٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


وضح مما سبق عظمة التوحيد وإشراقه ونوره، وتفاهة الشرك وحقارته دنيا وآخرة، أو دينًا وعقلًا وواقعًا ودليلًا، ولذلك كان قبول الشرك، وما يتبعه من عبادة الأصنام، والانقياد للخرافات أمر محير للعقول مثير للغرابة والعجب، خاصة بعد ما يأتي رسول بمعجزة ظاهرة، ثم يظهر عواره وعاره -عوار الشرك وعاره- ويبطله بالحق والصدق، ثم نجد أكثر الأمم غارقة في ظلامه متمسكة بأذياله، مجادلة عنه بالباطل بل محاربة في سبيله باللسان والسنان، حتى تزهق من أجله الأرواح وتسفك فيه الدماء، هذا أمر محير وعجيب لماذا؟
لقد تكفل القرآن الكريم ببيان الأسباب والعلل التي أدت إلى هذا الانحراف الهائل عن الفطرة، وعن الحق وعن أشرف العقائد وهو التوحيد، ومن ذلك:

أولًا

وساوس الشيطان: فالشيطان هو أول أعداء الإنسان، وقد رفض السجود لآدم بأمر الله حين أمره، واستكبر على الحق، فطرده الله تعالى من رحمته، وأنظره إلى يوم الدين، ولذلك حذر الله -تبارك وتعالى- منه كل التحذير على لسان كل رسول، وقص علينا في القرآن الكريم قصته تفصيلًا، وأنه أقسم لرب العزة والجلال، فقال: ((فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ)) [ص: ٨٢- ٨٣].



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


وقال الله تعالى: ((إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)) [الحجر: ٤٢] وقال الله تعالى لآدم: ((إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)) [طه: ١١٧]، وقال لنا -نحن بني آدم: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) [فاطر: ٦] وحذر من تزيينه الشرك خاصة، فقال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا)) الآيات تبين ارتباط الشرك بالشيطان ((وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا)) [النساء: ١١٦- ١١٩] ورغم ذلك التحذير الإلهي خدع الشيطان أبانا آدم حتى أخرجه من الجنة لكنه لم يشرك بالله والحمد لله، ثم خدع ذريته حتى زين لهم عبادة الأصنام في فجر التاريخ البشري، كما قدمنا في عهد نوح -عليه السلام- ثم خدع معظم الناس حتى كفروا أو أشركوا، بل عبدوه وهو وذريته، كما قال تعالى: ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ)) [يس: ٦٠- ٦٢]، وهذا حث على استخدام العقل في هذه القضية الخطيرة، وقال تعالى: ((أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)) [الكهف: ٥٠]، ويا حسرة على العباد فقد أغواهم إبليس وأغراهم، وزين لهم الباطل فاتبعوه، وأهملوا وصية ربنا -جل شأنه- كما قال تعالى: ((يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا)) [النساء: ١٢٠] وقال تعالى: ((وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ)) [سبأ: ٢٠، ٢١].



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


وقد بلغت الغفلة ببعض الناس إلى الحد الذي أنكروا فيه وجود الشيطان، وزعموه أمرًا خياليًّا أو رمزًا لقوى الشر في الإنسان، ونحو ذلك، وهذا من جملة خداع إبليس، وتنعمه بعقول الناس، وقد حذر الله تعالى من هذا فقال: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ)) [محمد: ٢٤، ٢٥] ولذلك أمرنا الله تعالى بأن نستعيذ بالله منه ومن همزاته، وأنزل لنا في ذلك سورة الناس، وجعلها ختام المصحف حتى لا ننسى فقال تعالى: ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)) [الناس: ١- ٦] وما أرحم الله بنا حين علمنا أن نحتمي من الشيطان بذاته العظمى وبصفاته العليا: الرب، والملك، والإله.

ثانيًّا

الجهل: الأسباب الحاملة على الشرك -بعد الشيطان- الجهل، يطلق هذا اللفظ -الجهل- على خلو النفس من المعرفة بشيء ما، فيكون ضد العلم أو على الضلال الذي هو ضد الهدى، يقال: أرض مجهل، أي: لا يهتدى فيها، ومفازة مجهل، أي: لا أعلام فيها تميز طرقها، أو يطلق الجهل على الحماقة والطيش والعدوان، ومنه قول الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا       فنجهل فوق جهل الجاهلينا


٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


ومنه المجهلة، وهو الأمر الذي يحمل على الجهل، كقولهم: الولد مجبنة مجهلة، وقال الراغب الأصفهاني في كتابه (مفردات القرآن): الجهل على ثلاثة أضرب:
هو خلو النفس من العلم.
اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يُفعل، سواء اعتقده اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا.

