١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
|
...
سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)) [المائدة: ٦٠: ٦٣]. |
 |
ومن الضروري هنا أن نتأمل هذه الكمية الخطيرة من النقائص اليهودية التي سجلها عليهم القرآن العظيم لمن أراد أن يعرف حقيقتهم، مثل: لعنهم والغضب عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبادة الطاغوت والنفاق والمسارعة بالإثم وأكل السحت، وكلها أخلاق تشيع فيهم في مختلف عصورهم وقد زينها لهم العتاة من الأحبار خاصة صناع "التلمود" بعد عصور أنبيائهم -عليهم الصلاة والسلام- والسبب في هذا الموقف القرآني هو الإنصاف التام. |
 |
فالله تبارك وتعالى يعطي كل ذي حق حقه، ويعطي كل ذي باطل ما يستحق، فهو يمدحهم إن أحسنوا وأطاعوا واستقاموا على الطريقة المثلى وقليل ما هم، وهو يذمهم إن عاندوا وشاقوا، وقالوا كلمتهم النكراء التي لم تقلها مثلهم أمة في التاريخ، وهي قولهم: ((سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)) [البقرة: ٩٣]، وتبلغ درجة القرآن في الحالين مبلغهم من الإحسان أو السوء ((وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا)) [الكهف: ٤٩]، بل كان من تمام عدل الله تبارك وتعالى أنه دائمًا يستثني منهم القلة الصالحة على ندرتها، كما قال تعالى: ((وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)) فهذا معناه: أن قلة منهم لا تفعل ذلك، وكما قال تعالى: ((وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ)) [المائدة: ١٣]. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
الفيض القرآني
فالمتتبع لدراسة المشكلة اليهودية في ضوء القرآن الكريم -من حيث التحريف والانحراف- أنه تعالى لم يعاجلها في نص أو نصين، وإنما جاء فيها بفيض زاخر، يتناولها من أقطارها، ويكشف كل خباياها، وكل أبعادها التي يحتاج إليها المسلمون لمعرفة حقيقتها، ولذلك كان الحديث عن بني إسرائيل في القرآن الكريم من أكثر المسائل خصوصًا بعد العقائد، ومن أشد المواقف القرآنية وضوحًا وتفصيلًا وحسمًا، لقد تحدث عنهم القرآن الكريم في المكي منه والمدني على سواء وفي السبع الطوال وما بعدها من المثاني والمئين والمفصل، وتناولهم بالآية المفردة وبالجملة المتصلة من الآيات، وفي تاريخهم الأول، ثم المتكرر حتى عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بل تحدث عما سيأتي من أحوالهم بعد محمد -صلى الله عليه وسلم- باعتبارهم أمة واحدة في الضلالة والبهتان تعمل على شاكلتها دائمًا، كما قال تعالى: ((وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا)) [الأعراف: ٥٨].
التوقيت المعجز
 |
ذلك لأنَّ القرآن الكريم بدأ في وقت مبكر من العهد المكي يهتك أستار الانحرافات اليهودية، ويضع بين أيدي المسلمين مفاتيح هذه النفسية المعقدة، ويلفت أنظارهم إلى تأصل الانحراف والتحريف في أعماقها، ويكشف لهم مساوئ التاريخ الإسرائيلي المشين، في هذا العهد كان المسلمون مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، بل كانوا عرضة دائمة للتعذيب والمطاردة ... |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
|
...
