٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
 |
لقد كان القرآن الكريم يتنزل ليتقرر ابتداءً المبادئ والقواعد والأصول، وليبين للناس الحق من ربهم، وليدحض الباطل الذي ادّعاه المشركون عامة وأهل الكتاب منهم خاصة، وكان هذا القرآن الكريم يُتلى على الناس ويسمعه بعض نصارى العرب أو الروم المخالطين لهم، ولم يكن موجهًا في المقام الأول لمحاورتهم، أو لإقامة الحجة عليه من حيث هم فرقٌ تواجهه أو طوائف ومذاهب تجادله، ولما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقام دولة الإسلام في المدينة وأصبح المسلمون يمثلون قوة جعلت الأبصار والأسماع تتجه إليهم من كل جانب خوفًًا على أديناهم ومذاهبهم أحيانًا، أو خوفًًا على مصالحه المادية أو القبلية ونحوهما من جانب آخر، في هذه المرحلة احتدم الجدل الديني والاعتقادي بين المسلمين وغيرهم من الطوائف خاصة اليهود في المدينة وخيبر، والنصارى في جنوب الجزيرة العربية وشمالها المتأثرين بالروم ودولتهم الكبرى ذات النفوذ السياسي والاقتصادي، وذات المذهب النصراني بفرقه المتعددة، ومن هنا تنزل القرآن الكريم ليواجه واقعًا جديدًا، وليحاور أو يجادل طوائف بذاتها أو وفودًا بعينها تجادل عن دينها، وتثير الشكوك والشبهات حول ما جاء به القرآن والرسول -صلى الله عليه وسلم. |
 |
ومن هنا كان القرآن الكريم أكثر تفصيلًا وتحديدًا وبيانًا للأحكام، وردًّا للشبهات والأكاذيب، وإقامتها للأدلة الحاسمة على أهل الكتاب، وإلزامًا لهم بما في كتبهم، وبما جاء عن رسلهم في شأن محمد -صلى الله عليه وسلم- وصدق رسالته ووجوب اتّباعه، وفي هذه المرحلة التي تستوجب التخصيص بعد التعميم، والتفصيل بعد الإجمال كان يتحدث عن النصارى -كان القرآن يعني يتحدث عن النصارى- تحت عنوان: أهل الكتاب أحيانًا وبلفظ النصارى بذاته، أو يتحدث عن عيسى أو المسيح باعتباره عبدًا صالحًا ورسولًا... |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
|
...
كريمًا يدعو للتوحيد ويحذر من الشرك، أو يتنزل القرآن مخاطبًا فرقهم فيرد عليهم عقائدهم الباطلة. |
 |
وقد لاحظت أنَّ لفظ النصارى معرّفًا ومنكرًا قد ورد في القرآن الكريم خمس عشرة مرة كلها في السور المدنية، وهي بالتحديد سور البقرة، وآل عمران، والمائدة، والتوبة، والحج على القول بأنَّها مدنية كما رجحه الجمهور، وقد ورد فيها هذا اللفظ مرة واحدة، ولاحظت أنَّ اسم عيسى -عليه السلام- قد ورد في القرآن خمسًا وعشرين مرة كلها مدنية إلا أربع مرات فقط في أربع سور مكية هي: الأنعام، ومريم، والشورى، والزخرف، وأنَّ اسم مريم -مقترن بعيسى أو غير مقترن- ورد في القرآن الكريم أربعًا وثلاثين مرة كلها مدنية إلا خمس مرات مكية منها ثلاثة في سورة مريم، ومرة واحدة في سورة المؤمنون، ومرة في سورة الزخرف، أما وصف ولقب المسيح فقد ورد في القرآن إحدى وعشرين مرة كلها مدنية بلا استثناء، وهذه شواهد وقرائن واضحة تدل أنَّ القرآن المدني قد استفاض في هذا الجانب أضعافًا مضاعفة عمّا نزل من القرآن الكريم قبل ذلك في مكة المكرمة. |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
تفصيلات ومواقف
 |
وفد نجران النصراني وجدالهم بالباطل، ونزول القرآن فيهم، وهم وفدٌ كبيرٌ ربما كانوا ستين راكبًا أو نحو ذلك قدموا على النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، وكان على رأسهم أميرهم العاقب وأسقفهم أبو حارثة بن علقمة، وكان رجلًا من العرب قد تنصّر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمون من صلابته في دينهم، وكانت دعوة عيسى -عليه الصلاة والسلام- قد حُرفت تحريفًا هائلًا بعد رفع عيسى -عليه السلام- واستطاع اليهود أن يردوها وثنية طامسة، ثم دخل الروم في النصرانية المحررة فزادوها ضلالًا وخبالًا وخلافًا، وعُقدت لذلك مجامع لتحسم الخلافات فأسفرت عن تأصيل الكفر والوثنية، وكان أولها مجمع نيقية ٣٢٥ ميلادية، وقد قرر هذا المجمع ألوهية المسيح، ولعن وأدان من يقول بغير ذلك، ثم عُقد مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ ميلادية، وقد قرر هذا المجمع بعد الجدال الطويل والخلاف المشتعل بين الفرق النصرانية قرر أن روح القدس إله، ثم احتدم الجدال والشقاق مرة