٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
 |
ما جاء عن التابوت في سورة البقرة في قوله تعالى: ((تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ)) [البقرة: ٢٤٨] قال بعض المفسرين: أي أن الملائكة تسوق الدواب التي تحملها، وقال آخرون: تحمله الملائكة بين السماء والأرض حتى تضعه بين أظهرهم، يقول الإمام ابن جرير الطبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: حملت التابوت الملائكة حتى وضعته لها في دار طالوت قائمًا بين أظهر بني إسرائيل، وذلك أنَّ الله -تعالى ذكره- قال: ((تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ)) [البقرة: ٢٤٨] ولم يقل: تأتي به الملائكة، وما جرته البقر على عجل وإن كانت الملائكة سائقتها فهي غير حاملته؛ لأنَّ الحمل المعروف هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزًا في اللغة حمله بمعنى أنه أعان الحامل وبأن حمله كان عن سببه؛ فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه في تعارف الناس إياه بينهم. وعلى هذا، يكون توجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات أولى من توجيهه إلى الأنكر ما وجد إلى ذلك سبيل. |
|
 |
ما جاء في سورة آل عمران في قوله تعالى: ((وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)) [آل عمران: ٢٧] قال بعض المفسرين: إنَّ الله تعالى يخرج الشيء الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحي، وقال آخرون: يخرج النخلة نم النواة والنواة من النخل، والسنبل من الحب والحب من السنبل، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، إلى غير ذلك، وقال آخرون: يخرج المؤمن من الكافر والعكس، يقول الطبري بعد أن رجح القول الآخر: هو أن المعنى يخرج الشيء الحي من النطفة الميتة ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحي، يقول: ... |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
|
... وأما تأويل من تأوله بمعنى الحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة والبيضة من الدجاج والدجاج من البيضة والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن؛ فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم فليس ذلك الأغلب والظاهر في استعمال الناس في الكلام، وتوجيه معاني كتاب الله -عز وجل- إلى الظاهر المستعمل في الناس أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال. |
|
 |
ما جاء في تفسير قول الله -تبارك وتعالى- في سورة آل عمران: ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) [آل عمران: ٢٨] قال بعض المفسرين: أي إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتظهروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بالفعل، وذهب آخرون -ومنهم قتادة- إلى أن المعنى: إلا أن يكون بينك وبينه قرابة، فتصله لذلك، يقول ابن جرير الطبري: وهذا الذي قاله قتادة تأويل له وجه، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية؛ إلا أن تتقوا من الكافرين تقاة، فالأغلب من معاني هذا الكلام: إلا أن تخافوا منهم مخافة، فالتقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم. |
|
|
 |
ووجّه قتادة إلى أن تأويله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة، فتصلون رحمها وليس ذلك الغالب على معنى الكلام، والتأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم. |
إذن، نخلص من هذا إلى أن هذه القاعدة مهمة جدًّا وهي قاعدة: أنه يجب أن يراعى المعنى الأغلب والأشهر والأفصح، ولا يراعى المعنى الشاذ أو القليل أو النادر.
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
 |
قول الله -تبارك وتعالى- في سورة العاديات: ((أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ)) [العاديات: ٩-١١] فالمعنى يقتضي أنَّ العامل في "إذا" هو قوله خبير، فهو خبير بهم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، لكن الإعراب يمنع من ذلك؛ لأنَّ ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها، فاقتضى هذا الأمر أن يقدر لما قبل إن عامل آخر، إذن، نقول: يتمسك بصحة المعنى ويؤول لصحته الإعراب. |
وهنا نقول: قد يقع في كلام المفسرين يقولون: هذا تفسير معنى وهذا تفسير إعراب، والفرق بينهما أن تفسير الإعراب يلاحظ الصنعة النحوية، وتفسير المعنى لا تضره مخالفة ذلك، كما ذكر الزركشي في (البرهان) والسيوطي في (الإتقان).