ومصادرة الاعتقاد والأرزاق وترك الديار والأموال فرارًا بدينهم من الفتنة العارمة، فكانت دواعي المصلحة في تقديرنا البشري القاصر توجب تأجيل الهجوم على اليهود، ويكتفى بذكر بعض جوانبهم الطيبة في الصبر والثبات ليتأسى بهم الرعيل الأول من المسلمين في مرحلة التكوين والتأسيس الأولى في مكة، خاصة وأنها مرحلة تعذيب وفتنة. |
 |
ومن جانب آخر: لم يكن للمسلمين احتكاك في الأفكار أو في المكان أو المصالح مع اليهود؛ ليقوم ذلك مبررًا لهذا النقد العنيف أو سببًا في إشعال شرارته، فكانت دواعي المصلحة مرة أخرى في عدم فتح جبهة عداوة على المسلمين في وقت هم أغنى الناس عن هذا لما هم فيه من المحنة والتعذيب والتكذيب، بل هم أحوج الناس يومئذ إلى جمع العواطف والقلوب حولهم، وخاصة من اليهود بما لهم من ثقل مادي وأدبي بين العرب الأميين، باعتبار اليهود أهل الكتاب الأول، وأصحاب المال والحصون، وأوفر الجاليات الدينية عددًا وعدة، ولكن القرآن العظيم هو تنزيل من العلي الأعلى، وهو -سبحانه أعلم- وأحكم، وقد أحاط بكل شيء خبرًا، ومن ثم خلف تقديرات البشر، وأخذ يندد باليهود تنديدًا عنيفًا من أوائل الطريق بعد المكي. |
 |
سر قرآني عجيب، وأرى وراء هذه المذاكرة العنيفة سرًّا من أسرار الإعجاز في القرآن الكريم خلاصته -والله أعلم- بمراده وأسرار كتابه: |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
تربية الأمة الجديدة التي تتكون -الأمة المسلمة- والتي ستحمل أمانة الوحي في الأرض وإيقاظ مشاعرها وغرس كل معاني النفور من التحريف والعصيان في وجدانها، حتى لا تضل كما ضل بنو إسرائيل، ولا تشرد بالقافلة البشرية كما شردوا، ولا تجني على جلال الوحي الإلهي كما فعل عباد العجل ومبتكرو الدين.
التمهيد للمرحلة المقبلة من عداوة اليهود لأمة الإسلام، والتي كانت غيبًا محضًا في علم الله -عز وجل- لا يعلمها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من المؤمنين حوله، بل ولا يتصورونها، وبذلك قطع القرآن العظيم الطريق على اليهود، وهم قوم بهت، كما قال عبد الله بن سلام في القصة الشهيرة التي رواها البخاري، وغيره فلم يستطيعوا بعد الهجرة أن يتقولوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يمدحهم في مكة ثم هاجمهم في المدينة لخلافهم معه.
بيان أنَّ هذه القضية من قضايا الاعتقاد والامتداد، وليست من القضايا المرحلية التي تنتهي بانتهاء ظروفها وملابساتها، إذ المسألة تتعلق بإصرار اليهود إصرارًا نهائيًّا على تحريف الوحي الإلهي تحريفًا مطلقًا، وعلى طمس العقائد والأخلاق تحت شعار خطير بنسبتها إلى الله -عز وجل- وإلى رسله الأكرمين، ينسبونها كذبًا وزورًا، ومن هنا تأتي حملة القرآن عليهم في مرحلة التكوين والتأسيس المكية؛ لتكون تأسيسًا لمعنى ديني عميق في النفسية الإسلامية تجاه اليهود، فلا يصدق أقوالهم ولا يأمن جانبهم، بل يكونوا على حذر منه دائمًا، وقد علموا من تاريخهم كيف استضعفوا أنبياءهم، بل قتلوا رسلهم، وتطاولوا على ربهم، وعبدوا العجل، وفجروا في الأرض، وهذا ضرب من إعجاز القرآن، يتبدل الناس في هذا الزمان، وينهضوا في أوانه ليعمل عمله بإذن الله في تاريخ الأرض وواقع الحياة وتوجيه الأحداث كما أدى هذا العمل أول مرة.
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
الجانب الأدبي الفكري حيث ألقوا في روع الأميين "أنَّهم أهل الدين والعلم والكتاب الأول وهم أبناء الأنبياء وأصحاب المعرفة والثقافة" وهذا صحيح، وكانت هذه حقائق أريد بها باطل، فقد اتخذها اليهود وسيلة للاستعلاء على العرب وللسيطرة على شئونهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا ثم كانت هذه أيضًا حقائق مبتورة غاب عنها جانبها الخطير من قتلهم للأنبياء وكفرهم بالله وإفسادهم في الأرض واعترافهم للتحريف والتزييف، وهذا ما كتمه اليهود عن العرب تمامًا لتظل زاهية مبهرجة تغطي أعين الأميين الجهال.
