فهذه ثماني خطوات، قلناها إجمالًا، ونعود إلى تفصيلها؛ واحدة واحدة؛ لضرورتها للباحث وللمؤلف وللمفسر تفسيرًا موضوعيًّا، لا بد أن يلتزم بها، وأن يتمثلها حينما يريد أن يبحث وأن يكتب في هذا الموضوع الخطير.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


خطوات البحث الإجمالية
أولًا: المعرفة الدقيقة لمعنى التفسير الموضوعي الخاص الذي يريد الباحث مزاولته.
ثانيًا: تحديد الموضوع القرآني المراد بحثه تحديدًا دقيقًا من حيث المعنى.
ثالثًا: اختيار عنوان له من ألفاظ القرآن الكريم ذاته، أو عنوان منتزع من صميم معانيه القرآنية.
رابعًا: جمع الآيات الكريمة المتعلقة بالموضوع، والعناية باختيار جوامعها عند إرادة الاختصار.
خامسًا: تصنيفها من حيث المكي والمدني، وترتيبها من حيث زمن النزول ما أمكن.
سادسًا: فهم الآيات الكريمة بالرجوع إلى تفسيرها، ومعرفة أحوالها؛ من حيث أسباب النزول، وتدرج التشريع
والنسخ، والعموم والخصوص وغير ذلك مما يتقرر به المعنى.
سابعًا: تقسيم الموضوع إلى عناصر مترابطة منتزعة من الآيات نفسها ورد الآيات إلى عناصرها وموضعها من البناء الكلي للموضوع، مع تفسير موجز لما يحتاج منها إلى تفسير، واستنباط حقائقها القريبة من غير تكلف، ورد الشبهات عن الموضوع ذاته.
ثامنًا: التقيُّد التام في كل هذه الخطوات بقواعد التفسير الموضوعي، وضوابطه العملية -التي سنذكرها -إن شاء الله تعالى.


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


الخطوات تفصيلًا وتطبيقًا

الخطوة الأولى
وهي المعرفة الدقيقة لمعنى التفسير الموضوعي الخاص، نقصد بهذه الخطوة أن يميز المفسر أو الباحث هذا المصطلح عما يخالطه من أبحاث أخرى؛ حتى يتضح له عمله من أول الطريق، وبذلك يتجنب الأخطاء التي يقع فيها كثير من الباحثين، حين يكتبون تحت هذا العنوان ما لا يمت له بصله؛ كـ(تفسير السور المكية) الذي نشر تحت عنوان: (التفسير الموضوعي للقرآن) وهو تفسير موجز يلتزم النمط المشهور في التفسير؛ حيث يقسم السورة إلى جملة مقاطع، يتناول كل منها على ترتيب السورة بالبيان الأدبي الإجمالي، وبأسلوب طيب، ولكنه ليس تفسيرًا موضوعيًّا بأي معنى من معانيه.
وكذلك يتجنب الباحث الكتابة تحت عنوان ما يسمى بـ"النظام في القرآن" أو "الوحدة الموضوعية في سوَرِ القرآن الكريم" أو "التفسير الموضوعي" بمعناه العام، كالنسخ في القرآن ونحوه، أو علم المناسبات؛ لأن هذه الجوانب -مع جلالتها وعظمتها- خارجة عن مصطلح التفسير الموضوعي بمعناه الجديد المقيد بمعناه الخاص.


