١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


معنى بيان القرآن، ومعنى الشرك
فقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم هداية ونورًا للعالمين، فقال تعالى: ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)) [البقرة: ١٨٥] والبينة هي الدلالة الواضحة، عقلية كانت أو محسوسة، كما قال الراغب -رحمه الله تعالى.
والقرآن الكريم يزيد على الدلالة الواضحة؛ بما أودع الله فيه من الحق والصدق، والعلم بحقائق الأشياء ومطابقة الواقع، ولعل هذا هو ملحظ الجمع في الآية الكريمة في قوله تعالى: ((بَيِّنَاتٍ)) جمعت، ووصفها بالهدى الذي هو ضد الضلال وبالفرقان الذي يفرق ويفصل بين الحق والباطل، وهذا عين ما قرره القرآن قبل ذلك في الآية المكية: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)) [النحل: ٨٩] فالتبيان أبلغ من البيان؛ لأنَّ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ ولذلك كان القرآن الكريم هو معيار الأشياء، وميزان الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)) [المائدة: ٤٨] أي: رقيبًا على ما تقدمه من الكتب، وشاهدًا لها أو عليها إذا وقع فيها خلل أو تحريف.


١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


بيان القرآن لانحرافات المشركين، وطرق الرد عليهم
قال الراغب -رحمه الله تعالى- في كتابه الجليل (مفردات القرآن): الشرك هو خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا عينًا أو معنى، وشرك الإنسان في الدين ضربان؛ أحدهما: الشرك العظيم وهو اعتقاد شريك لله تعالى، وذلك أعظم كفرٍ، قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)) [النساء: ٤٨] والثاني: الشرك الصغير وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو: الرياء والنفاق، ولفظ الشرك من الألفاظ المشتركة، وقوله تعالى: ((فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)) [الكهف: ١١٠] فهذا محمول على الشركين، انتهى كلام الراغب. ويقصد الشرك الأكبر والأصغر.
والشرك بهذا المعنى يسمّى أصحابه المشركين، و(الشرك والمشركون) مصطلحان إسلاميان، يراد بهما عند الإطلاق المعنى الأول وهو الشرك الأكبر المستوجب الخلود الأبدي في النار -والعياذ بالله تعالى.

وحدانية الله الأصل الأول، والشرك طارئ دخيل على الناس من قديم
حديث القرآن الكريم عن الشرك والمشركين والشركاء والطواغيت والأصنام والأوثان حديث واسع خطير؛ لأنه حديث عن أفدح جناية يقع فيها الإنس والجان أو يزينها لهم الشيطان، وقد وقعوا فيها ومالوا بها كل الميل عن دين الرحمن.

١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


وسنتناول هنا ما يتناسب فقط مع عنوان المحاضرة -الذي هو عنوان المحاضرة عن المشركين.
كيف نشأ الشرك وامتد في الأمم؟
أولًا: وحدانية الله تعالى هي أصل الأصول، فقد خلق الله الكون كله وجعله شاهدًا على وحدانيته، وخلق آدم وعلمه الأسماء كلها، وأخذ على ذريته العهد والميثاق؛ لتفرده سبحانه وتعالى، فكان البشر على هذا اليقين دهرًا طويلًا كما قال تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)) [الأعراف: ١٧٢] فتقرر من هذا سبق الإيمان بالله تعالى، وبأنه واحد لا شريك له في خلقه وعبادته؛ لأنه الرب المتفرد والإله الحق المعبود.
ثانيًا: الشرك طارئ دخيل، فقد تفرق بنو آدم في فجاج الأرض، ودخلت عليهم الذنوب والمعاصي، ثم كفروا بشرائع ربهم، ثم كفروا به جل شأنه حين ضلوا في صفاته، ثم انتهوا إلى قاع الضياع والضلال حين أشركوا مع الله تعالى غيره في عبادته أو نسبوا إليهم شيئًا من صفاته وأفعاله سبحانه وتعالى، وقد نشأ هذا البلاء من قديم، وقد بعث نوح عليه السلام وقومه يعبدون الأصنام ويشركون بالله الواحد القهار، قال تعالى: ((قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا)) [نوح: ٢١- ٢٤] والمكر هو الحيلة الخفية، ووصفه بالكبار؛ لأنه بلغ الغاية في التدبير والتدمير.