ولقد دخل الشرك على الناس من هذا الطريق المظلم بأي معنى فسر طريق الجهل، كالأعراب الجفاة المنقطعين في صحرائهم، وفي أمثالهم يقول الله تعالى: ((الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ)) [التوبة: ٩٧]، وكالسفهاء من ذوي الطيش والتسرع، ومنهم بنو إسرائيل حين قالوا لنبيهم موسى -عليه السلام- بعد أن جاوزوا البحر ونجوا من فرعون ما قصه علينا القرآن الكريم: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) [الأعراف: ٣٨] فبنو إسرائيل ما كانوا يجهلون التوحيد -وهو أصل الدين، ولا يجهلون شناعة الشرك وعبادة الأصنام إنما طلبوا ذلك سفاهة وطيشًا وعدوانًا، ولذلك صنعوا العجل الذهبي وعبدوه من دين الله تعالى حين ذهب موسى إلى ميقات ربه بعد هذه الحادثة بقليل.



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


ومن هذا الشرك المبني على الجهل بنوعيه الثاني والثالث: قوله تعالى عن نبي الله هود وعن قومه: ((قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) [الأحقاف: ٢٢]، فرد عليهم النبي الكريم ما قاله القرآن: ((قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)) [الأحقاف: ٢٣] أي: أراكم قومًا ضالين عن الحق أو سفهاء لا تعقلون حين تشركون بالله غيره، ومع ذلك تستعجلون العذاب.

ثالثًا
اتباع الأهواء والشهوات: إن الإنسان قد تخدعه رغباته أو شهواته فيضل على علم، ويقع في الشرك والمعاصي حين يتخذ إلهه هواه أو تكون له مصلحة عاجلة يريد اقتناصها أو لذة يريد تحقيقها فيسعى إلى كل ذنب عامدًا، ولذلك حذر الله تعالى من موالاة المشركين أو اتخاذهم وليجة وبطانة، فيجرون المسلم إلى الشرك والضلالة من حيث يشعر أو لا يشعر.
ومن هذا الباب تحريم نكاح المشرك والمشركة؛ لأن هذه مخالطة شديدة لا تؤمن عواقبها الخطيرة، قال تعالى: ((وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ)) [البقرة: ٢٢١] وقال تعالى: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) [الجاثية: ٢٣] وقال تعالى محذرًا من موالاة الشيطان، وما يماثله من ...


٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


... الجن أو من شياطين الإنس، قال تعالى: ((إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)) [النحل: ١٠٠]، وقال تعالى: ((قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)) [سبأ: ٤١].
وبالتدقيق في فهم هذه الآيات الكريمة وأمثالها يتبين أن هذا الطريق هو أحد الأسباب والمداخل المخيفة للسقوط في براثن الشرك من الرؤساء ذوي المصالح والشهوات أو حتى من الأتباع الذين يسارعون في هواهم رغبًا أو رهبًا في كل العصور.

رابعًا
استكبار الطواغيت والرؤساء: وهذا داء قديم أهلك إبليس من قبل، كما قال تعالى: ((إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) [البقرة: ٣٤] وقد حملته هذه العلة إلى جدال الرب -عز وجل- وتفضيل عنصره الناري على الطين الذي خلق الله منه آدم -عليه السلام- ولا تزال هذه العلة هي الداء القاتل لطواغيت الإنس والجن ولكثير من الزعماء والرؤساء في كل العصور حين تفجر في قلوبهم حمية الجاهلية وتحملهم على ارتكاب عظائم الشرور وفظائع الأمور، الشرك بالله تعالى أو تكذيب الرسل -عليهم السلام، أو تعذيب المؤمنين والمؤمنات بردهم عن التوحيد والإيمان، والمكر الخبيث لصد أتباعهم أنفسهم عن الهدى، وتزيين الضلالات لهم، وما يتبع ذلك كله من الجدال بالباطل والافتراء والكذب على الرسل والمؤمنين ورميهم بأبشع الأوصاف والاتهامات.

٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


وأشنع أنواع الاستكبار ما كان عقدة في النفس تغلق على صاحبها منافذ الفكر والعقل والبصر الصحيح، فلا يرى إلا نفسه مضخمًا ويراها دائمًا أعظم من غيرها، بل يرى غيرها حقيرًا صغيرًا قميئًا، قال تعالى: ((وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا)) [الفرقان: ٢١] أي: أنَّهم ما طلبوا نزول الملائكة أو ما طلبوا رؤية الرب -عز وجل- إلا لأنهم وضعوا لأنفسهم كذبًا وزورًا منزلة عليا، وضخموا أنفسهم في أنفسهم فتجاوزا الحد في الطغيان، ولما لم يجابوا إلى هذا أمعنوا في الشرك والضلال، وهذا دأب الفراعنة وأمثالهم في كل العصور، كما قال تعالى عن زعماء الشرك في مكة، الذين قالوا هذه المقالة يقول عنهم: ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)) [الفرقان: ٤٣، ٤٤] وهذه حقيقة، وهي نقيض ما صورته لهم أوهامهم من الكبر والشرك بالله، وقال تعالى: ((الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) [غافر: ٥٦].
وشر الكبر على صاحبه وعلى الناس ما كان تكبرًا على الله؛ ببطر وحدانيته، واتخاذه الشركاء من دونه والامتناع عن قبول الحق الذي بعث به رسلهم -عليهم الصلاة والسلام- قال تعالى: ((إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)) [الصافات: ٣٥].
وفي محاورة المستكبرين مع المستضعفين في النار التي قصها الله علينا؛ لنأخذ منها العظة والعبرة في الدنيا، يقول ربنا: ((وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا)) أمرًا يعني ((إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا)) [سبأ: ٣٣].


٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


خامسًا
الجمود على إرث السابقين الضالين من آبائهم وأسلافهم: فقد شاع الشرك في الأمم والشعوب واتخذ الناس من دون الله أندادًا يعبدونهم، ومضت على ذلك أجيال وقرون فصار الباطل تراثًا موروثًا وإرثًا منقولًا وتقليدًا راسخًا مقبولًا، فإذا جاء الأمة رسولها وقف هذا الإفك القديم حجر عثرة في وجه الدعوة الهادية، واحتج الحاضرون بأسلافهم الضالين، ولذلك دعا القرآن الكريم إلى استعمال العقل والفكر، وإلى نبذ التقليد والجمود، وندد بخطايا السابقين، وحمل المخاطبين المسئولية عن أنفسهم؛ لينقذ الناس من ضراوة هذا الجمود والتحجر؛ لأنَّ هذا السبب أيضًا كان من أخطر الأسباب في استمرار الشرك والضلال عند الرؤساء والدهاة الذين يشجعون المستضعفين على الثبات على تراث أسلافهم حتى تظل للمستكبرين الصولة عليهم، ولذلك كان المترفون هم الذين يتصدرون لمواجهة الرسل في هذه القضية في كل العصور قال تعالى -على سبيل الحصر والتعميم: ((وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)) [الزخرف: ٢٣- ٢٥].
والمعنى: أنه ما من رسول بعث في قرية من قبل إلا قال طواغيتها ورؤساؤها وأغنياؤها الذين أبطرهم الترف والنعمة والمال قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وطريقة مجتمع عليها وإنا على سننهم وأعمالهم ثابتون نقتدي بهم ولا نغير ذلك أبدًا، فقال لهم رسولهم: أتقتدون بهم ولو جئتكم بدين أهدى وأرشد مما وجدتم عليه آباؤكم من الضلال؟ فردوا عليه: إنا بما أرسلتم به كافرون، ولو ...


٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


... كان أهدى من تراث آبائنا، فلن نتركه أبدًا، وبذلك لم يردوا بحجة عقلية، كما قال المفسرون، ولا بحجة نقلية، وإنما استندوا لمحض التقليد والجمود على ضلالات آبائهم، والتقليد هو قبول قول الغير بلا دليل ولا حجة، وقد أكثر القرآن الكريم إيراد هذه الذريعة على لسان الكفار، وأنكرها عليهم إنكارًا شديدًا وعلى ألسنة الرسل أيضًا، وندد بآبائهم تنديدًا قارعًا شديدًا، وهددهم تهديدًا صارمًا ليقتلع منهم هذه العادة الجاهلية المهلكة، قال تعالى: ((إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ)) [الصافات: ٦٩، ٧٠] يهرعون يعني: يسرعون إليها مسارعة ليس بكسل، وإنما يسرعون إلى الضلال بشدة وحمية، يقول الله تعالى: ((إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ)) [الصافات: ٦٩، ٧٣].
ولقد كان هذا الشرك المظلم وعبادة الأصنام أول ما ابتلي به إبراهيم -عليه السلام- من جمود وتحجر قومه كما قال تعالى: ((إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الأنبياء: ٥٢- ٥٤] وبمثل هذا واجه يوسف -عليه السلام- المشركين، وهو في السجن: ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمُ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)) [يوسف: ٣٩، ٤٠].

٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك


ولقد كان مشركو العرب أكثر الناس استمساكًا بهذه الحجة الفاسدة ولذلك رد الله عليهم في كتابه الكريم هذه الأوهام دائمًا، فقال تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) [البقرة: ١٧٠، ١٧١].
وقد أراد الله تعالى أن يقطع دابر هذه الشبهة بالنسبة للناس جميعًا فقص علينا قصة العهد والميثاق الذي أخذه على ذرية آدم، وحذرهم من الاحتجاج بتقليد الأسلاف خاصة في هذا الباب -باب الشرك بكل ألوانه- قال تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) [الأعراف: ١٧٢- ١٧٤].

سادساً

الاحتجاج بالباطل الذي كان يثيره الكفار فيقولون: ((لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)) [النحل: ٣٥] وغير ذلك من الاحتجاج بالباطل الذي رد عليه القرآن في مواضع كثيرة.


٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك



٢.٩ الأسباب الحاملة على الشرك