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


الخطوة الثانية
تحديد الموضوع المراد بحثه تحديدًا دقيقًا، من حيث وجوده في القرآن أولًا، ثم من حيث المعنى ثانيًا؛ حتى لا تختلط هذه القضايا أو تداخل المسائل، أو من حيث الأوصاف؛ كالإطلاق والتقييد ... ونحو ذلك.
ومن الكتب التي تعين الباحث على معرفة موضوعات القرآن، وعلى تحديدها (الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي و(مناهل العرفان في علوم القرآن) للشيخ الزرقاني، و(المدخل لدراسة القرآن الكريم) للشيخ الدكتور أبي شهبة -محمد أبو شهبة- فإن كتب علوم القرآن عامَّة؛ تحديدًا لأهداف المكي والمدني من القرآن، وبيانًا لوجوه الإعجاز، ولكنها -أيضًا- بيَّنَت العلوم المستنبطة من القرآن، فذكرت بعض موضوعات القرآن الكريم، وهو علم خليق بالبحث والتأليف، وقد أشار إليه كثير من العلوم، ومن الكتب النافعة (تفصيل آيات القرآن الكريم) للمستشرق الفرنسي "جول لابوم" والذي نقله الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله- وقد قسّم الكتاب إلى ثمانية عشر بابًا، تحت كل باب عدة فروع، تصل في مجموعها إلى ثلاثمائة وخمسين عنوانًا فرعيًّا.
والكتاب لم يستوعبْ موضوعات القرآن، ولا يستوعب جمع الآيات تحت كل عنوان، ويخطئ كثيرًا فيضع آيات في غير مناسباتها، وإنما ذكرنا هذا؛ لتنبيه الباحثين؛ حتى لا يقعوا في الخطأ، وإلا فالكتاب مجهود علمي نافع ومفيد في بابه؛ إذا تجنب الباحث الأخطاء ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...الموجودة فيه، وننبه أيضًا على كتاب (المعجم المفهرس لموضوعات القرآن) الكريم للدكتور عبد الصبور مرزوق، وهو أيضًا نافع في هذا الباب، وينبغي ألا يتكلف الباحث، فيحاول أن يدخل في القرآن كل شيء مستحدث في العلوم والصناعات، بدعوى شمول القرآن لكل شيء من هذه الوسائل، فإن القرآن الكريم جاء منهاجًا دينيًّا شاملًا، أما تفصيلات العلوم البشرية فليست من مقاصد القرآن -وإن قرر كثيرًا من حقائقها وأصولها كالطب والفلك- تدليلًا على عجائب القدرة الإلهية، وحضًّا على قبول دعوته الدينية.
ومن ذلك ما يتكلفه بعض الباحثين من موضوعات تفصيلية لم يُعْنَ القرآن بذكر أعيانها؛ فبعض الناس ينسب للقرآن مثلًا بحثًا بعنوان "الأطباق الطائرة في ضوء القرآن الكريم" وبحثًا آخر عنوانه "القنبلة الذرية في القرآن الكريم" ويحاول أن يستدل بها بإشارة القرآن على العذاب الذي نزل على قوم شُعَيْب: ((فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ)) [الشعراء: ١٨٩]. هذا تكلف، القرآن الكريم تحدث عن الذرة وأنها قابلة للانشطار، وأن هناك ما هو أصغر من الذرة، لكن لم يتحدث عن القنبلة الذرية بذاتها، وهذه تكلفات لا ينبغي أن يقع فيها الباحث، وإنما يختار الأشياء المناسبة للقرآن، القريبة من ألفاظه ومباحثه ومضامينه.


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


الخطوة الثالثة

اختيار العنوان: فينبغي أن يراعي فيه ما يأتي:
أن يكون لفظًا قرآنيًّا صريحًا.
أن يكون مشتقًّا. ولا ينبغي العدول عن اللفظِ القرآني إلى معناه إلا لضرورة، ولا يجوز البتة ترك لفظ القرآني إلى غيره من مصطلحات الناس؛ خاصة في مواطن الاشتباه؛ فلا يصح -مثلًا- أن يتركَ لفظ "الشورى" في ضوء القرآن الكريم فبحثه هذا بحث عظيم، تحدث الله عن سورة كاملة اسمها "الشورى"، وتحدث في سورة "آل عمران" عن الأمر بالشورى، وغير ذلك، فيبحث "الشورى" في القرآن، لكن لا يصح أن يعدل عن هذا إلى لفظ آخر يظنه مرادفًا أو مقاربًا للشورى، مثل عنوان: "الديمقراطية في القرآن" فهذا لا يصح؛ أن يترك لفظ "الشورى" إلى لفظ "الديمقراطية".
ولا يترك لفظ "الزكاة" إلى "الاشتراكية" أو "الضريبة الاجتماعية" ولا يترك لفظ "الجاهلية" من الممكن أن يكون البحث صحيح "الجاهلية في ضوء القرآن" لكن لا يترك هذا اللفظ باعتباره مصطلحًا إسلاميًّا يدل على المناهج المخالفة لدين الله فيقول: مثلًا "العَلمانية في ضوء القرآن الكريم" هذا خطأ؛ لأن القرآن له دلالات محددة، ولا يعبر عن الجهاد في سبيل الله بلفظ "صراعات الطبقات" ونحو ذلك من المصطلحات الحادثة التي تعني معانيَ محددة، قد تخالف القرآن في جملتها أو في تفصيلها.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


