١.١٠ المراد باللغة، وتعليل الرجوع إليها في التفسير


المراد باللغة وتعليل الرجوع إليها في التفسير
إن اللغة العربية يراد بها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم؛ سواء حصلت تلك المعرفة بالسجية والسليقة؛ كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم، أم حصلت بالتلقي والتعلم، كالمعرفة الحاصلة لطائفة المولّدين الذين شافهوا بقية العرب ودارسوهم، والذين درسوا علوم اللسان ودونوها، ولما كان القرآن الكريم كلامًا عربيًّا كانت قواعد العربية طريقًا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط ويقع سوء الفهم لمن ليس عربيًّا بالسليقة، ويعنى بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي، وهي متن اللغة والتصريف والنحو والمعاني والبيان، ومن وراء ذلك استعمالات العرب في كلامها ووجوه مخاطباتها، هذا ولعلمَي البيان والمعاني مزيد اختصاص بعلم التفسير؛ لأننا عندما نتحدث عن الخصائص البلاغية فإننا نعرّج على علمي المعاني والبيان، وعندما نتحدث عمّا تشتمل عليه الآيات من تفاصيل المعاني وإظهار وجه الإعجاز فإننا نعود أيضًا إلى علمَي البيان والمعاني، ولذلك يقول السكاكي وهو أحد البلاغيين: وفيما ذكرنا ما ينبه على أنَّ الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى مفتقر إلى هذين العلمين "المعاني والبيان"، فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راج، وقال في موضع آخر: لا أعلم في باب التفسير بعد علوم الأصول أقرأ على المرء لمراد الله من كلامه من علمي المعاني والبيان، ولا أعون على تعاطي تأويل متشابهاته، ولا أنفع في درك لطائفه ونكته وأسراره، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه، ولكم آية من آيات القرآن تراها قد ضيمت حقها، واستلب رونقها أن وقعت إلى من ليسوا من أهل هذا العلم، فأخذوا بها في مآخذ مردودة وحملوها على محامل غير مقصودة، هذا وقد شدد السلف النكير على من تجرأ على التفسير دون أن يكون عالمًا باللغة العربية.

١.١٠ المراد باللغة، وتعليل الرجوع إليها في التفسير


لذلك يقول مجاهد بن جبر المفسر الكبير وهو تابعي جليل يقول: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغة العرب، ويقول الإمام مالك: لا أوتى برجل يفسّر كتاب الله غير عالم بالعربية إلا جعلته نكالًا.
لقد درج الصحابة -رضوان الله عليهم- في فهم كثير من معاني القرآن على ما عرفوه من لغتهم التي نزل بها القرآن، ووجوه مخاطباتها، ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُنكر عليهم ذلك التعويل على اللغة، كما كانوا يستدلون أحيانًا على تقرير المعنى بشيء من أشعار العرب، وعلى هذا السبيل جرى التابعون وأتباعهم دون نكير، يقول ابن عباس -رضي الله عنهما: "إنَّ التفسير على أربعة أوجه: وجهٌ تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله"، ولا يخفى أن اللغة لها مدخل في الأنواع الثلاثة الأول، فاللغة لها مدخل في الوجه الذي تعرفه العرب من كلامها، ولها مدخل في التفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته، ولها مدخل في التفسير الذي يعلمه العلماء.