٢.٩ بعض القواعد المتعلقة بتفسير السلف
القاعدة الأولى
إذا اختلف السلف في تفسير الآية على قولين، لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث يخرج عن قولهم.
 |
يعني: أنَّ السلف إذا اختلفوا في معنى الآية على قولين أو أكثر فإنَّ هذا بمثابة الإجماع منهم على بطلان ما خرج عن أقوالهم، ومعنى ذلك: أن تجويز القول الزائد مع إمكان ترجيحه يؤدي إلى أن الأمة بمجموعها أخطأت في معنى الآية، ولم تعرف الصواب فيها، وهذا ممتنع؛ لأن فيه نسبة الأمة إلى الغفلة عن الحق وتضييعه، كما أن فيه أيضًا القول بخلو العصر عن قائم لله بحجته؛ ولذلك قيل: إذا تأول أهل الإجماع الآية بتأويل ونصوا على فساد ما عداه- لم يجز إحداث تأويل سواه وإن لم ينصوا على ذلك، فقال بعضهم: يجوز إحداث تأويل ثانٍ إذا لم يكن فيه إبطال للأول، وقال بعضهم: لا يجوز ذلك كما لا يجوز إحداث مذهب ثالث، وهذا هو الذي عليه الجمهور. |
 |
جاء في (المسودة): وقد نص أحمد على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج عن أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا له أن يخرج من أقاويلهم، هذا قول خبيث قول أهل البدع لا ينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا، وقال أبو الخطاب: فأما إذا تأولت الأمة الآية بتأويل فنظرنا فإن نصوا على فساد ما عداه لم يجز إحداث تأويل سواه، وإن لم ينصوا على ذلك فهل يجوز إحداث تأويل ثانٍ؟ يقول البعض: يجوز؛ لأنَّ التابعين أحدثوا تأويلات لم يذكرها السلف ولم يُنكر عليهم أحد، ولأنه ليس في إحداث تأويل ثانٍ مخالفة لهم؛ لأنَّهم لم ينصوا على إبطاله ولا في تأويلهم الأول إبطال للثاني، وقال بعضهم: لا يجوز ذلك كما لا يجوز إحداث مذهب ثالث، ولأنه لو كان فيها تأويل آخر لكلفوا طلبه كالأول. |
٢.٩ بعض القواعد المتعلقة بتفسير السلف
 |
يقول الشيخ ابن تيمية: وأعظم غلطًا من هؤلاء وهؤلاء من لا يكون قصده معرفة مراد الله، بل قصده تأويل الآية بما يدفع خصمه عن الاحتجاج بها، وهؤلاء يقعون في أنواع من التحريف، ولهذا جوّز من جوّز منهم أن تتأول الآية بخلاف تأويل السلف، وقالوا: إذا اختلف الناس في تفسير الآية على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين، وهذا خطأ فإنَّهم إذا أجمعوا على أن المراد بالآية إما هذا وإما هذا، كان القول بأنَّ المراد غير هذين القولين، خلافًا لإجماعهم، ولكن هذه طريق من يقصد الدفع لا يقصد معرفة المراد، وإلا فكيف يجوز أن تضل الأمة عن فهم القرآن ويفهمون منه غير المراد. |
 |
وقال الشيخ ابن تيمية أيضًا في معرض حديثه عن أهل البدع: ولهذا قال كثيرٌ منهم وسمى طائفة: إنَّ الأمة إذا اختلفت في تأويل الآي على قولين؛ جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين، فجوّزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وأن يكون الله أنزل الآية وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون، ولكن قالوا: إنّ الله أراد معنى آخر وهم لما تصوروا هذه المقالة لم يقولوا هذا، فإنَّ أصلها أنَّ الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يقولون قولين كلاهما خطأ، والصواب القول الثالث الذي لم يقولوه، لكن قد اعتادوا أن يتأولوا ما خالفهم والتأويل عندهم مقصوده بيان احتمال في لفظ الآية، بجواز أن يراد ذلك المعنى بذلك اللفظ، ولم يستشعروا أنَّ المتأول هو مبين لمراد الله، وكذلك إذا قالوا: يجوز أن يراد بها هذا المعنى، والأمة قبلهم لم يقولوا أريد بها إلا هذا أو هذا؛ فقد جوّزوا أن يكون ما أراده الله لم يُخبر به الأمة، وأخبرت أن مراده غير ما أرادت، ... |
٢.٩ بعض القواعد المتعلقة بتفسير السلف
|
... لكن الذي قاله هؤلاء يتمشى إذا كان التأويل أنه يجوز أن يراد هذا المعنى من غير حكم بأنه مراد، وتكون الأمة قبلهم كلها كانت جاهلة بمراد الله ضالة عن معرفته، وانقرض عصر الصحابة والتابعين وهم لم يعلموا معنى الآية. انتهى كلام الشيخ ابن تيمية. |
أما إذا اختلفوا على قولين وجاء من بعدهم فأحدث تفصيلًا في المسألة نُظر؛ فإن كان هذا التفصيل خارقًا لإجماع الأمة فإنه مردود، وأما إن لم يكن خارقًا للإجماع فإنه يُقبل والله أعلم، وهذه القاعدة جديرة بالعناية، وبها يعلم بطلان كثير من التفسير الذي لا يلتزم بالقواعد المقررة.