ولا ينخدع الباحث بما يقال: من أن العبرة بالمعاني لا بالمباني، فإن هذه قاعدة ليست على إطلاقها؛ وخاصَّةً بالنسبة للقرآن الكريم؛ لأن مباني القرآن مقصودة لذاتها -والله أعلم بمواقع الألفاظ وكل شيء عنده بمقدار وحسبان وميزان- كما جاء في القرآن في مواضع شتى.
هذا فضلًا عما في هذه الكلمات وأمثالها من معانٍ تخالف القرآن والإسلام؛ فالديمقراطية مثلًا ليست هي الشورى الإسلامية؛ لأن الشورى عندنا تكون فيما لا نصَّ فيه؛ إذ الحكم والتشريع لله وحده، أما الديمقراطية فتقوم عندهم على أساس تشريع الشعب لنفسه أو بواسطة ممثليه من البشر؛ فاللفظان مختلفان في الأصل الذي يقوم عليه كل منهما -وإن اشتركا في بعض المعاني الجزئية كحرية التعبير والعقيدة ونحو ذلك.
اختيار أجمع لفظ قرآنيٍّ عند تعدد الألفاظ؛ ليكون عنوانًا للبحث، ومحورًا يُدَارُ عليه الموضوع ابتداءً، ثم تُضَمّ إليه في تكوين الموضوع الألفاظ المقاربة لمعناه، ثم الألفاظ المقابلة للمعاني السابقة؛ لأن كل حكم يتقرر في النقائض والأضداد سلبًا وإيجابًا، يفيد في توضيح حكم ما يقابله، وكما قيل بحق: وبضدها تتميّز الأشياء.
ويُوضع هذا كله موضع البحث والمقارنة والموازنة والبيان لمن أراد الاستيعاب واستقراء الموقف القرآني الشامل من موضوع ما، مثال ذلك: موضوع "الحرب والسلام في ضوء القرآن الكريم" نختار له أجمع الألفاظ ليكون عنوانًا وهو "الجهاد في سبيل الله"؛ لأنه أشهر الألفاظ التي وردت في القرآن عن هذا الموضوع، ثم نضم إليه ما يقاربه في المعنى مثل: "القتال، الحرب،...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


... الضرب، الثبات، الإثخان في الأرض، الغلب، النصر، الفتح، اللقاء، الصف، الإعداد، الغنيمة، الفيء، الأسرى، العهد" ثم نضم إليه ما يقابله مثل: "السلام والفرار والتولي والفشل والرعب والنبذ ونقض العهود ..." وما إلى ذلك.
ومثال آخر موضوع: تفرد الله تعالى في ذاته وصفاته، نختار له أجمع الألفاظ وأشهرها في القرآن: "الوحدانية والتوحيد" ثم المقاربة مثل ألفاظ: "الرب، الإله، العبودية، الحكم، التشريع ..." إلى آخره، ثم المقابلة مثل: "الشرك، الكفر، الطاغوت، الأصنام، الأوثان" وما إلى ذلك.
ومن الكتب التي تفيد في هذا:
أولًا: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
ثانيًا: المفردات للراغب الأصفهاني، وهو من أجل الكتب وأعظمها.
ثالثًا: معجم ألفاظ القرآن الكريم الذي أصدره مجمع اللغة العربية في مصر، وهذا في الطبعة الأولى لها، هي أحسن وأجود من الطبعة الثانية التي غيَّر المجمع بها نظام الكتاب -للأسف الشديد- وكان في الطبعة الأولى أجود وأتم.
أيضًا إذا وجد الموضوع في القرآن الكريم، ولم نجد للعنوان لفظًا قرآنيًّا مباشرًا، ننتزع له عنوانًا من أقرب لفظ، بعد النظر إلى جملة المعاني القرآنية بحيث يمثل الموضوع تمثيلًا واضحًا، ومثال ذلك موضوع تقدم الأمم ورقيها المادي والعمراني، ثم طغيانها ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...وهلاكها، فهذا الموضوع موجود في القرآن بأساليب شتى، فيجوز أن نضعه تحت عنوان: "سنن الله في نشوء الحضارات واندثارها"؛ فلفظ "سنن" موجود في القرآن؛ لذلك جعلناه أصل العنوان، أما لفظ الحضارة -الذي هو ضد البداوة، والذي يعني التقدم العمراني- فلم يرد في القرآن الكريم بهذا المعنى نصًّا، وإنما على سبيل الاحتمال في قوله تعالى: ((وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر)) [الأعراف: ١٦٣] فجاز استعماله في العنوان؛ أخذًا من هذا الاحتمال، أو انتزاعًا من المعاني القرآنية الواضحة في آيات الموضوع. هذه الخطوات الثلاث التي تحدثنا عنها إجمالًا أولًا.


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


الخطوة الرابعة

وهي جمع الآيات الكريمة المتعلقة بالموضوع، والعناية باختيار جوامعها عند إرادة الاختصار، نقول في تفصيلها: جمع الآيات الكريمة المتعلقة بالموضوع من أطرافه المذكورة؛ اللفظية، والمقاربة، والمقابلة، ومعانيها، ويتفاوت عدد الآيات المطلوبة باعتبار النوع الذي يريده المفسر؛ ففي التفسير الموضوعي (الوجيز) يأخذ الآيات التي فيها لفظ العنوان فقط، أو التي فيها جوامع هذا اللفظ، أو جوامع الآيات التي تمثل أصول المعاني، وفي التفسير الموضوعي الوسيط يأخذ جوامع الآيات التي تؤلف موضوعًا متكامل العناصر من اللفظ وأطرافه؛ حسب الموازنة والاختيار، وفي التفسير البسيط -الذي يؤلف في الرسائل والكتب المفردة الطويلة- يأخذ الآيات كلها ويستقصي أطراف الموضوع، وذلك في الرسائل العلمية والتآليف المفردة الواسعة ويستعان على جمع الآيات الكريمة بما يأتي:
حفظ الصدور: هو خصوصية أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى جعل كتابه يجمع في الصدور، ويكتب في السطور، فيتعاونان؛ الصدور والسطور، ويتمكن القارئ الحافظ من استرجاع آياته ومن استحضارها على لسانه في أي وقت.
الرجوع إلى المصحف الشريف؛ لاستخراج الآيات ولتقييدها في مواضعها من البحث.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


الرجوع إلى معاجم الألفاظ القرآنية، أو معاجم الموضوعات على ما بيَّنَّا، وهذه الطريقة أسرع وأجمع مما قبلها، وهي مما يسره الله تعالى لخدمة دينه وكتابه في هذا الزمان، وكتبها برهان ناهض على صدق الوعد الإلهي بحفظ القرآن؛ حيث تزاد مباحثه دقة وإحصاءً واستيعابًا، في الوقت الذي قَلَّ فيه حفاظه، وكثر أعداؤه وحساده، بل كان المستشرقون أنفسهم هم بعض أدوات هذا الحفظ الإلهي من حيث لا يشعرون، ولا يريدون.

الخطوة الخامسة
تصنيف الآيات الكريمة من حيث المكي والمدني وترتيبها من حيث زمن النزول ما أمكن ذلك، فيعلم الباحث أن نزول الآية كان في أول العهد، أو في وسطه أو في آخره، وعهد نزول القرآن في مكة والمدينة ٢٣ سنة، لا بد أن يعلم؛ حتى تتضح له دقائق الموضوع القرآني، وليس ذلك بمتعيَّن دائمًا إلا في الأحكام الشرعية التي تتوقف صحتها على معرفة التركيب؛ كالآيات التي نزلت على طريقة التدرج التشريعي، مثل: آيات الخمر والربا؛ فالمفسر إذا علم أن قوله تعالى: ((لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)) [آل عمران: ١٣٠].
هذه الآية نزلت قبل آيات سورة "البقرة" التي تحرم قليل الربا، وكثيره -والآيات من ٢٧٥ إلى ٢٨٠ في سورة "البقرة"- علم أن ذلك تدرجٌ في التشريع انتهى بالتحريم الكلي، وهذا هو الحكم الصحيح الوحيد، ولو لم يعلم الترتيب؛ فربما أخطأ في الحكم الشرعي؛ حين يجعل آية "الأضعاف" في سورة "آل عمران" مقيدة لآية "الإطلاق" في "البقرة"، فيكون المحرم ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...هو الأضعاف المضاعفة فقط، وهذا باطلٌ بالاتفاق.
ولا يستطيع المفسر أن يصل إلى معرفة صحيحة في تقدير موقف القرآن من اليهود إلا إذا نظر في الآيات المكية على حدة، وعلم شدة تنديدها باليهود -رغم بعدهم عن المسلمين يومئذ- مما يقطع بأن هذا موقف تفصيل وتأسيس، وأن خلافنا مع اليهود هو قضية اعتقادٍ وامتدادٍ لا قضية مرحلية؛ لإصرار اليهود في كل زمان على تحريف الوحي الإلهي وطمس الحق، والإفساد في الأرض.
وللعلماء مباحث مستفيضة لتحرير خصائص المكي والمدني في القرآن الكريم، ولبيان ضوابط كل منهما، وما ثبت منهما بيقين، وما هو ثابت على سبيل الترجيح، وما يحتمل الأمرين جميعًا -وهذا قليل جدًّا في جانب الأحكام الشرعية بالذات بل يكاد لا يوجد في هذا الجانب التشريعي.
ومن الكتب التي تعين على معرفة المكي والمدني:
البرهان في علوم القرآن للزركشي.
الإتقان في علوم القرآن للسيوطي.
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي؛ حيث يرمز للمكي بحرف "ك" وللمدني بحرف "م" وهو على القانون الذي قلناه من حيث ثبوت ذلك أو رجحانه، أو احتماله، فلا بد للباحث من التحري والتثبت على كل حال.


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


الخطوة السادسة

فَهْم الآيات الكريمة قبل الشروع في التفسير الموضوعي، وهذا أمر ضروري؛ حتى يستطيع المفسر ترتيبها وتأليف عناصرها، ولذلك ينبغي الرجوع إلى كتب التفسير التي تناسب الموضوع؛ ليعلم معاني الآيات الكريمة في مواضعها من ترتيب المصحف الشريف، وليتبين أحوالها المتعددة من حيث؛ الناسخ والمنسوخ أو العموم والخصوص وأسباب النزول ونحو ذلك، وبذلك يكون التفسير التحليلي ضرورة للتفسير الموضوعي؛ فهما يتعاونان، ولا يتعارضان، بل يتكاملان لخدمة النص القرآني، وإنضاج علم التفسير كله.