الحيل والدسائس والغدر والتفريق والوقيعة التي مرد عليها اليهود في كل أجيالهم، وقد استخدموا الجانب الديني نفسه لخدمة هذه الحيل، ولم يقصدوا قط إلى إرشاد الأميين إلى دين الله -عز وجل؛ لأن اليهود كانوا منذ قرون خلت قد حرفوا دين الله، وطمسوا أعلام الحق ثم احتكروه لأنفسهم من دون الناس أجمعين، كما هو معلوم مقرر في تاريخهم من: أنَّهم لا يريدون تبشير الأمم بدينهم؛ لأنَّهم يستعلون بها أو به عليهم.
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
ومن هنا نجد القرآن العظيم يعاجل اليهود بطمس هذه الصورة المبهرجة التي غرسوها في وجدان الأميين، ويضع من أول الطريق بين أيدي المؤمنين حقائق هذه الشخصية المتماثلة عبر الأجيال، ويقص عليهم من تاريخهم الشواهد والأدلة، كما قال تعالى: ((وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [النمل: ٧٥- ٧٧] ومن المفيد تأمل هذه الآيات الكريمة جيدًا فالآية الأولى: ((وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) تقرر علمه تعالى بكل شيء، وبذلك قطعت على بني إسرائيل لجاجتهم المعهودة في إنكار كل شيء لا يرضي أهواءهم، ثم هي تقرر في نفس الوقت للمؤمنين نوعية ما سيقصه عليهم القرآن الكريم، وأنه الحق المبين الذي لا شك فيه ولا ارتياب، والآية الثالثة تبين أنَّ القرآن فيه الهدى والرحمة للمؤمنين، حين يفهمون عنه ويأخذون منه، فينقذهم مما أوقعه بنو إسرائيل من ضروب التحريف والانحراف والتجافي عن الأخلاق والدين والتوحيد وما إلى ذلك، أي: أنَّ القرآن وحده إذا التبست السبل هو الهدى والرحمة للمؤمنين، وهو المخرج الأمين مما قد يغشاهم من فتن وظلمات. |
 |
أما أكثر الذي هم يختلفون كما جاء في الآية الثانية، فقد ذكره القرآن الكريم في سور شتى، تارة على ... |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
|
...
سبيل الإجمال الصريح في دلالته أو الدقيق في إشارته، وتارة على سبيل التفصيل الذي يتتبع الوقائع والأضاليل بالكشف والتحليل، بل وبالتحديد الذي يصل أحيانًا إلى ذكر الأسماء والأزمان والأوقات، وسنبين هذين الأمرين بإيجاز: |
سبيل الإجمال
 |
نحن لا نريد هنا الاستقصاء والاستيعاب؛ لأنه واسع جدًّا إنما نأخذ أمثلة من القرآن المكي للدلالة على ما فعله بنو إسرائيل من تحريفات شتى، ففي سورة الأنعام، وهي مكية، وكل السور التي نذكرها مكية بعد ذلك، ففي سورة الأنعام يذكر سبحانه وتعالى ما حرمه على اليهود جزاء ظلمهم وطغيانهم فيقول: ((وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)) [الأنعام: ١٤٦، ١٤٧]. |
 |
وفي الآية الثانية اليهود الدائمة حين يسارعون بإنكار شناعاتهم وبتكذيب غيرهم، وقد فعلوا ذلك بعد الهجرة فعلًا وتماروا بالحق الذي جاءهم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما أبلغ كلمات القرآن في حسم هذا اللجاج القبيح!! حيث يؤكد خبر التحريم عليهم السابق بجملة تضم كمية وافرة من أساليب التأكيد، بل فيها بعدد حروفها تقريبًا تأكيدات، وهي قوله تعالى: ((وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)). |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
وفي أول سورة مريم يشير القرآن الكريم إشارة صارمة إلى هذه النفسية اليهودية الهوجاء على لسان زكريا -عليه السلام- وقد أهمه الكِبَر وانخرام العمر، وعدم وجود داعية صدق يقوم بعده على أمر الدين في هذا الشعب الجهول، فيقول -عليه السلام- في مناجاة ربه ومولاه: ((وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي)) [مريم: ٦] يقصد أهله من بني إسرائيل الذين يخافهم على إفساد الأمر من بعده، وقد صح ما توقعه -عليه الصلاة والسلام- وزيادة، فقد عصفوا به في حياته، وقتلوا وليه من بعده، ابنه النبي الطاهر الكريم، يحيى -عليه السلام. |
 |
وفي سورة الإسراء يذكر الله تعالى دأب بني إسرائيل في الإفساد، ثم يذكر القمع الإلهي المتكرر عليهم بذنوبهم، فيقول سبحانه: ((وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) [الإسراء: ٤- ١٠]، وهذه الآيات المكية التي تتحدث عن اليهود قبل الصدام معهم بسنين؛ لأنها جاءت في مكة، قبل أن يهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الآيات جديرة بغاية التأمل والتدبر، وقد فسرها بعض العلماء بأنها حديث عن تاريخ بني إسرائيل السابق على الإسلام، والمراد بالكتاب التوراة، وهذا محتمل ودلالته واضحة في ... |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
|
...