القاعدة الثالثة
 |
هي: تحمل نصوص الكتاب على معهود الأميين في الخطاب. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
|
 |
وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله: لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين في الخطاب وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثمّ عرف فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا نعرفه، وهذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأسانيد؛ فمن ذلك مثلًا: أن العرب كانت تلقي الكلام بعيدًا عن التكلف والتصنع، ولذلك إذا اشتغل الشاعر العربي بالتلقيح اختلفوا في الأخذ عنه، وقد كان الأصمعي يعيب الحطيئة، واعتذر عن ذلك بأن قال: وجدتُ شعره كله جيدًا، فدلني على أنه كان يصنعه، وليس هكذا الشاعر المطبوع، إنما الشاعر المطبوع الذي يرمي الكلام على عواهله، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يستقيم للمتكلم في معاني القرآن أن يتكلف فيها فوق ما يسعه لسان العرب، وإنما تكون عنايته بما كانت العرب تعتني به. |
|
|
 |
وقد نقل ولي الله الدهلوي عن بعض الحكماء قوله: من يوم أن بدأ المفسرون يشقون الشعرة في التأويل والتوجيه أصبح علم التفسير غريبًا قليل الوجود، وهذا منقول في كتابه (الفوز الكبير في أصول التفسير). |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
|
 |
ويقول الشاطبي: إنما يصح في مسلك الإفهام والفهم ما يكون عامًّا لجميع العرب، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني، فإن الناس في الفهم وتَأَتِّي التكليف فيه ليسوا على وِزَان واحد ولا متقارب، إلا أنَّهم يتقاربون في الأمور الكلية وما والاها، وعلى ذلك جرت مصالحهم في الدنيا، ولم يكونوا بحيث يتعمقون في كلامهم ولا في أعمالهم إلا بمقدار ما لا يخل بمقاصدهم، اللهم إلا أن يقصدوا أمرا خاصًّا لأناس خاصة، فذاك كالكنايات الغامضة والرموز البعيدة التي تخفى عن الجمهور ولا تخفى عمن قصد بها وإلا كان خارجًا عن حكم معهودها، فكذلك يلزم أن ينزّل فهم الكتاب والسنة؛ بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف، واشتركت فيه اللغات حتى تفهمه قبائل العرب، ويقول أيضًا الإمام الشاطبي: ينبغي أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها. |
|
|
 |
كما أنه يُراعى أيضًا عند تقرير وبيان الآيات الدالة على العقائد والأحكام يراعى الأسلوب السهل والبعد عن الدخول في المضايق الصعبة والعبارات المعقدة؛ لأن هذه الأمور تخالف مقاصد القرآن وتخالف منهج القرآن، إن القرآن نزل لإصلاح البشرية، ولتهذيب الخلق عربهم وعجمهم حاضرهم وباديهم، ولذلك نجد أن القرآن حينما يذكِّر الناس بآلاء الله لا يذكرهم إلا بما تتسع له عقولهم، وتحيط به مداركهم دون الخوض في تفصيلات دقيقة وتحقيقات نادرة. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
 |
وأيضًا من الأمور التي تبنى على ما سبق: ألا يتكلم على معاني القرآن، ولا يستنبط منه إلا من كان عربيًّا أو كالعربي في كونه عارفًا بلسان العرب بالغًا فيه مبالغ العرب في فهمها ومعرفتها للعربية، وما دخل كثير من البدع على المسلمين إلا عن طريق العجمة؛ ولهذا يقول الحسن البصري -رحمه الله- عن أهل البدع: أهلكتهم العجمة، ويقول الإمام الشافعي -رحمه الله: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب ولميلهم إلى لسان أرسطاطاليس. |
|
|
 |
يقول الإمام السيوطي معلقًا على هذا الكلام في كتابه (صون المنطق والكلام): وأشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفي الرؤية وغير ذلك من البدع، وأن سببها الجهل بلسان العرب الجاري عليه نصوص القرآن والسنة، وتخريج ما ورد فيهما على لسان اليونان ومنطق أرسطاطاليس الذي هو في حيز ولسان العرب في حيز، ولم ينزل القرآن إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال، لا على مصطلح اليونان، ولكل قوم لغة واصطلاح، فمن عدل عن لسان الشرع إلى لسان غيره وخرج الوارد من نصوص الشرع عليه- جهل وضل، ولم يصب القصد، فإن كان في الفروع نسب إلى الخطأ وإن كان في الأصول نُسب إلى البدع. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
 |
ومن الأمور المهمة أيضًا في هذا الصدد: أن من تعرّض للخوض في التفسير ولم يكن متأهلًا لمعرفة كلام العرب ووجوه مخاطباتهم- إن وافق الصواب من حيث لا يعرف كانت موافقته للصواب غير محمودة؛ لأنه لم يكن قاصدًا الصواب، وإنما جاءت من قبيل التوافق وليس من قبيل القصد، فهو ذكر الكلام وأتى الكلام موافقًا للصواب من غير أن يقصد، فهي رمية من غير رام، وهو بخطئه هذا غير معذور؛ لأنه تعمد أن يتكلم فيما لا يُحسن وفيما لا يُتقن. |