القاعدة الثانية
 |
فهم السلف للقرآن حجة يحتكم إليه لا عليه، هذه قاعدة مهمة جدّا من قواعد تفسير التابعين: لما كان السلف أبر قلبًا وأكثر علمًا وأحسن فهمًا، إضافة إلى ما تشرفوا به، فالصحابة -رضوان الله عليهم- تشرفوا بصحبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتلقي منه مع ما شاهدوا من التنزيل، ولذلك كان لتفسيرهم من المزية ما ليس لتفسير غيرهم، فالناس مهما اختلفوا في التفسير فإنَّ كلامهم يوزن بكلام السلف وتفسيرهم؛ إذ إنَّ السلف أعلم الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم- بمعاني كتاب الله وباللغة التي أنزل بها، فالذي يخالفهم إن اعتمد على نقل في اللغة فإنَّهم أعلم الناس بها، فلا بد أن يكون المأخوذ عنه مفضولًا، وهذا استبدال للذي هو أدنى بالذي هو خير.
والخلاصة: أن التفسير إذا اعتمده السلف لا يُحاكم إلى قول من هو دونهم أو يحاكم إلى قواعد اللغة والأصول.
|
الخلاصة: أن القاعدة التي تقول فهم السلف للقرآن حجة يحتكم إليه لا عليه قاعدة مقررة وقاعدة مهمة، لكننا نزيد عليها أيضًا بأن هذه القاعدة تكون متعلقة بما صحّ عن السلف -رضوان الله عليهم؛ لأنَّ الروايات الضعيفة والمكذوبة لا يُعتد بها.
٢.٩ بعض القواعد المتعلقة بتفسير السلف
 |
أما الإمام أبو حيان الأندلسي صاحب تفسير (البحر المحيط) فقال: والذي أختاره أنَّ يوسف -عليه السلام- لم يقع منه همٌّ بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، إلى أن قال: وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنَّها أقوال متناقضة يناقض بعضها بعضًا، مع كونها قادحة في بعض فُسّاق المسلمين؛ يعني: إذا كانت هذه الأقوال تقدح في بعض فُسّاق المسلمين فما بالنا بالمقطوع لهم بالعصمة وهم أنبياء الله ورسله؟! |
|
 |
والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنَّهم قدّروا جواب لولا محذوفًا، ولا يدل عليه دليل؛ لأنَّهم لم يقدروا
"لهمّ بها"، ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا
يحذف الشيء لغير دليل عليه، ثم يقول الإمام أبو حيان في تفسيره: وقد طهرنا كتابنا هذا عن نقل ما كُتب في التفسير مما
لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب. |
|
 |
وهذا الكلام من أبي حيان -رحمه الله- ضد ما تقرر في القاعدة؛ لأنَّ القاعدة عندنا تقول: فهم السلف للقرآن حجة يحتكم إليه لا عليه، ولعل منشأ هذا الغلط الذي وقع فيه أبو حيان أنه ظن أن الهمّ المضاف إلى يوسف هو عين الهم المضاف إلى امرأة العزيز، وهذا غير صحيح، بل التحقيق أن هناك فرقًا بيَّن الهمين كما قال الإمام أحمد -رحمه الله: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار؛ فيوسف -عليه السلام- همَّ همًّا تركه لله فأثيب عليه، أما امرأة العزيز فقد همّت همَّ إصرار، ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها وإن لم يحصل لها المطلوب. |
٢.٩ بعض القواعد المتعلقة بتفسير السلف
بقيت هناك أمور ينبغي مراعاتها عند النظر في تفسير السلف وهي أمور مهمة جدّا:
 |
الأمر الأول: غالب ما نُقل عن السلف من الاختلاف في التفسير هو من باب اختلاف التنوع، وليس اختلاف التضاد؛ يعني نجد للآية أكثر من تفسير، والآية تحتمل كل هذه التفسيرات، وهذا غالب ما نقل عن السلف من الاختلاف في التفسير، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ما خلاصته: الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف التنوع لا إلى اختلاف التضاد، وذلك صنفان: |
|
 |