١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


قال المفسرون: ومعنى مكرهم الكبار مبالغتهم في الاحتيال لمنع الناس عن الإيمان وتجريئهم على أذية نوح.
ولما كان التوحيد أعظم المراتب كان المنع منه والأمر بالشرك أفحش الكبائر، ولذلك قال الرؤساء للأتباع والسفلة: ((لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)) أي: لا تتركوا الشرك إلى التوحيد الذي يدعوكم إليه نوح، ثم عينوا لهم وحددوا تحديدًا ((وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)) وهذه الأسماء هم في الأصل قوم من أبناء آدم -عليه السلام- أو من أحفاده بين آدم ونوح، وكانوا قومًا صالحين، فلما ماتوا حزن عليهم الناس، فزين لهم الشيطان أن يصوروهم ليظلوا قدوة لهم، ثم لما ذهبت الأجيال، وقل العلم وكثر الجهل، زين لهم الشيطان عبادة هذه الصور من دون الله تعالى، فلما بُعِث نوح -عليه السلام- أبوا أن يتركوا عبادتهم، وهكذا نشأ الشرك وعبادة الأصنام، وصار ذلك عقيدة وعبادة أضلت البشر، وكانت سببًا في استئصالهم بالطوفان -والعياذ بالله تعالى.
تتابع الأجيال في هذا الضلال، ومن أعجب العجب في التاريخ الإنساني أن يظل هؤلاء المشركون يجادلون نوحًا -عليه السلام- في ذلك ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، وبكل هذه الضراوة والإصرار، بل يحتال رؤساؤهم لذلك غاية الحيل، ويوقدون لأتباعهم النهي في الإجمال والتفصيل حتى أخذهم الطوفان وهم ظالمون.

١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


ولكن أعجب من ذلك وأفحش أن تأتي الأجيال بعد هذه العقوبة الماحقة وبعد الطوفان الهادر فتكرر نفس الخطيئة، وتزاول نفس الخسة المظلمة، ثم هم يجادلون رسلهم بالباطل ليدحضوا به الحق المبين، المؤيد بالبينات والبراهين، فقد جاء بعد قوم نوح العمالقة الجبارون من قبائل عاد، الذين مَكّن الله لهم في الأرض ومدهم بالأرزاق والخيرات والقوة، فعادوا لعبادة الأصنام، واتخذوا من دون الله تعالى آلهة لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئًا، ورغم وضوح الضلال لهم ومعرفتهم بتاريخ من قبلهم، وإخلاص رسولهم الكريم لهم في الدعوة والنصيحة والأمانة، إلا أنَّهم عادوا يجادلونهم بهذا الإفك جدالًا فاحشًا، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) [الأعراف: ٦٥- ٧٠].
بل من أغرب الغرائب أن يدور الجدال والحجاج والتحدي بهذه الأحجار الصماء التي زعموها آلهة، قال تعالى: ((قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)) [هود: ٥٣، ٥٤].

١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


ويخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه: أنه بقدر ما أصر الرسل على دعوة الناس إلى توحيد الله ونبذ الشرك في صدارة دعوتهم، كما قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)) [النحل: ٣٦].
فبقدر هذه الدعوة بقدر ما كانت الأمم تصر على شركها، وتصر على الاستمساك بأصنامها وأحجارها التي زعموها آلهة وعبدوها من دون الله رب العالمين، حتى قال الله تبارك وتعالى عنهم بالإجمال: ((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ)) [الروم: ٤٢].
وقد ذكر الله تبارك وتعالى الكثير منهم بالتفصيل حين يسمي الرسول وأمته وما أعطيتْ من نعم الله وجاءها من البينات والنذر، ثم هي تصر على هذا الإفك العجيب، ومن هؤلاء: قوم صالح -عليه السلام، ولقد ذكرهم صالح -عليه السلام- بأسلافهم عاد، الذين أهلكهم الله بريح صرصر عاتية، فلم يتذكروا وغلوا في الشرك مثل سابقيهم، قال تعالى عن ذلك على لسان صالح -عليه السلام: ((وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) [الأعراف: ٧٤].

