كانوا يستقون تفسيرهم من القرآن الكريم؛ ففي قوله تعالى: ((قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا)) [الطلاق: ١٠]، قال ابن زيد: القرآن هو روح الله، وقرأ قوله تعالى في سورة الشورى: ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)) [الشورى: ٥٢]، وقرأ قوله تعالى: ((قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَسُولًا)) [الطلاق: ١٠، ١١] قال: القرآن، وقرأ: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ)) [فصلت: ٤١] قال: بالقرآن، وقرأ: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ)) [الحجر: ٩] قال: القرآن، وهو الذكر وهو الروح، إن عبد الرحمن بن زيد هنا يربط بين هذه الآيات من واقع تفسير القرآن بالقرآن، فيفسر الذكر الموجود بالقرآن، ويفسره بأنه هو روح الله، ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)) [الشورى: ٥٢].
التابعون يستقون تفسيرهم من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم: ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الترمذي في سننه عن قتادة في قوله تعالى في سورة مريم: ((وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا)) [مريم: ٥٧] قال: حدثنا أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{لما عُرج بي رأيتُ إدريس في السماء الرابعة}}.
يستقي التابعون تفسيرهم من أقوال الصحابة الذين أخذوا عنهم، ومن أمثلة ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي إسحاق الشيباني قال: سألت ذر بن حبيش عن قول الله تبارك وتعالى: ((فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)) [النجم: ٩، ١٠]، قال: حدثنا ابن مسعود: "أنه رأى جبريل له ستمائة جناح".
يأخذ التابعي التفسير عن تابعي آخر، والمثال السابق يصلح في هذا الموضع أيضًا من جهة أن أبا إسحاق الشيباني سأل ذر بن حبيش عن تفسير الآية، فهو يصلح أن يكون نموذجًا لتفسير التابعي عن تابعي آخر، ويصلح أن يكون نموذجًا لتفسير التابعي عن صحابي؛ لأن ذر بن حبيش هنا يحدّث عن الصحابي عبد الله بن مسعود.
يأخذ التابعون التفسير من اللغة ومن اللسان العربي: ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى في سورة الجاثية: ((إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) [الجاثية: ٢٩] قال مجاهد بن جبر: نستنسخ أي نكتب، وأيضًا في تفسير قوله تعالى في سورة الأحقاف: ((إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ)) [يونس: ٦١] قال مجاهد: تفيضون: تقولون.
يستقي التابعون تفسيرهم من أهل الكتاب: وهذا على نوعين:
إما أن يصرّح التابعي بأخذه من أهل الكتاب، ومن أمثلة ذلك ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول، قال: لما همّ بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة خرّ موسى وهارون على وجوههما سجودًا قدّام جماعة بني إسرائيل، وقد ذُكر هذا في تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ((ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ)) [المائدة: ٢٣].
وأحيانًا لا يصرح التابعي بأخذه عنهم، ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الطبري في تفسيره عن مجاهد بن جبر في تفسير قول الله تبارك وتعالى في سورة المائدة: ((وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا)) [المائدة: 12] قال: من كل سبط من بني إسرائيل رجل أرسله موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، يلقونهم إلقاء، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذ نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة. فهنا لا يصرّح مجاهد بأخذه عن أهل الكتاب، وإن كانت الرواية كما هو مبين مأخوذة عن أهل الكتاب.
يعتمد التابعي على الفهم والاجتهاد: ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)) [آل عمران: ٧] قال مجاهد: الآيات المحكمات هي الحلال والحرام، ومن أمثلة ذلك أيضًا ما جاء في تفسير قوله تعالى: ((وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ)) [الفجر: ٣] قال مجاهد: كل شيء خلقه فهو شفع، السماء شفع، والوتر الله تبارك وتعالى.
يأتي تفسير التابعي بناء على ما عرفه من الوقائع والعادات والأحوال التي كان عليها الناس وقت نزول الوحي: ومن أمثلة ذلك ما جاء في سورة المائدة في تفسير قول الله تبارك وتعالى: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ)) [المائدة: ١٠٣]، فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونهم لطواغيتهم؛ إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينها ذكر، والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود.