في الأصل النصارى اسم لطائفة من اليهود آمنوا بعيسى ابن مريم -عليه السلام- وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، وصار هذا الاسم تمييزًا لهم عن بقية اليهود الذين كفروا بعيسى -عليه السلام- ثم توسع في الاسم فأطلق على كل من انتسب إلى دين عيسى ابن مريم ولو من غير بني إسرائيل؛ ولذلك قال الراغب -رحمه الله: "وقيل سموا بذلك لقوله تعالى: ((قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ)) [الصف: ١٤] وقيل: سموا بذلك انتسابًا إلى قرية يقال لها: نصرانة، فيقال: نصرانيّ، وجمعه نصارى".
وقال صاحب (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ) الشيخ أحمد بن يوسف الشهير بالسمين الحلبي قال: "قيل: هم جمع نصران نحو: ندمان وندامى، المؤنثة نصرانة، وهم منسوبون إلى ناصرة، قيل: هي قرية، وقيل: هم منسوبون إلى قرية يقال لها: نصران، وهذا أقيس في النسب من كونها ناصرة".
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
ورود اللفظ في القرآن الكريم
وقد أورد القرآن الكريم هذا اللفظ -النصارى يعني- معرفًا ومنكرًا خمس عشرة مرة كلها في سورة البقرة والمائدة إلا واحدة في سورة آل عمران، وواحدة في سورة التوبة، وأُخرى في سورة الحج، ومعظم هذه الآيات أو كلها يُقرن فيها اليهود مع النصارى على سبيل الخبر أو الذم أو المدح الذي جاء في آية واحدة لبعض النصارى فقط، قال تعالى: ((مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرَانِيًّا ولَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا)) [آل عمران: ٦٧] يلاحظ اقتران اليهود والنصارى، وقال تعالى: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ))، [البقرة: ٢٠] وقال -عز وجل: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ)) [المائدة: ١٨] وقال سبحانه: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ)) [التوبة: ٣٠].
أما الآية التي مدحت بعض النصارى الذي عرفوا الحق وشهدوا به، فهي قوله تعالى في سورة المائدة: ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْبَانًا وأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)) [المائدة: الآية: ٨٢].
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
ولقد تحدث القرآن الكريم في العهدين المكي والمدني طويلًا عن النصارى بغير هذا اللفظ تحت عنوان أهل الكتاب، أو حين تحدث عن القصص عن عيسى -عليه السلام- وأمه الصديقة، أو في ردود القرآن الكريم لبيان ضلالهم وشركهم حين اتخذوا عيسى وأمه إلهين من دون الله، وغير ذلك مما سنبينه فيما يأتي -إن شاء الله تعالى.
دين أهل الكتاب هو الإسلام
وقد نشأ اليهود على دين الإسلام الذي جاءهم به موسى وهارون وسائر أنبيائهم -عليهم السلام- وكذلك النصارى جاءهم عيسى -عليه السلام- بالإسلام والتوحيد، والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد وقع التحريف والانحراف من الطائفتين في دين الله، وقع ذلك بعد أنبيائهم -عليهم السلام- الذين كانوا على الإسلام الصريح دعوة وتطبيقًا، قال تعالى على سبيل الإجمال الكلي الشامل: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)) [آل عمران: ١٩] والمعنى: أنَّ الدين المرضي المقبول عند الله هو الإسلام، وما عليه أهل الكتاب هو ضلالٌ خالفوا به العلم الصحيح الذي أخذوه عن أنبيائهم؛ ولذلك فهو مردودًا عليهم كما قال تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [آل عمران: الآية: ٨٥].
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
أما على سبيل التفصيل المقترن باسم الله تعالى وأسماء رسله في كل العصور: فقد استفاض القرآن الكريم بالتصريح بأن دين الله هو الإسلام باسمه هذا على لسان كل رسول، ويكفي ما ورد على ألسنة أعلام الرسل مثل: إبراهيم -عليه السلام- وهو الجد الأعلى لبني إسرائيل والعرب معًا، قوله تعالى: ((إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) [البقرة: ١٣١].
أيضًا قوله تعالى عن إسحاق وعن إسماعيل ابني إبراهيم -عليه السلام- قال تعالى: ((وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [البقرة: ١٣٢].
أيضًا يعقوب هو جد بني إسرائيل يقول تعالى عنه: ((أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَقَ إِلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) [البقرة: ١٣٣].
وموسى -عليه السلام- جاء على لسانه هذا، قال تعالى:((وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ)) [يونس: ٨٤].
وأيضًا في سليمان جاء هذا، فقد تكرر ذلك الإسلام في قصته مع ملكه سبأ أربع مرات، منها دعوة صريحة لها ولقومها: ((إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)) [النمل: ٣٠، ٣١] وهذا كثيرٌ في القرآن؛ ولذلك يتضح لنا من هذا أنه لا يوجد دين يسمى اليهودية أو النصرانية، إنما هو اسمان أو لقبان لأتباع موسى وعيسى -عليهما السلام- وأن دين الطائفتين أصلًًا هو الإسلام؛ ولذلك استنكر الله تعالى على ...
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
...
أهل الكتاب جعل هذين اللقبين دينًا يُدعى إليه، قال تعالى: ((وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ومَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [المائدة: ١٣٥] وقال تعالى: ((مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرَانِيًّا ولَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ومَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [آل عمران: ٦٧] فالآية الكريمة على وجازتها تثبت دينًا واحدًا هو الإسلام، وتنفي عن معنى الديانة هذين اللقبين الطائفيين، وتنفي دين الكفر القائم على الشرك سواء عند اليهود أو النصارى أو العرب الذين خاطبهم القرآن الكريم أو في أي أمة قديمًا وحديثًا.
بعثة عيسى -عليه السلام- وموقف اليهود ثم والنصارى منه
لقد جاهد الرسل -عليهم السلام- جهادًا طويلًا مريرًا طوال التاريخ كله ليعبّدوا الناس لربهم -جل وعلا- وليثبتوا قواعد التوحيد وعبادة الله في الأرض، وقد كان بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء، وجاهدوا رسلهم جهادًا عظيمًا حتى أقاموا الدين بين الناس، ولكن بني إسرائيل طوال تاريخهم كانوا أمثولة الدهر في العصيان والطغيان، ومشاقة المرسلين حتى عبدوا العجل، وقالوا عزيرٌ ابن الله، ووجهوا رسلهم بأقبح خطابٍ في التاريخ كله حين قالوا لهم: ((سَمِعْنَا وعَصَيْنَا)) [النساء: ٤٦] فلما بُعِثَ آخر أنبيائهم عيسى -عليه السلام- وكان رسولًا كريمًا من أولي العزم، وأنزل الله عليه كتابه الكريم الإنجيل، لما نزل عليه الإنجيل وبُعِثَ عيسى كذبه اليهود، وقالوا فيه وفي أمه قولًًا خطيرًا، وبهتانًا عظيمًا، وحاولوا قتله كعادتهم مع كل رسول، ...
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
...كما قال تعالى: ((لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ)) [المائدة: ٧٠] ولقد جاء عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة ومحاولًا إصلاح فساد اليهود ومنع إفسادهم، فاتبعه فريق من المؤمنين وثبتوا معه مخلصين حتى رفعه الله، وتسلل اليهود وهم أئمة التحريف والتزييف فأفسدوا دين الحق الذي جاء به عيسى -عليه السلام- وصار الناس في ذلك فريقين:
فريق غلا في بغض عيسى -عليه السلام- فقالوا فيه كل إفك، ورموه بكل نقيصة، وسعوا في تدمير دعوته وآثاره.
فريق غلا في حب عيسى -عليه السلام- حتى رفعوه فوق البشر وزعم بعضهم أنه هو الله، وزعم آخرون أنه ابن الله، وزعم غيرهم أنه ثالث ثلاثة، واشتد في ذلك الجدل، وضاعت الحقيقة البينة التي جاء بها عيسى -عليه السلام- وحُرِفَتْ الأناجيل لتجعل التوحيد شركًا، ولتجعل الرسول ربًّا، ولتجعل النهاية قتلًا وصلبًا، والصليب وثنًا معبودًا مع الله تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
وكانت هذه أعظم كذبة في تاريخ النبوات جميعًا، وازداد هذا الإفك بمرور الوقت ولدادة الجدل، وعماية القلوب تأصيلًا وانتشارًا، خاصة بعد أن دخل الرومان وغيرهم في هذا الضلال المنسوب إلى المسيح -عليه السلام- كذبًًا وزورًا واتباعًا للأهواء والجهالات.
وقد بغى القرآن الكريم غاية الإيجاز والإعجاز حين سمى أصحاب هذا الإفك بالضالين، وقال لهم: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)) [المائدة: ٧٧] فلما بُعِثَ محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- بعد عيسى -عليه السلام- بستة قرون كان الباطل قد تأسس، والإفك قد تأصل، والحق قد اندثر، والنصارى قد صاروا كثرة كاثرة في الأرض يعتزون غاية الاعتزاز بالانتساب إلى المسيح عيسى -عليه السلام- باعتباره ربًّا وإلهًا معبودًا، فزادوا أعداد المشركين في الأرض، وصاروا فتنة للناس وللمشركين خاصة باعتبارهم الملة الآخرة، والتي لها كتابٌ مقدسٌ أنزل من عند الله، ولها رسول مبعوث من الله مؤيد بالمعجزات كما جاء على ألسنة المشركين في مكة حينما حاجوا النبي -صلى الله عليه وسلم- حين جاءهم بالتوحيد الخالص، فأنكروا عليه ذلك بأشد الإنكار، وقالوا: ((مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ)) [ص: ٧] يعني: النصرانية.
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
موقف القرآن المكي من النصارى وانحرافاتهم
معلومٌ أن هذا الباطل النصراني كان يحيط بالعرب باعتباره دين الدولة الرومانية الشرقية التي تحتل الشام، وتؤثر في كثيرٍ من العرب الغساسنة، وغيرهم ممن اعتنق النصرانية في شمال الجزيرة، وكذلك كان نصارى نجران في الجنوب يشكلون قوة وعددًا عدا ما تسرب إلى كثيرٍ من الأفراد بحكم تأثير نصارى الشام، وبعض التجار والصناع في الحجاز؛ لذلك أكثر القرآن المكي من الحديث عن المسيح وأمه، ورسالته الصحيحة وما دخل عليها من ألوان الشرك والوثنية والانحراف والتزييف الذي أبعدها عن دين الله تعالى، وعن رسالات الرسل جميعًا، وعن ملة إبراهيم الحنيف المسلم عليهم الصلاة والسلام جميعًا.
ولم يكن هناك احتكاك كثيرٌ أو تعامل واسع بين المسلمين الأوائل وبين النصارى، ولكن القرآن الكريم أخذ زمام المبادأة لبيان الحقائق، ولتصحيح الدين وإحقاق الحق، ولدحض الباطل تقريرًا للتوحيد الخالص، وتعليمًا للناس، وإزهاقًا للباطل الذي غشي الأرض وأضل العباد والبلاد، ويتلخص ذلك الموقف القرآني في الأمور الآتية:
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
الأمر الأول
بيان الحق في شأن عيسى وأمه -عليهما السلام-: وأشهر مثالٍ لذلك هو سورة مريم التي نزلت في وقتٍ مبكرٍ من البعثة النبوية، وفي أوائل العهد المكي، وقد قرأها جعفر بن أبي طالب على النجاشي ملك الحبشة بعد الهجرة الأولى التي كانت في السنة الخامسة من البعثة الشريفة، والسورة الكريمة تقرر في مطلعها قدرة الله تعالى الشاملة في الأشياء والأحياء، وأنه تعالى بشّر زكريا -عليه السلام- بغلامٍ اسمه يحيى عقب تضرعه لله لطلب الولد مع كبر سنه وعقم زوجته، ولما تعجب زكريا من ذلك قال الله تعالى له: ((قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا)) [مريم: الآية: ٩] وكذلك كان، وحدثت هذه الآية البالغة، ولم يدعِ أحدٌ أن يحيى الذي جاء بهذه الآية البينة هو إله أو شبه إله، بل هو رسولٌ كريمٌ بإجماع البشر في عهده وبعده.
ثم قصت السورة الكريمة ما حدث لمريم أم عيسى من خارقة مماثلة لما حدث لأختها أم يحيى أو خالتها على ما قيل في ذلك، قال تعالى: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا)) [مريم: الآية: ١٦- ١٩] وقد تعجبت مريم من ذلك كما فعل زكريا، وكان جوابها شبيهًا بما قيل له تعالى: ((أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أَكُنْ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ورَحْمَةً مِنَّا وكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا)) [مريم: ٢٠- ٢٢]...
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
...
أي نفخ جبريل -عليه السلام- في جيب درعها فحملته، ثم وضعته كسائر البشر، ثم أتت به قومها تحمله وهي في كربٍ عظيمٍ من اتهامات الناس لها، فأُمرت أن تصوم ولا تتكلم، ولما سألها قومها عن هذه الجناية في نظرهم، فكان ما قال الله تعالى: ((فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا وجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وبَرًّا بِوَالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ ولِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)) [مريم: ٢٩- ٣٣].
كل هذا في سورة مريم ما نزال، وهذه أية أُخرى أن يتكلم هذا الرضيع بهذا الكلام الجليل الذي يؤكد فيه على أنه عبد الله وليس هو ابن الله أو هو الله، وأنه نبيٌّ يوحى إليه، وأنه أُمر بتكاليف الشريعة من صلاة لله، وزكاة لوجه وحده، وبرٍّ بوالدته الطاهرة، وتواضع للناس، وأنه يكون كسائر البشر يموت ويُبعث حيًّا، وتختم القصة بهذه الكلمات الحاسمة: ((ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ ولَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) [مريم: ٣٤- ٣٦] والمعنى: هذه الحقيقة المؤكدة في شأن عيسى وأمه التي وقع فيها الخلاف الشديد والمراء والافتراء؛ حتى زُعِمَ أنه إله، أو أنه ابن الإله، أو غير ذلك من الأكاذيب.
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
الأمر الثاني
بيان الحقيقة في شأن الإله الحق واستحالة الولد له: وهذه قضية أساسية من قضايا الوحي الإلهي في كل العصور، وقد أكدها الله تعالى في القرآن تأكيدًا جازمًا حاسمًا بشتى الصيغ والأساليب، ومن ذلك: سورة الإخلاص: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)) فالسورة الكريمة تثبت لله -عز وجل- الأحدية، ولفظ أحد إذا استُعمل مطلقًا وصفًًا لا يكون إلا في وصف الله -عز وجل- ولذلك فهو أوفى وأكمل من لفظ الواحد، وقال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد في صفاته تعالى: أنَّ الأحد بني لنفي ما يُذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد، تقول ما آتاني من أحد، وجاءني منهم واحد، والواحد بُني على انقطاع النظير وعون المثل، أي أنَّ وصف الله تعالى بالأحدية يقطع بأنه تعالى لا يقطع التعدد في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكل عددٍ يضاف إلى أحديته فهو معدومٌ وباطلٌ أيًّا كان ذات هذا المضاف أو صفاته، أما الواحد فهو يفيد الوحدة لعدم وجود النظير والمثل فقط، وقوله تعالى: ((لَمْ يَلِدْ)) أي لم يولد له ولد؛ لأنَّ ذلك يقتضي أن تكون له زوجة وصاحبة من جنسه، وهذا مناقضٌ للأحدية، ومناقضٌ للصمدانية؛ لأن الصمد هو الذي يحتاج إليه غيره ولا يحتاج هو إلى شيء، وهو هنا محتاجٌ للزوجة لتلد له؛ ولذلك أبطل الله -تبارك وتعالى- ذلك صراحة؛ فقال تعالى: ((أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ)) [الأنعام: ١٠١] وأيضًا لو كان له ولدٌ، لكان من جنسه ويحمل صفاته، وهذا أيضًا مناقضٌ للأمرين جميعًا.
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
ومن المهم هنا ملاحظة إيقاع النفي على إيقاع الولد وليس الابن، وإذ بذلك يُسقط القرآن دعاوى المشركين جميعًا من العرب الذين كانوا ينسبون إلى الله تعالى البنات وزعموا أنَّ الملائكة بنات الله، كما قال تعالى ردًّا عليهم في آيات كثيرة: ((أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ)) [الصافات: ١٥٠- ١٥٣].
أسقط بلفظ الولد المنفي دعاوى اليهود والنصارى وغيرهم ممن زعموا أنَّ لله ولدًا من البنين كالعزير والمسيح أو غيرهما؛ لأنَّ الولد في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو بمعنى المولود، وهو فَعَلٌ بمعنى مفعول، ويُطلق على الذكر والأنثى والواحد وغيره، كما جاء في كتاب (معجم ألفاظ القرآن) وغيره من الكتب التي بحثت في هذا.
قد استفاض القرآن الكريم في نفي الولد بكل معانية تأكيدًا لتفرده -سبحانه وتعالى- ولتنزه عن الصاحبة والولد الذي يلزم من وجودهما تعدد الآلهة، قال تعالى: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ ولَدٍ ومَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) [المؤمنون: ٩١] وقال تعالى: ((لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)) [الزمر: ٤] وقال: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ومَا خَلْفَهُمْ ولا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ومَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)) [الأنبياء: الآيات: ٢٦- ٢٩].
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
وفي صدر سورة الكهف يوجه الله تعالى لهؤلاء المفترين إنذارًا بالغًا، قال تعالى: ((وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ولا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا)) [الكهف: ٤، ٥] ومن المفيد هنا التنبيه على ما يأتي:
أنَّ الآيات الكريمة السابقة تبطل نسبة الولد بنوعية إلى الله تعالى وكذلك الصاحبة.
أنَّ الآيات الكريمة تبطل تعدد الآلهة مع الله تعالى بكل معانيها أيضًا سواء كانت ولدًا ذكرًا أو كما فعل اليهود والنصارى مقلدين الكفار قبلهم، كما قال تعالى في سورة التوبة المدنية بعد ذلك قال: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)) [التوبة: ٣٠] وسواء كانت ولدًا أنثى كما كانت تزعم العرب بالنسبة للملائكة، أو كانت الآلهة التي أبطلها الله غير ذلك من الأحجار والأبقار والأشجار والأقمار.
أنَّ سورة مريم كانت حجة قاطعة في إبطال مزاعم النصارى إبطالًا شاملًا باعتبار أن مريم هي امرأة معلومة من بني إسرائيل، وولدت غلامًا بشرًا سويًّا يأكل ويشرب وينام وغير ذلك من الأعراض البشرية المحضة، وهو نفسه حين تكلم في المهد صرح بأنه عبد الله، وأنه رسوله، وأن أمه امرأة من البشر تحتاج إلى برِّ الابن بها مثل كافة البشر.
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
مصدر الفتنة بالولادة العجيبة
ولقد كان مصدر الفتنة في أمر عيسى -عليه الصلاة والسلام- أنه وُلِدَ من غير أب على هذه الهيئة الخارقة العادة، فغلا اليهود في الكفر به، والطعن فيه وفي أمه ورميها بالزنا ورميه بالكذب والسحر إلى آخر ما قالوا في هذا الضلال، وغلا فيه النصارى فرفعوه فوق مرتبة الرسالة والنبوة وزعموه إلهًا أو ابن الإله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا؛ ولذلك أدب القرآن مرارًا في العهد المكي ذاته على هذه القضية، وأنها ترجع إلى قدرة الله الشاملة المتكررة في تاريخ بني إسرائيل وآبائهم، ومن ذلك:
ما قصه الله تعالى في صدر سورة مريم عن زكريا الشيخ الكبير وامرأته العاقر، وكيف وهبهما الله غلامًا زكيًّا هو يحيى بن زكريا، وهو ابن خالة عيسى ومعاصرٌ له -عليهم السلام جميعًا.
في سورة الأنبياء المكية يتكرر هذا فيعرض القرآن قصة زكريا وزوجه باختصار، ويعقبه بذكر مريم وابنها -عليهما السلام أجمعين- ويقول تعالى: ((رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ووَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ)) [الأنبياء: ٨٩، ٩٠] ثم يقول تعالى: ((وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وجَعَلْنَاهَا وابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: ٩١].
بل قص الله تعالى في القرآن المكي قصة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وزوجة العجوز العقيم، وكيف حملت على الكبر، وكان منها إسحاق ثم منه يعقوب -عليهما السلام- وهو إسرائيل الذين ينتسبون إليه، وكانت هذه القصة معلومة متواترة في بني إسرائيل إلى عهد زكريا ويحيى ومريم وعيسى -عليهم السلام- قال تعالى عن قصة الملائكة الذين جاءوا إبراهيم بالبشرى فقدم لهم طعامًا وهو لا يعرفهم، قال تعالى:
((فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ ومِنْ ورَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا ويْلَتَا أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)) [هود: ٧٠- ٧٢].
ويعود القرآن فيؤكد ذلك في سورة الذاريات، وهي من أواخر العهد المكي نزولًا إيذانًا بأنَّ الله تعالى يريد التذكير الدائم بهذه الحجة تدليلًا على قدرته الشاملة،
وردًّا وردعًا لمن زعموا ألوهية المسيح ابن مريم محتجين كذبًا بأن حمله وولادته العجيبة هي دليل ذلك، قال تعالى: ((فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَهَا وقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)) [الذاريات: ٢٨- ٣٠].
إذا أضيف إلى ذلك حديث القرآن المتكرر في العهد المكي عن تفصيل خلق آدم وحواء خلقًًا ابتدائيًّا، وهي حقائق معلومة عند أهل الكتاب، ومذكورة في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم، ومع ذلك لم يدع أحد أن أي من هذه المخلوقات العجيبة هو إله من دون الله أو معه -سبحانه وتعالى- لأن أيًّا منهم ليس له صفات الإله الواحد المنزّه عن الولادة: ((لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ))، والمنزّه عن الحاجة إلى الغير، والقادر على الخلق والإيجاد بقدرته المطلقة، والمتصف بالحياة الدائمة، وكل هؤلاء الذين يتعجب من خلقهم ومن ولادتهم بمعزلٍ عن هذا كله في شأن الألوهية.
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
أبلغ الاستنكار على نسبة الولد للرحمن
لذلك عقب الله تعالى قصة خلق عيسى -عليه السلام- بأبلغ استنكار على من ادّعى أنه ابن الله، أو زعم أنَّ الله تعالى يجوز أن يتخذ ولدًا من حيث المبدأ، قال تعالى: ((ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ ولَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) [مريم: ٣٤، ٣٥] وقد ختم الله تعالى السورة الكريمة بأشد تنديد وأحد استنكار في أساليب القرآن المكي كله كما قال تعالى: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا)) يعني: شيئًًا ثقيلًا باطلًا، ((لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ومَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ ولَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدًّا وكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)) [مريم: ٨٨- ٩٥].
والآيات الكريمة استنكارٌ بالغٌ على من زعم أنَّ لله تعالى ولدًا من اليهود والنصارى ومشركي العرب ومن قبلهم من الأمم، وتقريرٌ بأنَّ هذا الزعم أمرٌ خطيرٌ منكرٌ بالغٌ أقصى درجة الشناعة والفظاعة؛ لأنَّ الإدّ هو الداهية والأمر الفظيع، أو كما قال الراغب -رحمه الله تعالى: ((إِدًّا)) أي: أمرًا منكرًا يقع فيه جلبه، من قولهم: أدّت الناقة تئدُّ أي: رجعت حنينها ترجيعًا شديدًا، وهذه كلمة قرآنية فريدة لم تأت في القرآن كله إلا في هذا المقام؛ لأنَّها أنسب وصف لهذا الادّعاء الفاجر الذي يكاد الكون كله يتشقق ويتصدع منه، بل تكاد الجبال الصخرية الهائلة أن تسقط وتتهدم منه، ولها دوي هائل حين تنفصم أجزاؤها الصلبة بعضها عن بعض إجلالًا للواحد الأحد،...
١.١١ التعريف بالنصارى وموقف القرآن المكي منهم
...
وتعظيمًا له -سبحانه وتعالى- وتغيظًا من افتراء المشركين؛ لأنَّها مخلوقاتٌ مؤسساتٌ على توحيده -سبحانه وتعالى- وأنه لا شريك له ولا ولد ولا صاحبة، ولم يكن له كفوًا أحد من خلقه وعبيده -جل شأنه سبحانه وتعالى.
ويروي المفسرون هنا أثرًا عجيبًا خلاصته كما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن كثير: أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصاب منها منفعة، حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة الفظيعة أي قولهم: ((اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا)) فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض، وشاك الشجر يعني: أخرج شوكًًا.