١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


ويسجل الله تبارك وتعالى جوابهم الغريب لنبيهم الكريم: ((قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)) [هود: ٦٢] وانتهوا إلى مصارع السابقين عليهم كما قال تعالى: ((فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) [فصلت: ١٧].
أما إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- فقد كان له مع الشرك والأصنام وصناعها وعبادها قصص مريرة، وجدال طويل، حتى حطم تماثيلهم، وأثبت لهم بالحجة العملية أنَّها حجارة بلهاء، لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئًا، أو كما قال تعالى على لسانه لقومه: ((أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ)) [الصافات: ٨٦] ((قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [الأنبياء: ٦٦، ٦٧]، ولكنهم نكسوا على رءوسهم وعموا وصموا، فلم ينتفعوا بعقولهم بل ازدادوا عماية وضلالًا كما قال تعالى: ((قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ)) [الأنبياء: ٦٨- ٧٠].
وقد قص القرآن علينا قصص شتى عن الرسل مع أقوامهم في هذا الباب، مثل: يوسف وشعيب وموسى وإلياس، وكانت النتيجة واحدة، ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ ...


١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


... لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) [إبراهيم: ٩، ١٠] وهذا السلطان المبين، أي: المعجزة الذي يطلبونها جدلًا وامتراء وافتراء كانت موجودة وعلى كل رسول، ولكنهم كما قال تعالى: ((وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)) [الأعراف: ١٤٦].
ولذلك يسجل القرآن الكريم عليهم هذه النتيجة المظلمة في عديد من الآيات، مثل قوله تعالى: ((تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ)) [الأعراف: ١٠١] ويقول عز شأنه: ((وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)) [يونس: ١٣].
ولقد ظل القرآن الكريم يذكر المجرمين بهذه النتيجة المظلمة إلى أواخر العهد المدني، حتى بعدما اندحرت أعلام الشرك في الجزيرة العربية، قال تعالى: ((أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) [التوبة: ٧٠].


١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


صرامة الموقف القرآني من الشرك والمشركين
وقف القرآن الكريم موقفًا بالغ الحسم والصرامة من الشرك بكل ألوانه، وما يتعلق به من رموز خيالية أو واقعية أو اعتقادات وأفكار أو طقوس وعبادات، وندد الله تعالى بالمشركين تنديدًا دائمًا مؤلمًا، فسفه عقولهم وضلل أسلافهم، وذم جمودهم على العمى والصمم، وأبطل أوهامهم وظنونهم، وأقام لهم البراهين الدامغة على فساد عقائدهم وعوائدهم، بل تحداهم المرة بعد المرة أن يقيموا دليلًا -من أي نوع- على سلامة دعاويهم أو صدق أقوالهم، وسد الله عليهم كل منافذ الجدال والحجاج الباطل، وأسقط كل ما يتذرعون به من شبهات يحسبون بها أنَّهم على شيء، كما قال تعالى: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)) [الكهف: ١٠٣، ١٠٤].
لذلك أجمع العلماء -بالبحث العلمي والدراسة المستفيضة: أنَّ القرآن الكريم هو أعظم كتاب في التاريخ كله جلى للناس عقيدة التوحيد وأبطل دعاوى الشرك والمشركين، خاصة وهو أصدق سجل لدعوات الرسل السابقين ومحاورتهم مع الأمم السابقة، وجدال الأمم لهم، ولقد بعث محمد -صلى الله عليه وسلم- على حين فترة من الرسل امتدت نحو ستة قرون بينه وبين آخر أنبياء بني إسرائيل، وهو عيسى -عليه السلام- وكانت الأرض يومئذ في جاهلية مطبقة، توارت لظلماتها أعلام الوحي الإلهي، وضاعت في غمارها جهود المرسلين السابقين، وملة إبراهيم إمام الموحدين وعدو المشركين، وآثار موسى وعيسى اللذين بعثا بالتوراة والإنجيل، كل ذلك تبدد، وبدت الأرض ...


١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


... كالحة مظلمة، يغمرها ظلام الشرك برب العالمين، فأين جهاد المرسلين الناصب طوال التاريخ؟ وأين أهل الكتابين العظيمين في هذا المعترك المخيف؟ لقد عاد الشرك يغشى الناس جميعًا حتى أهل الكتابين، وخان معظم الأحبار والرهبان أمانة الوحي والتوحيد، فقادوا أقوامهم إلى الكفر والشرك الصريح محرفين دين الله العزيز الحكيم، وغصت الأرض بعبادة النار والأحجار وبعبادة الكواكب والأبقار في الفرس والهند والصين ومصر، فضلًّا عن عبادة الطواغيت والجبارين، وصدق القائل حين يخاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم إلا على صنم قد هام في صنم
ولهذه المهمة الجسيمة بعث الله تعالى محمدًا مجددًا لما اندرس في الأرض من عقيدة التوحيد، وماحيًا كل مظاهر الشرك والأصنام، والأنداد والشركاء والمشركين، وجعل -سبحانه وتعالى- أعظم معجزة، وأبلغ حجة في وجه هذه الظلمات الثقيلة، وأوصاه ربه فقال: ((فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)) [الفرقان: ٥٢] يعني: بالقرآن، وقال تعالى: ((بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)) [الأنبياء: ١٨].
والحق هو: التوحيد، والدين، والقرآن، والنبي الخاتم، والمؤمنون معه، والباطل هو: الشرك، وما تفرع منه، والمشركون وأشياعهم، والقذف هنا إشارة إلى المعركة الهائلة التي نشبت بين الحق والباطل فدمغته، أي: كسرت دماغه، وأفضت به إلى الهلاك والعدم بالكلية، وهكذا كان، وصدق الله وعده، وسجل هذا كله في كتابه الحكيم القرآن العظيم على ما نبين بعضه فيما يأتي -إن شاء الله تعالى.


١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


تفرد الله تعالى بالخلق، وعجز الشركاء من دونه، وحقارة الأصنام
إن اتصاف الله تعالى بالخلق والإيجاد مدخل أساسي لإثبات تفرده بالوحدانية المطلقة، وبالقدرة الشاملة، وإذا ثبت هذا بطل نقيضه وهو الشرك وما يؤدي إليه، ولذلك أكثر القرآن الكريم من محاجة المشركين بالخلق الذي يدل على تفرده تعالى بالوحدانية بلا شريك ولا ند ولا نظير، ويدل على عجز ما زعموه من الشركاء أو سموه آلهة، قال تعالى: ((قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ)) [النمل: ٥٩] فالآية الكريمة إثبات الحمد والثناء لله، وتكريم لرسله الذين بعثهم بالحق فبلغوه، خاصة في قضية التوحيد وإبطال الشرك.
ثم ساق الله تعالى أدلة وحدانيته من خلال خلقه العظيم وهو في نفس الوقت إبطال لنقيض الوحدانية، أعني: تعدد الآلهة الذي يقوم عليه الشرك، قال تعالى: ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [النمل: ٦٠- ٦٤].

١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


وهذه الآيات الكريمة تبلغ ذروة الإيجاز والإعجاز؛ لأنها تعرض خلق الله تعالى وآثاره في السموات والأرض إجمالًا وتفصيلًا وتتضمن الدليل الحسي الكوني المباشر الذي يعلم بالبديهة، وتتضمن الدليل النفسي الذي يعرفه المضطر إذا وقع في جائحة، وتتضمن الدليل العقلي الذي يقوم على مقدمات فكرية على ما بيناه قبل ذلك.
وفي كل مرة يسألهم ليقارنوا وليقروا: ((أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ)) وفي الآية يعلمهم الجواب ((تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) وإذا بقيت في نفوس الجامدين المجادلين بقية من هوى أو مكابرة؛ فإنَّ القرآن الكريم أن يقيموا أدنى برهان على الشرك، كما قال في الآيات: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) ولما كانوا عاجزين عن ذلك على الإطلاق، فلم يبقَ أمامهم إلا الاعتراف بالإله الواحد، وبطلان ما هم عليه من الشرك، وعجز شركائهم إلا إذا اختاروا طريق المكابرة والمهاترة والعناد الفج فلهم الويل مما يصفون.
ومن الآيات ذات الدلالة الحاسمة في هذا المعنى قوله تعالى: ((قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)) [الرعد: ١٦]، وقال تعالى: ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا)) [الفرقان: ٣]، وقال عز وجل: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) [النحل: ٢٠، ٢١]،...