كشف مساوئ بني إسرائيل التاريخية، ولكن بعض المحققين من المفسرين يرون: أنَّ المراد بالكتاب هو القرآن الكريم، فتكون الآيات إخبارًا بالغيب عن مستقبل الأحداث ودليل هؤلاء: |
أن فساد بني إسرائيل وتسليط الأعداء عليهم في الماضي لا ينحصر في مرتين، وإنما تكرر كثيرًا في كل أدوار تاريخهم تقريبًا.
لأنه لا يوجد دليل واحد صحيح يقطع بصرف الآيات إلى حكاية التاريخ الماضي فقط، فابن كثير -مثلًا- يقول بعد أن ذكر الآيات وذكر غرائب في ذلك: وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما هو يقاربه لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
وبناء على هذا تكون المرة الأولى من الإفساد هي ما حدث منهم في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة، وقد سلط الله تعالى عليهم المسلمين، فجاسوا خلال الديار في المدينة، وخيبر، وفدك، وتيماء، وفي كل مكان كان يتملكه اليهود، والمرة الثانية هي ما يفعلونه الآن بعد أن أصبحت لهم الكرة على المسلمين العصاة المفرطين في دينهم، ولذلك أمد اليهود بالأموال والبنين، وهكذا. |
 |
وهذه الكرة الجديدة عادت بهم إلى ضرب من الإفساد العالمي في الأرض كلها يربو على كل ما عرف عنهم من قبل: ((وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)) [آل عمران: ١٣]، ولعل المؤمنين لا تخفى عليهم الدلالة الرائعة لتعقيب الآيات كلها بذكر القرآن العظيم، وهدايته وبشارته ونذارته، ولتتأمل جيدًا كلمات القرآن: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) [الإسراء: ٩، ١٠]. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
|
...
فيرد عليهم النبي الكريم يقول -كما قال الله: ((قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)) [الأعراف: ١٢٩]. |
 |
ثم تعرض السورة الكريمة مصداق هذا الوعد والرجاء فتذكر الآيات البينات التي ساقها الله على فرعون وقومه تأديبًا وتذكيرًا من: السنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، إلى أن يأتي الميعاد، فيرى بنو إسرائيل بأعينهم مصرع الطاغية وجنوده، ثم قال تعالى: ((فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)) [الأعراف: ١٣٦] ولا ريب أن بني إسرائيل قد عنوا من جور فرعون عذابًا أليمًا صبروا صبرًا طويلًا، وما أجمل القرآن حين يسجل لهم هذا الموقف مذكرًا بنعمة الله عليهم في ختام هذه المشاهد، يقول تعالى: ((وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)) [الأعراف: ١٣٧]. |
سورتا "الأعراف" و"طه" وما تضمنتاه من بيان انحراف اليهود من قديم
 |
إنَّ آية واحدة من هذه الآيات كانت كافية لهداية أمة ولإقناع جيل كامل فكيف بهذه السلسلة المتتابعة من القوارع الخارقة، والمعجزات الباهرة!! ولكن هذا الشعب -كما جاء عنه في كتبهم- صُلْب الرقبة، أغلف القلب، سريع الزيغ، يقابل تتابع الآيات ببلادة الحس وانطماس الفهم وظلمة الوجدان، وآيات ذلك ما عرضته السورة الكريمة بعد هذا مباشرة من كوارث ... |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
|
...