القاعدة الرابعة
 |
هي: كل معنى مستنبط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء. |
 |
هذه قاعدة عظيمة، مبناها أن القرآن نزل على لغة العرب، وعليه فإنه يسلك في فهمه واستنباط المعاني منه مسلك العرب في فهمهم واستنباطهم. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
 |
وهذه القاعدة مترتبة على القاعدة السابقة وناتجة عنها، وبها تبطل تفسيرات الملاحدة والزنادقة للقرآن، كما تبطل العقائد الكلامية المخالفة لعقيدة السلف، والتي تكلف أربابها تحريف النصوص كي تكون موافقة لباطنهم، مثل تأويلات الباطنية والتفسيرات الإشارية، بالإضافة إلى بعض أصحاب الهوس الفقهي، الذين كانوا متعصّبين لمذاهبهم، فأدى بهم هذا إلى أن حرّفوا وأولوا، كما تبطل هذه القاعدة تلك التكهنات المبنية على حساب الجمّل والتي يعلقها أهلها بالحروف المقطعة، كما تأتي هذه القاعدة على تكلفات غريبة تذكر في أسرار الرسم العثماني، إلى غير ذلك من الإفك المتراكم والزور الذي يدعي أهله أنه من العلوم الصحيحة التي دل عليها القرآن الكريم. |
 |
ولنأخذ نماذج لكل نوع من أنواع ذلك الباطن: |
|
 |
فمن نماذج عبث بعض الملاحدة ما ادعاه من لا خلاق له من أنه مسمى في القرآن، كبيان بن سمعان رأس الطائفة البيانية وهو بيان بن سمعان النهدي؛ زعم أنه المراد بقوله تعالى: ((هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ)) [آل عمران: ١٣٨] والآخر كان يكنى بأبي منصور ويسمى بالكسف، ثم زعم أنه هو المراد بقوله تعالى: ((وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا)) [الطور: ٤٤]، وأيضًا كان لعبيد الله الشيعي الملقب بالمهدي حين ملك إفريقية، كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره، أسمى أحدهما بنصر الله والآخر بالفتح، فكان يقول لهما: أنتما اللذان ذكركما الله في كتابه فقال: ((إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح))، هذا كله من الشطحات الباطنية التي تخالف مذهب أهل السنة والجماعة. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
 |
ومن نماذج الشطحات الفقهية التي يزعم قائلها أنه أخذها من القرآن ما ادعاه بعضهم من جواز تزوج الرجل بتسع نسوة حرائر، مستدلًا على ذلك بقوله تعالى: ((فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)) [النساء: ٣]، فقال: ٢ + ٣ + ٤ = ٩، ومن ذلك أيضًا ما زعمه بعضهم بحل شحم الخنزير، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)) [المائدة: ٣] قال: المحرم هنا هو اللحم، أما الشحم فليس محرمًا، نرد عليه بأن اللحم إذا أطلق في اللغة فإنه يشمل الشحم. |
|
 |
ومن نماذج من قام بلي أعناق النصوص لتوافق عقيدة معينة ما قام به بعض المتكلمين، من الذين ينفون صفة المحبة عن الله تعالى، فقال في تفسير قول الله -تبارك وتعالى- في سورة النساء: ((وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)) [النساء: ١٢٥] قال: هو بمعنى فقيرًا إلى رحمته، ولا يخفى الفرق بين الخُلة والخَلة، وما حرّف به بعض المعتزلة في تفاسيرهم قوله تعالى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) [النساء: ١٦٤] قالوا: معناه جرّحه بمخالب الحكمة، فلله كم جنت العجمة على أربابها، يعني هو لا يفسر كلم ليس من الكلام وإنما من التجريح، جرحه بمخالب الحكمة؛ من أجل أن يأتي التفسير موافقًا لعقيدته، فهو هنا يلوي عنق النص. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
 |
ومن ذلك أيضًا النماذج الكثيرة لتفسيرات الشيعة الباطنية، فقد فسروا كثيرًا من الألفاظ الشرعية الواردة في القرآن بتفسيرات هي أبعد ما تكون عن مراد الله -عز وجل-، فالجنابة بمعنى مبادرة المستجيب بإفشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، والغسل عندهم بمعنى تجديد العهد على من فعل ذلك، والتيمم بالأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي أو الإمام، والصيام بالإمساك عن كشف السر، والكعبة بالنبي والباب بعلي والصفا بالنبي والمروة بعلي، وغير ذلك مما هو موجود في تفسيرات الشيعة الباطنية، التي تخالف مذهب أهل السنة والجماعة، وهي أبعد ما تكون عن مراد الله -عز وجل. |
|
 |
وأيضًا التفسيرات الإشارية، يعني هناك تفسيرات إشارية باطلة؛ من ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: ((فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا)) [البقرة: ٢٢] قالوا: المراد النفس الأمارة بالسوء.
