... ١.٩ تعريف التابعي والرجوع إلى أقوال التابعين في التفسير، ومصادر التابعين


لماذا نرجع إلى أقوال التابعين؟ نرجع إلى أقوالهم لعدة أسباب أهمها:
أولًا: أنَّهم أخذوا كثيرًا من التفسير عن الصحابة رضوان الله عليهم، ومعلوم أن أقوال الصحابة في التفسير لها قيمة عظيمة.
ثانيًا: أن التابعين بعض أهل القرون المفضلة، كما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: أن التابعين أهل خبرة ومعرفة بلسان العرب، فهذه الأمور تعطي تفسيرهم مزية وفضلًا على تفسير من جاء بعدهم في الجملة، وإن كنا لا نعدم مفسرين نبهاء نجباء أتوا بعدهم، لكننا هنا نتحدث في الجملة أو على المستوى العام، وإذا كان الأمر كذلك.

وإذا كان لأقوال التابعين أهمية في التفسير، فما هي مصادرهم في التفسير؟
إنَّهم كانوا يستقون مصادرهم في التفسير من القرآن الكريم، ومن سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن أقوال الصحابة، ومن الاجتهاد والفهم، ومن النقل عن أهل الكتاب، ومن الأخذ عن غيرهم من التابعين، إلى غير ذلك مما هو موجود في مصادرهم، فمصادرهم مرتبة كالآتي:


... ١.٩ تعريف التابعي والرجوع إلى أقوال التابعين في التفسير، ومصادر التابعين


كانوا يستقون تفسيرهم من القرآن الكريم؛ ففي قوله تعالى: ((قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا)) [الطلاق: ١٠]، قال ابن زيد: القرآن هو روح الله، وقرأ قوله تعالى في سورة الشورى: ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)) [الشورى: ٥٢]، وقرأ قوله تعالى: ((قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَسُولًا)) [الطلاق: ١٠، ١١] قال: القرآن، وقرأ: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ)) [فصلت: ٤١] قال: بالقرآن، وقرأ: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ)) [الحجر: ٩] قال: القرآن، وهو الذكر وهو الروح، إن عبد الرحمن بن زيد هنا يربط بين هذه الآيات من واقع تفسير القرآن بالقرآن، فيفسر الذكر الموجود بالقرآن، ويفسره بأنه هو روح الله، ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)) [الشورى: ٥٢].
وأما ما يتعلق ببيان أسباب النزول فهذا له حكم المرسل في رواية التابعين لكونهم لم يدركوا ذلك ومن المعروف والمقرر في علم مصطلح الحديث أن المرسل هو ما سقط منه الصحابي.

... ١.٩ تعريف التابعي والرجوع إلى أقوال التابعين في التفسير، ومصادر التابعين


الأمور التي يقع عليها تفسير التابعين للقرآن
بيان الألفاظ: وقد ذكرنا في الأمثلة السابقة ما يدل على هذا، ولعل المثال الأخير الذي ذكرناه عن سعيد بن المسيب في تفسير
البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ليبين هذا.

... ١.٩ تعريف التابعي والرجوع إلى أقوال التابعين في التفسير، ومصادر التابعين


ما حكم تفسير التابعي؟
ذكرنا قبل ذلك أنه في الجملة تعد أقوال التابعين في التفسير خيرًا من أقوال غيرهم ممن هو دونهم، وهذا لا يعني كونها حجة مطلقًا، بل تتفاوت أحكامها بتفاوت أنواعها، يقول الشيخ ابن تيمية -رحمه الله: قال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست بحجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟! يعني أنّها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يشك في كونه حجة فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك.
وبناء على ما سبق فإن أنواع التفسير المنقول عن التابعين له أحكام متنوعة، ويتنوع بحسب مجيئه إلينا، وقد ذكرنا قبل ذلك أيضًا عندما كنا نتحدث عن التفسير بأقوال الصحابة أن أقوال الصحابة تتفاوت، وتتفاوت الأحكام بناء على كل نوع، وهذا أيضًا مذكور في حكم تفسير التابعي: وهذه الأنواع هي:


... ١.٩ تعريف التابعي والرجوع إلى أقوال التابعين في التفسير، ومصادر التابعين


يكون لتفسير التابعي حكم الرفع، وهذا النوع يشمل كل ما لا يقال من جهة الرأي، كأسباب النزول والإخبار عن الأمور الغيبية شريطة ألا يكون الراوي ممن يأخذ عن بني إسرائيل، لكن هذا النوع يكون من قبيل المرسل، فلا يقبل إلا بالشروط التي قررها العلماء في المرسل، ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسير قول الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: ((عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)) [الإسراء: ٦٩] قال مجاهد كما جاء في (تفسير الطبري): إقعاده على العرش، فهذا له حكم المرسل، ومن المعروف أن المرسل نوع من أنواع الحديث الضعيف.

... ١.٩ تعريف التابعي والرجوع إلى أقوال التابعين في التفسير، ومصادر التابعين


نقرأ في الكتب قولًا للإمام أحمد -رحمه الله- يقول فيه: ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير، فما الذي يريده من هذه المقولة؟br/> لقد ذكر أهل العلم لهذه المقولة توجيهات متعددة منها:
التوجيه الأول: أنه قال ذلك نظرًا لكثرة الضعيف فيها، إذ الغالب عليها انعدام الأسانيد الصحيحة المتصلة، لكن هذا لا يعني طرد الحكم في الجميع، وقد مال إلى هذا المعنى ابن تيمية وابن حجر العسقلاني الذي قال في كتابه (لسان الميزان): ينبغي أن يضاف إليها الفضائل فهذه أودية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي، وفي التفسير على مثل مقاتل والكلبي، وفي الملاحم على الإسرائيليات.
التوجيه الثاني: أنه كان يقصد لذلك كتبًا مخصوصة، ولهذا يقول الخطيب البغدادي في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) يقول تعليقًا على مقولة الإمام أحمد -رحمه الله: ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير، يقول: وهذا الكلام محمول على وجه وهو أن المراد به كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها ولا موثوق بصحتها؛ لسوء أحوال مصنفيها وعدم عدالة ناقليها، إلى أن قال: وأما الكتب المصنفة في تفسير القرآن فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل، ثم ساق بسنده إلى عبد الصمد بن الفضل قال: سُئل أحمد بن حنبل عن تفسير الكلبي، فقال: من أوله إلى آخره كذب، فقيل له: فيحل النظر فيه؟ قال: لا، ثم ساق بسنده رواية عن مالك تدل على كذب مقاتل بن سليمان، إلى أن قال الخطيب: ولا أعلم في التفسير كتابا مصنفا سلم من علة فيه أو عُري من مطعن عليه.