جيل شهد الوحي والمعجزات وعاين الآيات المفصلات، وكفى بمشهدهم وهم يسلكون طريقًا في البحر يبسًا والماء من حولهم كالطود العظيم، وعلى الشاطئ الآخر: يرون بأعينهم العزاء والجزاء، وتشتفي صدور المعذبين وهم يرون الطواغيت تطويهم لجة الماء، ولكن بني إسرائيل كانت تهيم في ليل بهيم، وتشرد في واد سحيق، فما كادوا يعبرون البحر، والذكرى ماثلة، والنعمة سابغة حتى مروا على قوم وثنيين يعبدون تماثيل نحاسية على صورة البقر، كما قال المفسرون؛ الطبري وغيره، وحينئذ ارتدت مشاعرهم إلى وثنية طامسة دامسة، ويقص القرآن علينا هذا: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) [الأعراف: ١٣٨] والمراد وصفهم بالجهالة النفسية التي تدفع صاحبها إلى الطيش والحمق والسفاهة مهما كانت النتائج والعواقب، وكذلك بنو إسرائيل أشد خلق الله عنادًا وجهلًا وتلونًا -كما يقول الإمام الشوكاني في تفسيره (فتح القدير)- وإلا فهم كانوا يجهلون التوحيد، وهو قاعدة الدين ولب الإيمان، وما كانوا يجهلون جلال الله -عز وجل- ونعمه تطوق أعناقهم، وتملأ حياتهم وصلى الله على موسى وهو يرد عليهم في أسًى كظيم: ((قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ)) [الأعراف: ١٤٠، ١٤١]. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
وتمضي سورة الأعراف مع مشهد آخر يبين أنَّ هذه الوثنية لم تكن جهالة عابرة أو فلتة طائرة خليقة بالستر والإغضاء كأمثالها من الأخطاء، وإنما كانت ظلمة غائرة متأصلة الجذور في أعماق بني إسرائيل، تقص السورة ذهاب موسى لميقات ربه، وأنه استخلف على قومه أخاه النبي الكريم هارون، وتسجل لفظًا له دلالة عجيبة في وصية موصى لأخيه قال تعالى: ((وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)) [الأعراف: ١٤٢]. |
 |
ولنتأمل جيدًا لفظ "المفسدين" وهو وصف ينطبق على اليهود من كل الوجوه، ومن أقدم العصور إلى يومنا هذا، وسنرى -إن شاء الله- كيف أطلقه القرآن عليهم مرارًا وكأنه وصف مميز لهم مع كثرة المفسدين من غيرهم؛ لأنَّ اليهود للأسف الشديد هم أئمة الإفساد وأقطابه بلا منازع، ومن إعجاز القرآن الكريم هنا: حرصه على تحديد مدة الميقات أربعين ليلة وهي مدة بالغة القصر في عمر الأمم، لا تكفي أبدًا لانحراف جيل أو إفساد أمة، ورغم هذا انطلق الإفساد عارمًا في بني إسرائيل، فغلب الطبع الكنود كل النذر، لقد تراءى لحسهم الغليظ صورتان للإله المعبود؛ العجل في مصر التي كانوا فيها، وأصنام البقر على الطريق، ثم موسى الذي زجرهم أول مرة هو الآن في الميقات بعيدًا عنهم، وهارون الفصيح لا تغني فصاحته شيئًا مع شعب صلب الرقبة، وهنا حدث ما قصته السورة الكريمة: ((وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ)) [الأعراف: ١٤٨]. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
ثم تنتهي الآيات إلى تحقيق موسى مع السامري في هذه الضلالة الشنيعة المتعلقة بالتوحيد، ثم الحكم عليه حكمًا رادعًا، وطمس آثار فتنته: ((قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا)) [طه: ٩٧]. |
 |
وهكذا انتهت هذه الفتنة العاصفة المتعلقة بلب الاعتقاد، فهل برئ بنو إسرائيل بعدها من الداء؟!! داء التحريف والتزييف والتغيير حتى الأصول العليا في دين الله. |
 |
تمضي سورة الأعراف المكية في قص مساوئ هذا الشعب العصي، فتبين أنَّ موسى -عليه السلام- بعد أن أخمد الفتنة الوثنية وحرر بني إسرائيل من مهانة عبادة العجل، اختار سبعين رجلًا من خاصة قومه ليجددوا التوبة والاعتذار عن عبادة العجل في ميقات ربه -جل وعلا- فلما ذهب هؤلاء المختارون معه إلى الميقات ارتكبوا أمرًا شنيعًا حين طلبوا رؤية الله -عز وجل- جهرة؛ مما استنزل عليهم رجفة صاعقة صعقتهم، فأخذ موسى يضرع إلى ربه في ذلة ليغتفر المأساة الجديدة ولما يعتذروا بعد عن سابقتها، وفي ذلك يقول تعالى: ((وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ)) [الأعراف: ١٥٥]. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