١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


... ثم يقرر الحقيقة الساطعة فيقول: ((إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)) [النحل: ٢٢].
والآيات الكريمة كلها تدور على تفرد الله تعالى بالخلق، لذلك فهو الإله الواحد الحق، وتدور على عجز الشركاء عن الخلق، بل هم مخلوقون مربوبون، ولا يملكون حتى لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا لذلك فهم بمعزل عن أن يكونوا شيئًا مذكورًا، فضلًا عن تأليههم، والآية الأخيرة تبين بعض الأسباب التي تحمل المشركين على الإصرار والتمادي في شركهم رغم البطلان البين، وهو عدم الإيمان بدار الحساب والجزاء الذي يؤدي إلى ظلمة قلوبهم وخرابها، وكذلك استكبارهم عن قبول الحق والاعتراف بالواقع الأليم الذي عليه آلهتهم المزعومة.
ولأمثال هذا الصنف من الناس جاءت الآيات الكريمة التي تحقر آلهتهم وتندد بجهلهم وإصرارهم على الجدال بالباطل مكابرة وهذيانًا، قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)) [الحج: ٧٣].
والمعنى: فاستمعوا لهذا المثل استماع تفكر وتدبر، ولا ترضوا لأنفسكم هذه الحالة المهينة من الإصرار على عبادة أصنامكم مع حقارتها، إلى حد أنَّها لو اجتمعت ما خلقت ذبابًا مع ضآلته، فكيف إذا انفردت؟ ولو سلب منها الذباب شيئًا مما تضعونه عليها كما كانوا يفعلون -يضعون أصنامهم شيئًا من الطيب أو العسل ثم يوقفون عليها، فيتسلل الذباب ويسلبهم ذلك- يقول الله تعالى يعني: ولو سلب ...


١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


... الذباب منهم شيئًا مما تضعونه عليها من الطيب أو العسل لم تستطع استنقاذه من الذباب وهذا غاية العجز والحقارة ضعف الطالب والمطلوب، يعني: ضعف عابد الصنم وضعف صنمه.
ويقول -سبحانه وتعالى- مثلًا آخر لهذا التحقير من هذه الأصنام، بعد أن كان يدعوهم بأسلوب فيه لين وهوادة، انتقل إلى دعوتهم بهذا الأسلوب الذي سفه فيه أحلامهم وبين حقارة أصنامهم، فقال تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [العنكبوت: ٤١].
والمعنى: مثل الذين يحتمون بأصنامهم كمثل حشرة العنكبوت، كانت تنسج لنفسها بيتًا بلا أساس، ولا جدار، ولا سقف، ولا يقي من الحر أو البرد أو المطر أو الريح، ويستطيع الطفل أن يمزقه، والفأر أن يقطعه؛ ولذلك كان أوهن البيوت، وحال المشرك أسوأ من ذلك في الحقيقة، ولكن المراد هنا تشبيه الهيئة المركبة بمثلها لإبراز حقارة الأصنام وعابديها.
هناك أمر آخر في هذا الباب، وهو أن الشرك رجس وسقوط وهلاك كما قرر القرآن الكريم، فلقد خلق الله تعالى الإنسان على غاية التشريف والتكريم، وفضله تفضيلًا، فإذا أشرك بالله فقد هوى من عليائه حين يخر عابدًا لوثن أو ساجدًا لصنم دامغًا نفسه بخسة العقل ومهانة النفس وحقارة الخلق حين يجحد فضل ربه، ومناه،...


١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين


... قال تعالى: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)) [الحج: ٣٠، ٣١] والرجس هو الشيء المستقذر طبعًا أو عقلًا أو دينًا، والزور هو الكذب المائل عن الحق.
والمعنى: يا أيها الناس ابتعدوا عن الأوثان وعبادتها لقذارتها عقلًا وشرعًا وابتعدوا عن الكذب كله، وعبادة الأوثان والجدال عنها فإن ذلك هو رأس الزور، وينبغي أن تميلوا عن هذا الباطل إلى طريق الله المستقيم فتكونوا حنفاء لله غير مخالطين له بشيء من الشرك وادعاء الشركاء، وإن الموحد حين يفعل ذلك يكون في علو وعزة وارتفاع، فإذا أشرك سقط من عليائه سقوطًا مدويًّا له خرير، أي: صوت مسموع لسقوطه فيهلك لا محالة بأن تخطفه جوارح الطير حين سقوطه أو تقذف به الريح العاصفة إلى واد عميق بعيد، لا يصل إليه فيه أحد، وهذا مثلٌ جليل ضربه الله تعالى للموحد والمشرك، فالتوحيد استقامة وكرامة وسلامة ونجاة، والشرك نجس وزور وسقوط وهلاك أكيد، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ((أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً)) يعني فقرًا ((فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) [التوبة: ٢٨].

١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين



١.٩ معنى الشرك وأنواعه وموقف القرآن الكريم من المشركين