أخرى فعقد مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١ ميلادية، وقرر أن مريم ولدت إلَهًا له طبيعتان إلهية وإنسانية، وبعده مباشرة عقد مجمع أفسس الثاني ليحسم الخلاف فزاد الخلاف خلافًا، وقرر أن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت، وهكذا توالت المجامع المقدسة بزعمهم تأصل الدين المسيحي فيما يقولون، وتغرق نفسها والناس معها في متاهات فلسفية لا شواطئ لها، ولا زمام ولا خطام لها، وصدق الله العظيم حين قال لهم: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)) [المائدة: ٧٧]. |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
 |
وهذا ما حدث تمامًا لدولة الروم، واندلعت الفرق المتضاربة المتناقضة، وصارت كل فرقة تجادل عن ضلالها جدالًا طويلًا عقيمًا، وقد صدّرت المجامع المقدسة بزعمهم هذه الأضاليل إلى سائر النصارى في أرجاء الإمبراطورية المترامية الأطراف، وكان من هؤلاء وفد نجران الذي جاء يجادل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما تعلموه من هذه الضلالات المتناقضة، يقول ابن إسحاق في سيرته ما خلاصته: "فكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو حارثة بن علقمة أسقفهم، وعبد المسيح أميرهم، والسيد الأيهم عالمهم، وكانوا على دين ملك الروم مع اختلاف أمرهم، يقول عن عيسى تارة هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله: ((أسلما)) قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: ((كذبتما، يمنعكم من الإسلام ادّعائكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير)) قال: يا محمد، فمن أبوه -مَنْ أبو عيسى-؟ فأنزل الله في ذلك عن قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضعٍ وثمانين آية منها"، انتهى كلام ابن إسحاق. |
 |
وقد استفاضت الروايات في نقل جدالهم حول طبيعة المسيح -عليه السلام- وهو جدال حارت فيه المجامع، وتخبط فيه أساقفتهم؛ لأنه نفثات الشيطان ووساوس إبليسية لا ترقى إلى أن تكون تفكيرًا عقليًّا مستقيمًا، وقد اجتهد النبي -صلى الله عليه وسلم- غاية الاجتهاد لإنقاذهم من هذا الضلال حين رأى أقوامًا ألغوا عقولهم وتجمدوا على باطلهم، فكان مما قال لهم -صلى الله عليه وسلم: ((ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء، وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث -يعني: إخراج البول والبراز، وما إلى ذلك؟ قالوا: بلى يا محمد، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع ولدها، ثم غُذي ... |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
|
...
كما يغذى الصبي، ثم كان يأكل الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون كما زعمتم)) يعني: إلهًًا، وقد احتدم الجدال إلى أن قال أحدهم في لجاجة صبيانية: إذا لم نعبد المسيح يا محمد فهل تريد منّا أن نعبدك أنت، وإلى هذا تدعونا؟ فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم: (معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غير الله، وما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني)). |
 |
وقد أنزل الله في كتابه الكريم الرد على هذه الجهالات، وبيّن الحقائق المبينة في هذه الشبهات، وأقام لهم الأدلة والبراهين على فساد ما هم عليه من ضلالات وافتراءات، وقد بيّن ذلك في سورة آل عمران خاصة، وفي غيرها من سور القرآن الكريم كسورة البقرة، والنساء، والمائدة، ومن ذلك قوله تعالى: ((الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [آل عمران: ١- ٦]. |
 |
والآيات الكريمة تقرر وتؤكد وحدانية الله تعالى بلا شريك وبلا منازع، وأنَّ القرآن الذي أُنزل على محمد هو الفارق بين الحق والباطل، وهو لا يُصادم التوراة والإنجيل، بل جاء مصدقًا لهما؛ لأنَّهما كتابان أُنزلا لهداية الناس لا لإضلالهم كما فعل الأحبار والرهبان ورؤساء اليهود والنصارى الذين كفروا بآيات الله، والذين سينالون العذاب الشديد من الله العزيز المنتقم ممن أضل العباد وحرف الدين الإلهي الصحيح، ثم قرر سبحانه أنه هو الذي يخلقهم في الأرحام على الوجه الذي يشاؤه ه... |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
|
...
و؛ لأنه هو المتفرد بالخلق والمستحق وحده للألوهية، وأن عيسى أو غيره هو مخلوق مربوب لله رب العالمين، وأنه عبد لله مثل سائر المخلوقات، وأن الله تعالى صوره في رحم أمه مريم على ما يشاء، فكيف يكون إلهًا كما تزعم النصارى؟ وكيف يكون المخلوق مطلقًا إلهًًا كما زعمت سائر الفرق الضالة من اليهود والمجوس وأمثالهم؟ |
 |
وقال تعالى: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ومَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) [آل عمران: ١٨، ١٩] والآية الأولى تقريرٌ عظيمٌ وشهادةٌ جليلةٌ من رب العزة والجلال أنه واحد لا شريك له، والملائكة يشهدون ذلك، وكل من عنده علم صحيح يشهد بذلك. |
 |
والآية الثانية تقرير قطعي بحصر الدين المرضي من الله تعالى في الإسلام الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- مصدقًا ومتابعًا لدين الأنبياء والمرسلين من قبله، والذي يقوم على التوحيد المطلق لله رب العالمين، وأنَّ أهل الكتاب من اليهود والنصارى لم يختلفوا في ذلك إلا من بعد ما جاءتهم الرسل بالعلم الصحيح الوحيد، وسبب ذلك هو الحسد والبغي وطلب الرياسات، والمنافسة على الحطام الفاني، وليس بسبب نقص العلم أو عدم الدليل والبرهان، ويقول تعالى في آيات متتابعة: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إِبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)) [آل عمران: ٣٣] أي أنه يختار من يشاء من عباده لحمل رسالته، والقيام بدعوته، وغير ذلك من أول آدم إلى آخر الأنبياء والمرسلين إلى أن قص الله تعالى في كتابه الكريم الآيات الحاسمة التي تدحض كل دعاوى النصارى وشبهاتهم وضلالتهم، فيقول:... |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
|
...
((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) [آل عمران: ٥٩] والمعنى أنَّ صفة عيسى في قدرة الله كصفة آدم، حيث خلقه الله تعالى من غير أب ولا أم، فخلق آدم أعجب وأغرب، ومع ذلك لم يقل أحدٌ بأنه إله أو ابن الإله، ومن زعم ذلك فقوله باطلٌ باتفاق الأولين والآخرين، وبطلان هذا القول بالنسبة لعيسى أحرى وأولى وأشد، وهذا دليلٌ ملزمٌ غاية الإلزام عند كل من يعقل ويفكر، وظهر أنَّ قول النصارى: فمن أبوه؟ هو ضربٌ من المكابرة المحضة والتعنت الذي يدل على غاية الضلالة والعمى ومناقضة البديهي من الأمور. |
 |
ثم تابع القرآن الكريم ببيان الحقائق والرد على ضلالات النصارى حين ادّعوا أن النبي ينهاهم عن عبادة عيسى ليعبدوه هو؛ فقال تعالى: ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ولا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران: ٧٩ – ٨٠]. |
 |
وهكذا استمر القرآن يتنزل، وختم الله تعالى هذا البيان الإلهي الجليل ببيانٍ صارمٍ للذين يراوغون في الحق؛ فقال تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [آل عمران: ٨٥]. |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
أحكام قرآنية صريحة على النصارى الذين حرفوا دين الله
هذا الكلام الذي مضى كان عن المجادلة والرد بالأدلة، وهناك جانبٌ آخر يصدر القرآن فيه أحكام على قائلين هذا أحكام قرآنية صريحة على النصارى الذين حرفوا دين الله، لقد نزل القرآن بعد أن انحرفت النصارى عن دين الله انحرافًا كليًّا في أصل الأصول وهو التوحيد، وكانت مجاميعهم المقدسة بزعمهم قبل قرن من نزول القرآن، وانتهت إلى تأصيل الشرك وتأسيس الكفر، ومناقضة كل ما جاء به الوحي الإلهي في التوراة والزبور والإنجيل؛ لذلك جاء القرآن الكريم صارم العبارات صريح الحكم عليهم بأحكام قاسية، وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين، ومن ذلك:
الحكم بالكفر الاعتقادي المخرج من أصل الدين الإلهي على من زعم في عيسى أنه بذاته هو الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
الحكم بالشرك الصريح على من اعتقد أنَّ عيسى ابن الله، أو ثالث ثلاثة مع الله وعبادته على هذا النمط.
الحكم عليهم بالضلال المطلق وخاصة في جانب الاعتقاد، قال تعالى في كفرهم الاعتقادي متتبعًا فرقهم المتعددة المتناقضة، قال تعالى: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)) [المائدة: ١٧].
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
 |
والفرقة -اليعقوبية- التي تدّعي أنَّ عيسى هو الله ذاته، يقولون بحلول الله بذاته في عيسى -عليه السلام- فالله حل في عيسى، وهو الذي حملته مريم في بطنها وولدته، وتكلم في المهد إلى أن صُلِبَ على الصليب، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذا لغو فارغ لا يقوله إلا السفهاء والمجانين؛ ولذلك رد الله تعالى ردًّا حاسمًا: ((قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)) الذين تزعمون هو الله، ((إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [المائدة: ١٧]. |
 |
يقول المفسرون: احتج الله تعالى بذلك على فساد أقوالهم، وتقرير ذلك أن المسيح مخلوق مقهور قابل للفناء كسائر المخلوقات، ومَنْ كان كذلك كان بمعزلٍ عن الألوهية، وكيف يكون إله مَنْ لا يقدر عن دفع الهلاك عن نفسه ولا عن غيره ولو كانت أمه أقرب الناس إليه، فله تعالى وحده ملك كل شيء يتصرف فيه كيف يشاء يهلك من شاء، ويخلق من يشاء على الكيفية التي يريدها؛ لذلك فهو وحده المختص بالألوهية لا شريك له من خلقه في السماوات أو الأرض. |
 |
ويقول تعالى عن هذه الفرقة أيضًا: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ومَأْوَاهُ النَّارُ ومَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)) [المائدة: ٧٢] ويقول تعالى: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ومَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ واحِدٌ وإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [المائدة: ٧٣]... |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
|
...
وهذا حكمٌ صريحٌ بكفر من قال بتثليث الآلهة، وهي الفرقة الملكانية التي أراد ملوك الروم وأساقفة الضلال أن يجمعوا بها المذاهب والفرق، فما زادوا إلا أن أحدثوا فرقة جديدة أشعلت الجدال والخلاف، وانحرفوا إلى قاع الضلال والكفر؛ لأنَّ الإله الحق هو واحدٌ لا شريك له. |
 |
ويقول تعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) [المائدة: ٧٥] والمعنى: أن المسيح مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى أي صفة من صفات الألوهية، وهو كالرسل من قبله تمامًا، وقد خصه الله تعالى بآياته كما خصهم، والشبه التي يتعلق بها النصارى باطلة، فإنَّ غرهم أنه كان يحيي الموتى بإذن الله فقد أحيا الله العصا الميتة لموسى وجعلها حية تسعى، وهذا أعجب، وإن غرهم أنه خُلق من غير أب فقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم، وهذا أغرب من خلق عيسى، أما مريم أمه فهي صديقة صالحة لا ترقى إلى النبوة فضلًًا عن الألوهية، وعيسى وأمه مخلوقان يفتقران إلى الطعام مثل سائر المخلوقات، ويلزم من ذلك إخراج الفضلات، وهذا دليل ملزم بأنهما بمعزلٍ تام عن الألوهية وصفاتها. |
 |
بقيت فرقة منهم وهم: النسطورية، الذين قالوا: المسيح ابن الله، قال تعالى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) [التوبة: ٣٠] وكان المأمول ألا يردد أهل الكتاب هذه المزاعم بعد أن جاءتهم الرسل ونزلت عليهم الكتب، ولكنهم ضلوا حين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله يشرعون لهم الكفر فيطيعونهم ويقدسونهم حتى نسبوا هذه الشناعات للمسيح -عليه السلام- وهو بريء من ذلك براءة تامة؛ لأنه لم يدعُ إلا إلى التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له. |
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى
٢.١١ موقف القرآن المدني من انحرافات النصارى