ولنتأمل مرة أخرى الوصف العجيب الذي أطلقه عليهم أكبر أنبيائهم موسى -عليه السلام- وهو وصف ((السُّفَهَاءُ)) في الآية: ((أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ)) وهو نفس الوصف الذي أطلقه عليهم القرآن الكريم في العهد المدني بعد أكثر من عشرين قرنًا حين جادلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة، فقال عنهم الله سبحانه وتعالى في القرآن: ((سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)) [البقرة: ١٤٢] وكأنَّهم بذلك سلسلة واحدة متشابهة الحلقات، مهما تباعدت الأزمنة أو تنوعت البيئات. |
 |
والحق أننا نجد هذين الوصفين "المفسدين" و"السفهاء" هما أخلق الألقاب ببني إسرائيل إلى يومنا هذا، بعدما شردوا عن طريق الله المستقيم. |
 |
ثم تتابع سورة الأعراف عرض شناعات بني إسرائيل في عصور شتى؛ فتذكر أهل الكتاب من خلال دعوتهم للإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم- بالتكاليف الشاقة والأحكام القاسية التي فرضت عليهم بظلمهم وتحريفهم، والتي ستوضع عنهم في دين اليسر التي بُعث به محمد -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) [الأعراف: ١٥٧]. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
ثم تسجل السورة الكريمة ألوانًا من فيوض النعم التي أسبغها الله تعالى عليهم، وتبرز كيف قابلوها بالجحود والكفران، وهم بعد لا يزالون في التيه الذي ضرب عليهم بذنوبهم، قال تعالى: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) [الأعراف: ١٦٠]. |
 |
ولما أذن الله تعالى بخروجهم من التيه، وانطلقوا إلى الأرض المقدسة أمرهم الله تعالى أن يسكنوا بيت المقدس، أو أريحا، وأباح لهم الطيبات، وأمرهم بالدخول سجدًا مع قولهم "حطة"، ووعدهم بالمغفرة والفضل ولكنهم في كل موطن لا يتقون، بل يحرفون وينحرفون ويظلمون، قال تعالى: ((وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ)) [الأعراف: ١٦١، ١٦٢]. |
 |
وحين استقر بهم المقام، وسكنوا القرى والحواضر بعد ذلك استحلوا محارم الله بأدنى أو أدنأ الحيل؛ فاعتدوا في السبت الذي حرم عليهم، وتهافتوا أمام الاختبار الذي ابتلوا به لكثرة ذنوبهم وفسقهم، وهذا ما سجلته الصورة الكريمة تأكيدًا للأغراض التي شرحناها من مباكرة اليهود بالتنديد والتقريع وفقر تاريخهم، قال تعالى: ((وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)) [الأعراف: ١٦٣]. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
والقرآن الكريم يمشي على خطته الدائمة في العدل والإنصاف؛ فيسجل للقلة الصالحة فضلها، وما كتب الله لها من النجاة بفضل الله تعالى، ولكن الآيات الكريمة تسجل موقفًا من أغلظ مواقف جمهرة بني إسرائيل لم يقبلوا فيه موعظة ولا تذكيرًا ولم يرتدعوا فيه بنذر الله وبنذر العذاب البئيس الذي نزل عليهم، فكانت القاضية ومسخوا على مكانتهم قردة صاغرين، قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)) [الأعراف: ١٦٤- ١٦٦] وسبحان الله العظيم!! فأي قدر من وقاحة النفس، وقساوة القلب، وفظاعة الذنب هذا الذي أغضب الله وهو الحليم الصبور!! ولماذا لم يقع هذا في غير اليهود على كثرة الخطايا والمذنبين في الأولين والآخرين؟ |
 |
إن المتأمل الآيات الست السابقة فقط يجدها تسجل وتكرر على اليهود أوصافًا متعددة هي: الظلم، التبديل، والاعتداء، والفسق، والتناسي استهانة بالحق، والاستخفاف بنذر العذاب الشديد. |
 |