تفسيرهم لقوله تعالى: ((وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)) [البقرة: ٣٥] الخطاب هنا موجه لآدم وحواء، يقولون: لم يرد معنى الأكل حقيقة وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غير الله -عز وجل-، هذه تفسيرات إشارية باطلة؛ لأنها خارجة عما هو مذكور في في القرآن أو السنة، أو معرفة قواعد اللغة العربية.
|
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
 |
وأيضًا هناك تكهنات من البعض حول ما يسمى بحساب الجمّل، هذا النوع من الحساب من العلوم المنسوبة لليهود، وقد تكلف بعض الناس فجعل الحروف المقطعة الواردة في فواتح بعض السور دل على مدة بقاء هذه الأمة، يعني يأتي للحروف المقطعة الواردة في فواتح السور "الم المر ص ق ن" إلى غير ذلك، ويعطي لها أرقامًا معينة يفسرها بهذه الأرقام، قال الشاطبي في (الموافقات): وهو قول يفتقر إلى أن العرب كانت تعهد في استعمالها الحروف المقطعة أن تدل بها على أعدادها، وربما لا يوجد مثل هذا لها البتة، وإنما كان أصله عند اليهود. |
|
 |
ومن هذه الشطحات أيضًا ما ادّعاه البعض من ادعاءات باطلة موسومة بأسرار الرسم العثماني؛ يعني في قوله تعالى في سورة النمل: ((لَأَذْبَحَنَّهُ)) [النمل: ٢١] علل بعضهم زيادة الألف في أول الكلمة وفي سورة التوبة: ((وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ)) [التوبة: ٤٧] علل بعضهم زيادة الألف أيضًا في أول الكلمة قالوا: زيدت الألف في الرسم العثماني تنبيهًا على أنَّ المؤخر أشد في الوجود من المقدم عليه لفظًا، فالذبح أشد من العذاب والإيضاع أشد إفسادًا من زيادة الخبال، وفي قوله: ((وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)) [يوسف: ٨٧] عللوا زيادة الألف بأن الصبر وانتظار الفرج أخف من الإياس، وفي قوله تعالى: ((سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ)) [العلق: ١٨] قالوا: حذفت الواو من ندعو؛ لأن فيها سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش. |
|
 |
إذن، هذه نماذج من الادعاءات الباطلة الموسومة بأسرار الرسم العثماني، وليس لها دليل معتبر من القرآن أو السنة. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
 |
من خلال النماذج السابقة ظهر لنا كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله تعالى وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والصحابة -رضوان الله عليهم- بُرآء من ذلك؛ لأنَّهم عرب خلّص، لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم، ثم جاء من أتى بعدهم ممن ليس بعربي اللسان تكلّف ذلك حتى علمه، وحينئذ داخل القوم في فهم الشريعة وتنزيلها على ما ينبغي فيها، كسلمان الفارسي وغيره، فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية إن أراد أن يكون من أهل الاجتهاد فهو إن شاء الله داخل في سوادهم الأعظم كائن على ما كانوا عليه، طالما أنه يُنزّل فهمه على ما ينبغي، فهو يفهم كتاب الله وسنة رسوله وفق القواعد المقررة في ألفاظ العربية ومعاني العربية وأساليب العربية. |
القاعدة الخامسة
 |
هي: لا يجوز حمل ألفاظ الكتاب على اصطلاح حادث. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
 |
والمقصود أن بعض الألفاظ الواردة في القرآن ذات دلالة على معنى تعارف عليه أهل العصر الذي نزل فيه القرآن، ثم تعارف الناس بعد ذلك العصر على معنى آخر، صار هو مدلول تلك اللفظة عندهم، فلا يسوغ لواحدٍ من هؤلاء أو من غيرهم أن يحمل تلك اللفظة القرآنية على المعنى الذي وُجد عند المتأخرين، وإنما تفسّر بما كان متعارفًا لدى الجيل الأول الذي نزل عليه القرآن، ولذلك جاء في تفسير (المنار): إنَّ كثيرًا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعانٍ، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد، من ذلك لفظ "التأويل" فقد اشتهر بمعنى التفسير مطلقًا أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعانٍ أخرى، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)) [الأعراف: ٥٣] فما هذا التأويل؟ يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة؛ ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب، فكثيرًا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى، فعلى المدقق المفسر لكتاب الله أن يفسّر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر النزول. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
 |
ومن أمثلة ذلك -كما قلنا- لفظة التأويل، معناها عند السلف: التفسير والعاقبة والمآل، وعند المتأخرين صرف اللفظ من معناه الراجح إلى معنى مرجوح بقرينة، فإذا أردنا تفسير هذا اللفظ في كتاب الله فإننا نحملها على معانيها المعروفة لدى السلف، وهكذا بعض الألفاظ، نحو الحكمة؛ حيث إن معناها عند السلف مغاير تمامًا للمعنى المعارف عليه عند بعض المتأخرين، فهي عند السلف: وضع الشيء في موضعه، وعند بعض المتأخرين: بمعنى الفلسفة مثلًا، ومن ذلك لفظ المدينة والقرية؛ حيث إنّهما في القرآن بمعنى واحد، بينما تعارف المتأخرون على أنَّ المدينة هي البلدة ذات العمران الواسع، فإن كانت صغيرة فهي القرية، ومن ذلك لفظ الصدقة فهي في لغة القرآن وما تعارف عليه السلف تشمل الزكاة الواجبة وصدقة التطوع، بينما بعض المتأخرين تطلق الصدقة على ما كان من قبيل التطوع، وكذلك لفظ الفرض فهو في اصطلاح المتأخرين بمعنى الواجب، وعند آخرين يطلق على نوع منه، وهو ما ثبت بدليل قطعي، وهو في القرآن يأتي بمعنى البيان والإنزال وبمعنى الحل، ومن ذلك لفظ الولي فهو في القرآن وعند السلف بمعنى الناصر والموالي، وأولياء الله هم أنصار دينه من أهل الإيمان، أما عند المتأخرين فقد اصطلح بعضهم على أن الولي صنف من الناس تظهر على أيديهم الكرامات والخوارق، وهذا المعنى لم يكن متعارفًا عند الصحابة. |
 |
نخلص بهذا كله إلى أن هذه القاعدة مهمّة جدًّا وهي: لا يجوز حمل ألفاظ الكتاب على اصطلاح حادث، وإنما علينا أن نرجع إلى اللغة التي كان عليها، أو التي كان يفهمها الصحابة ويعلمونها وقت نزول الوحي. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
قاعدة أخرى
 |
من القواعد المتعلقة أيضًا بتفسير القرآن باللغة قاعدة تقول: القرآن عربي، فيُسلك به في الاستنباط والاستدلال مسلك العرب في تقرير معانيها. |
 |
وهي مرتبطة بالقاعدة السابقة التي ذكرناها: تحمل نصوص الكتاب على معهود الأميين في الخطاب، وقاعدة: القرآن عربي فيسلك به في الاستنباط والاستدلال مسلك العرب في تقرير معانيها تُعنى بموضوع الأخص من موضوع قاعدة: تحمل نصوص الكتاب على معهود الأميين في الخطاب. |
|
 |
فالقاعدة التي تقول: تحمل نصوص الكتاب على معهود الأميين في الخطاب، تدور حول ضرورة التعامل مع النصوص تعاملًا يبعد عن التكليف، بتحميل النصوص ما لا تحتمل، وتنزيلها على طرائق في الفهم لا عهد للعرب بها، فيحصل بسبب ذلك الانحراف والبعد عن الصواب. |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
 |