الصنف الأول: أن يعبّر كل منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كما قيل في اسم السيف الصارم والمهند، ومثال ذلك: تفسيرهم للصراط المستقيم، نجد البعض يفسر قوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الفاتحة: ٦] يفسر الصراط المستقيم بالقرآن، البعض يفسره بالإسلام، البعض يفسره بطاعة الله ورسوله، البعض يفسره بعبادة الله وحده، هؤلاء أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كلّ بصفة من صفاتها، هذا اختلاف تنوع، أي: أن كل هذه المعاني مرادة، والآية تحتمل كل هذه المعاني، وهذه المعاني تندرج تحت تفسير الآية، فالصراط المستقيم القرآن والإسلام والطريق إلى الله -سبحانه وتعالى- وعبادة الله تعالى وطاعة الله ورسوله، إلى غير ذلك. |
٢.٩ بعض القواعد المتعلقة بتفسير السلف
|
 |
الصنف الثاني: أن يذكر كلّ منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثال ذلك: ما جاء في تفسير قول الله -تبارك وتعالى- في سورة فاطر: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)) [فاطر: ٣٢] فالظالم لنفسه يتناول؛ المضيّع للواجبات، والمنتهك للمحرمات، والمقتصد يتناول؛ فاعل الواجبات، وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرّب بالحسنات مع الواجبات، فالمقتصدون هم أصحاب اليمين والسابقون بالخيرات هم المقربون، فبعض السلف يقول: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر الصلاة صلاة العصر مثلًا إلى الاصفرار.
أو يقول: السابق والمقتصد والظالم ذكرهم الله تعالى في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسن بالصدقة والظالم بأكل الربا والعادل بالبيع، والناس في الأموال إما محسن وإما عادل وإما ظالم، فالسابق هو المحسن الذي يؤدي المندوبات مع الواجبات، والظالم هو آكل الربا أو مانع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا، وهذا كله من التعريف بالنساء، ومن هذا الباب قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، لكن نخلص من ذلك كله إلى أن هذا الاختلاف هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، فالتفاسير لا يتناقض بعضها مع بعض، وإنما هذا اختلاف تنوع كما سبق أن ذكرنا.
|
٢.٩ بعض القواعد المتعلقة بتفسير السلف
 |
الأمر الثاني: أنه قد يرد ويثبت عن بعض السلف تفسيران أو أكثر للآية الواحدة، مع كونهما مختلفين، ويكون كل واحد منهما مخرّجًا على قراءة، ومن ثَمَّ لا يُعتبر هذا من باب الاختلاف؛ فمن ذلك ما جاء في تفسير قول الله تبارك وتعالى في سورة الحجر: ((لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا)) [الحجر: ١٥] فسّرها بعض السلف بـ"سُدّت"، وفسرها آخرون "أخذت"؛ يعني بعض السلف قال: سكرت أبصارنا؛ أي: سدت أبصارنا، والبعض قال: أخذت أبصارنا، يقول قتادة -رحمه الله: من قرأ سُكّرت بتشديد الكاف يعني سُدت، ومن قرأ سُكِرت تخفيف الكاف فإنه يعني سُحرت، ومن ذلك ما ورد في تفسير قول الله -تبارك وتعالى- في سورة إبراهيم: ((سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ)) [إبراهيم: ٥٠] من أنه النحاس المذاب، وقيل: ما تُطلى به الإبل، قال السيوطي: وليسا بقولين، وإنما الثاني وهو الأول هنا تفسير لقراءة من قرأ: "سرابيلهم من قطرٍ آن" بتنوين قطر وهو النحاس، وآنٍ وهو شديد الحر. |
٢.٩ بعض القواعد المتعلقة بتفسير السلف
|
 |
ومن أمثلة ذلك ما ورد عن بعض السلف في المتشابه من أنه لا يعلمه إلا الله، والقول الآخر أنَّ الراسخين في العلم يعلمون تأويله، فهذان القولان مبناهما على موضع الوقف والوصل في آية آل عمران؛ يعني هناك من يقف عند قوله تعالى: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)) [آل عمران: ٧] يكون هذا وقفًا لازمًا، ونبدأ من جديد تكون الواو للاستئناف: ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)) [آل عمران: ٧] هناك من يصل ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) [آل عمران: ٧] على اعتبار أن الواو للعطف، فهذان القولان مبناهما على موضع الوقف والوصل في آية آل عمران. |
بهذا نكون قد بيّنا الأمور التي ينبغي مراعاتها عند الأخذ بتفاسير السلف وما ينبغي أن نعلمه في ذلك.