١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


ولذلك يقول الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره: وقد يقدر بعض النحاة ما يقتضيه علم النحو، لكن يمنع منه أدلة شرعية، فيترك ذلك التقدير ويقدر آخر يليق بالشرع، قال تعالى مخبرًا عن قول عيسى -عليه السلام- في سورة المائدة: ((إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ))
[المائدة: ١١٦] فهذا شرطٌ دخل على ماضي اللفظ وهو ماضي المعنى قطعًا؛ لأن المسيح إما أن يكون صدر هذا الكلام منه بعد رفعه إلى السماء، أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة، وعلى التقديرين: فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي، ولذلك غلط من قال: إن هذا القول وقع منه في الدنيا قبل رفعه، والتقدير: إن أكن أقول هذا فإنك تعلمه، وهذا تحريف للآية؛ لأن هذا الجواب إنما صدر منه بعد سؤال الله له عن ذلك، والله لم يسأله وهو بين أظهر قومه، ولا اتخذوه وأمه إلهين من دون الله إلا بعد رفعه بعدد من السنوات، فلا يجوز تحريف كلام الله انتصارًا لقاعدة نحوية، أو كما يقول ابن القيم -رحمه الله- في (بدائع الفوائد): هدم مائة من أمثالها أسهل من تحريف معنى الآية.
إذن، نخلص من هذا إلى أنه لا يجوز تحريف معاني القرآن من أجل المحافظة على قاعدة نحوية.


١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


الأمر الخامس

علينا أن نتجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة:
نحن نعلم أنَّ القرآن الكريم نزل بالأفصح من لغة قريش، ولذلك القرآن لا يُعمل فيه إلا على ما هو منتشر ودائر على ألسنة فصحاء العرب دون الشاذ والنادر، ونحن قد ذكرنا ذلك في اللقاء السابق، وبهذا يتبين غلط جماعة من المعرِبين حين جعلوا من العطف على الجوار قوله تعالى: "وأرجلِكم" في قراءة الجر، وإنما ذلك ضرورة، فلا يُحمل عليه الفصيح، ولأنه إنما يُصار إلى العطف على الجوار إذا أُمِن اللبس، أما الآية هنا فمحتملة، ولأنه إنما يجيء مع عدم حرف العطف وهو ههنا موجود -الواو موجودة- وأيضًا فنحن في غنى عن ذلك، كما قال سيبويه: إنَّ العرب يقرب عندها المسح من الغسل؛ لأنّهما أساس الماء، فلما تقاربا في المعنى حصل العطف، كقوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا، ومهما أمكن المشاركة في المعنى حسن العطف، وإلا امتنع، فظهر أنه ليس على المجاورة، بل على الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر.
إذن، طالما أنَّ القرآن نزل بالأفصح من لغة قريش فعلينا أن نتجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة.


١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


الأمر السادس

ينبغي تجنب الأعاريب التي هي بخلاف الظاهر، والتي تنافي نظم الكلام.
إنَّ أهل البدع أكثروا من الوقوع في هذا الأمر بسبب تعصبهم المذهبي، فحمّلوا نصوص القرآن ما لا تحتمل، وركبوا الصعب من أجل حمل نصوص القرآن على معانٍ تؤيد باطلهم، وحدث ذلك كما ذكرنا بسبب فساد التأويل، ويجب علينا أن ننقي التفسير من الإسرائيليات ومن التأويلات الفاسدة والشطحات التي أدت بسبب التعصب المذهبي إلى تحميل نصوص القرآن ما لا تحتمل، فهؤلاء جوّز بعضهم أن يكون قوله تعالى في سورة الحشر: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) [الحشر: ٨] جوّزوا أن يكون قوله: للفقراء، بدلًا من قوله تعالى في الآية التي قبلها: ((وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ))، مع أن الفصل بينهما كبير، وإنما دفع المذهب الفقهي والتعصب للمذهب، دفع من قال بهذا الكلام حتى يقوي رأيه القائل بأن ذوي القربى لا يستحقون الفيء لقرابتهم، وإنما لفقرهم إن كانوا فقراء.


١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


أيضًا، كان بعض غلاة الصوفية يفسر قوله تعالى في سورة البقرة: ((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)) [البقرة: ٢٥٥] يفسر ذلك بمعنى بعيد عن مراد الله تعالى؛ حيث زعم ذلك القائل أن معناه: "من ذل ذي" من ذل: أي من الذل، وأن ذي من الذي يقصد بها النفس، وأن قوله: يشفع كان يقسمها هكذا: يشف، جواب مَن، مِن الشفا، وأن قوله: "عُ" المأخوذ من كلمة يشفع، فعل أمر من الوعي، طبعًا هذا هراء وتعسف لا يجوز، وتسطيح للمعاني وتحريف واضح، يعني كلام غلط ولا يستحق أن يرد عليه.
أيضًا، ذكر الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله- أقوال المفسرين في قوله تعالى في سورة يوسف: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)) [يوسف: ٢٤] بعد أن ذكر ابن جرير -رحمه الله- أقوال المفسرين في هذه الآية أعقب ذلك بذكر أقوالٍ أشار إلى بعدها ومخالفتها لأقوال السلف، وهي مثلًا: أنَّ المرأة همت بيوسف وهم بها يوسف أن يضربها، أو ينالها بمكروه لِهمها به مما أرادته من المكروه، لولا أنَّ يوسف رأى برهان وكفه ذلك عما هم به من أذاها، لا أنها ارتدعت من قبل نفسها، وأيضًا ذكر ابن جرير قولًا آخر من الأقوال البعيدة والمخالفة لأقوال السلف وهي أنَّ المعنى: ولقد همت بها فتناهى الخبر عنها، ثم ابتدئ الخبر عن يوسف فقيل: وهم بها يوسف لولا أن رأى برهان ربه، فكأنهم وجهوا معنى الكلام إلى أن يوسف لم يهم بها، وأن الله إنما أخبر أن يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهم بها، ولكنه رأى برهان ربه فلم يهم بها.


١.١١ من الأمور التي لا بد من مراعاتها عند التفسير باللغة، والإعراب


قال ابن جرير -رحمه الله- معقبًا على هذين القولين: ويفسد هذان القولان أنَّ العرب لا تقدم جواب لولا قبلها، لا تقول: لقد قمت لولا زيد، وهي تريد لولا زيد لقد قمت، هذا مع خلافها جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين عنهم يؤخذ تأويله.
نخلص من هذا كله، إلى أنه ينبغي أن نتجنب الأعاريب التي هي خلاف الظاهر والمنافية لنظم الكلام.

الأمر السابع
ما كل ما جاز في العربية جاز في القرآن، فلا يجوز فيه الكذب والهجاء المقزز والهزل، ونحو ذلك مما يقع فيه كلام العرب شعرًا أو نثرًا.
عندما كنا نتحدث عن طرائق التفسير في الدروس الأولى التي ذكرناها قلنا: إن المراد بطريقة التفسير الطرق والمناهج التي تتبع للوصول إلى معاني التنزيل، وذلك كتفسير القرآن بالقرآن، أو تفسير القرآن بالسنة، أو تفسير القرآن بأقوال الصحابة، أو تفسير القرآن بأقوال التابعين، أو تفسير القرآن بلغة العرب، ذكرنا أنَّ القاعدة تقول: إنَّ التفسير إما بنقل ثابت، وإما برأي صائب، وما سواهما باطل، وقلنا: إن التفسير المعتبر من حيث الأصل إما بنقلٍ ثابت من القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة أو أقوال التابعين أو اللغة، أو رأي صائب، وما سواهما فباطل.