أما قاعدة: القرآن عربي فيسلك به في الاستنباط والاستدلال مسلك العرب في تقرير معانيها، فالمقصود منها أن يكون المفسر ذا دراية بأوضاع الكلام العربي وخصائصه؛ حيث إن العرب تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه الخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، وبالظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، كما تسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والعكس إلى غير ذلك مما هو معروف في اللغة، فمن غفل عن ذلك وأخذ أدلة القرآن على مجرد ما يعطيه العقل فيها دون مراعاة لأوضاع اللغة زلّ فهمه وجانب الصواب. |
|
 |
ومن الأمثلة التي تدل على ضرورة أن نفهم القرآن وأن نفهم الاستنباطات والاستدلالات مسلك العرب في تقرير معانيها: |
|
|
 |
ما جاء في تفسير قوله تعالى: ((قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا)) [البقرة: ٦٩] فقوله: صفراء فاقع لونها، مما اختلف فيه المفسرون؛ البعض قال: سوداء شديدة السواد، البعض قال: صفراء القرن والظلف، قال ابن جرير الطبري: وأحسب أن الذي قال في قوله صفراء، يعني به سوداء ذهب إلى قولهم في نعت الإبل السود: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء يعني سوداء، وإنما قيل ذلك في الإبل؛ لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، وذلك إن وصفت الإبل به فليس مما توصف به البقرة، مع أن العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد إذا وصفته بالشدة بالحلوكة، يقولون: هو أسود حالك وحانك وحلكوك، وأسود غربيب، ولا يقولون: هو أسود فاقع، وإنما يقولون: هو أصفر فاقع، فوصفه إياه بالفقوع من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله: ... |
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
|
|
... ((إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ)) بأن معناه سوداء شديدة السواد. فالإمام الطبري هنا يرفض هذا التأويل على اعتبار أنه لم يجرِ على تقريرات العرب وعلى مسلك العرب في الاستباط والاستدلال. |
|
|
 |
ما جاء في تفسير قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)) [الأحقاف: ١٥] اختلف المفسرون في مبلغ حمل الأشد من السنين: طائفة تقول: ثلاث وثلاثون سنة، طائفة تقول: بلوغ الحلم، يقول الطبري: وقد بينا فيما مضى الأشد، وأنه تناهي قوته واستوائه، وإذا كان ذلك كذلك كان الثلاث والثلاثون به أشبه من الحلم؛ لأنَّ الإنسان لا يبلغ في حال حلمه كمال قواه ونهاية شدته، فإنَّ العرب إذا ذكرت مثل هذا من الكلام فعطفت ببعض على بعض جعلت كلا الوقتين قريبًا أحدهما من صاحبه، كما قال تعالى: ((إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ)) [المزمل: ٢٠] ولا تكاد تقول: أنا أعلم أنك تقوم قريبًا من ساعة من الليل وكله، ولا أخذت قليلًا من مال أو كله، ولكن تقول: أخذت عامة مالي أو كله، فكذلك ذلك في قوله: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)) [الأحقاف: ١٥]. |
تلكم كانت أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن.
٢.١٠ أهم القواعد المتعلقة بتفسير القرآن باللغة
|
|
 |
ما جاء في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) [البقرة: ١٩٦]، فقد يتوهم البعض أن هذا الأمر بالإتمام عدم وجوب أصل الحج؛ لأنه لم يذكره هنا، فيقال: إنما أمر بالإتمام دون أصل الحج؛ لأنّهم كانوا قبل الإسلام آخذين به، لكن على تغيير بعض الشعائر ونقص جملة منه، فالوقوف بعرفة وأشباه ذلك مما غيروا فجاء الأمر بالإتمام لذلك، طبعًا هذا كلام لا يجوز؛ لأن أصل الحج مستفاد من قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) [آل عمران: ٩٧]. |