ثم تنتهي في خاتمة المطاف إلى أظلم الأوصاف وهو العتو، أي: تجاوز الحد في التمرد والاستكبار على أمر الله -تبارك وتعالى- فكان الجزاء من جنس العمل وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
وإذا تقررت هذه المعاني وتمكنت في نفس المسلم تأتي الآية التالية نداء جهيرًا وإعلامًا خطيرًا بأن الله العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة سيبعث على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب جيلًا بعد جيل وإلى يوم القيامة، ولنتأمل هذا الحكم الصارم الذي نزل في كتاب الله تعالى، يقول الله: ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)) [الأعراف: ١٦٧] وهذا الإعلام الإلهي الرهيب المؤكد غاية التأكيد إيذان بحقيقة خطيرة يلح القرآن على تقريرها في مواطن كثيرة، وهي: استواء أجيالهم في الظلم والفسوق، والضلالة والعتو، استواءً يجعل أولاهم وأخراهم في استحقاق العذاب على سواء، فيبعث الله تعالى عليهم من الأمم التي تبتلى بأحقادهم من يروع أمنهم ويلبسهم ثوب الذلة والصغار بما كسبت أيديهم جزاءً وفاقًا. |
 |
ثم تتحدث السورة الكريمة عن الشتات الصارم الذي ضربه الله عليهم وتقلبهم في أفانين الشدة والرخاء رجاء أن يتذكروا ويرجعوا إلى الطريق السوي الذي شرعه الله لهم، قال تعالى: ((وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) [البقرة: ١٦٨] ولكنهم زادوا ضلالًا في شتاتهم واتخذوا أحبارهم أربابًا من دون الله، وابتدعوا في هذه الفترات ابتداعًا خطيرًا في دين الله -عز وجل- فكان الخلف أقسى من السلف، إذ انكبوا على حطام الدنيا وأهملوا الدين والآخرة، وزعموا لأنفسهم مبررات كاذبة لاستحلال الأمم مالًا ودماءً وأعراضًا، وادعوا على الله -عز وجل- دعوى خطيرة بأنه يغفر لهم كل خطيئة، وهذا غاية التحريف، ونحو ... |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
|
...
ذلك مما افتراه أحبار السوء من خلفاء السامري، والذي تجسد في عقائد (التلمود) وأخلاقه وأضاليله فيما بعد، تلك التي نسوا بها مواثيق (التوراة) الكريمة الغليظة بأن لا يفتروا على الله -عز وجل. |
 |
وقد أشارت السورة الكريمة إلى هذا إشارات دقيقة معجزة في صدد التنديد باليهود في ذلك الوقت المبكر من العهد المكي، قال تعالى: ((فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [الأعراف: ١٦٩]. |
 |
وفي ختام هذه الشناعات تعود سورة الأعراف المكية إلى جيلهم الأول مرة أخرى، فتذكر تأبيهم المزعج عن قبول الشريعة الإلهية التي مَنَّ الله تعالى عليهم بها، حتى رفع فوقهم الطور، وخيّروا بين أمرين؛ إما الإبادة الشاملة أو أخذ الشريعة الكاملة، قال تعالى: ((وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [الأعراف: ١٧١] والنتق هو الزعزعة والنقض، واختيار هذا اللفظ يدل على مدى عمق الشدة والصرامة التي عرج بها هذا الأمر وعلى مبلغ بني إسرائيل من المشاقة والعصيان الذي عادوا إليه بعد هبوط الجبل في ضراوة عاتية هي أغرب وأفحش ما عرفه التاريخ الديني كله. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
 |
فهذه شناعات بالغة السوء في الإجمال، ولكنها في التفصيل أكثر من ذلك، قصتها سورة الأعراف المكية عن بني إسرائيل، وبهذا الأسلوب الصارم، وعلى امتداد تاريخي واسع تعددت فيه أجيالهم وتشابهت فيه قلوبهم وجرائمهم كل ذلك لبيان انحرافهم وتحريفهم، وبذلك طمس القرآن الصورة المبهرجة التي رسمها اليهود لأنفسهم في أذهان الأميين العرب بالكذب والتدليس، وهذه آثار لها ما بعدها، وبدايات ترتب عليها الموقف القرآني الشامل من اليهود حين تمت الهجرة، ووقع الصدام الفكري والحربي وبينهم وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه. |
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم
١.١٠ التعريف باليهود وموقف القرآن المكي منهم