الخطوة السابعة
بعد فهم الآيات الكريمة والنظر فيها مجتمعة يقسم المفسر الموضوع إلى عناصر وأجزاء منتزعة من صميم المعاني المقررة في الآية الكريمة، ويربط بينها برباط علمي يجعل من الموضوع وحدة واحدة مسلسلة، ومرتبة ترتيبًا فنيًّا يتفق مع النمط القرآني، فيقدم ما يتعلق بذات الله على كل شيء، وما يتعلق بالأصول على الفروع، وما يتصل بالفرائض على ما دونها، وهكذا يقدم الأهم على المهم، وجواهر الأشياء على أعراضها، وفق خطة ونظام يبرز إعجاز القرآن في موضوعاته، كما هو معجز في مواضع آياته المرتبة في سورها؛ ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...لأن كليهما جاء بقدر موزون، أو كما قال سبحانه: ((كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)) [هود: ١].
فإذا استوت هذه العناصر أمام نظر المفسر ضم إلى كل منها ما يلائمه من الآيات؛ بلا تكلف، ويفسر مفرداتها ومعانيها المتصلة بالموضوع اتصالًا وثيقًا، مع الاقتصار على موضع الدلالة من الآية الكريمة -إن كانت متعددة الأغراض- لأن التفسير هنا مرتبط بالموضوع، ولكل مقام مقال، وما العلم إلا مراعاة مقتضى الحال، وإذا كان الموضوع مما يرد عليه بعض الشبهات، التمس الرد من آيات الموضوع ذاته، فإن الله -سبحانه وتعالى- أودع كتابه معاني لا تحصى، ورد على كل معارض ومعاند إلى يوم القيامة بأصول جامعة وألفاظ حافلة: ((تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)) [إبراهيم: ٢٥] فإن لم يُفتح المفسر من هذا التمس الرد من القرآن في موضوع آخر مناسب لموضوعه؛ كموضوع الغيب بالنسبة لصفات الله تعالى، وكموضوع الوحي بالنسبة لموضوع الرسالة والرسل، وهكذا، ولا يخرج عن إطار القرآن الكريم في هذا الباب إلا إلى الآثار الصحيحة التي في ذات الموضوع؛ لأنها شارحة للقرآن الكريم.
أما الردود العقلية والأبحاث الفكرية فلها موضع آخر غير التفسير الموضوعي، وإلا ضاع هذا النوع في غمارها؛ كما حدث مع التفسير التحليلي قديمًا.


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


الخطوة الثامنة

وهي التقيد بقواعد وضوابط هذا التفسير، فالقصد منها لفت انتباه المفسرين والباحثين، ووجوب مراعاتها؛ حتى يتجنبَ الحشو والاستطراد والتقسيمات الفنية المحضة التي وردت في مصطلحات العلوم المنطقية والفلسفية، ولا يَتَوَرَّط في تقسيمات أو تقعيد قواعد، لا تشهد لها نصوص القرآن الكريمة المباشرة على ما نبينه -إن شاء الله تعالى- فيما يلي:
القواعد والتنبيهات لضبط طريقة البحث في التفسير الموضوعي: القواعد والتنبيهات الضرورية في هذا الباب:
يُشترط في المفسر عامة شروط وآداب ضرورية، بيَّنَهَا العلماء مفصلةً، مثل: الورع والتقوى والعلم بلغة العرب وعلوم القرآن وعلوم الحديث؛ دراية ورواية؛ حتى يميز الصحيح من السقيم، وغير ذلك من الشروط، وقد فسّر العلماء أيضًا الأدوات التي يحتاج إليها المفسر والقواعد التي تحكم عمله، كما هو مقرر في مواضعه من كتب علوم القرآن، كل هذا مقرر ومطلوب ممن يتصدى للتفسير بكل أنواعه، ولكن هناك قواعد خاصة وضوابط ضرورية لا بد من مراعاتها في التفسير الموضوعي على وجه الخصوص؛ لأنه نوع من تفسير القرآن بالقرآن؛ نصًّا أو استنباطًا من نص، ولأن الخلل فيه يوقع الخلل في موضوع كامل، وليس في موضع واحد -كما هو الشأن في التفسير التحليلي الذي قد يتساهل فيه -قليلًا- الباحثون؛ لأنه في حقيقة يقوم على الرأي المحمود إذا لم يكن بالرواية يقوم على ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...الرأي المحمود، وعلى النظر في اللغة والأدلة التي قد تختلف فيها الأنظار والأفكار.
وهذه قواعد وضوابط نراها ضرورية للتفسير الموضوعي بذاته، وهي على سبيل التمثيل لا الحصر:
أولًا: الالتزام التام بعناصر القرآن: فيجب على الباحث في التفسير الموضوعي أن يلتزم بالعناصر التي استخرجها من النظر في الآيات الكريمة، ولا يصح أن يضيف عنصرًا للموضوع من أي مصدر غير القرآن الكريم، لا السنة النبوية أو اللغة أو ما تقتضيه القسمة العقلية ... ونحو ذلك.
كذلك لا يطوي عنصرًا من القرآن بأي حجة يتصورها -ولو كانت دعوى الدفاع عن القرآن- وقد جاء زمان كان بعض المفسرين يخجل تحت وطأة التفوق الحضاري للكفار، يخجل من تقرير حقائق القرآن في تعدد الزوجات، وفي الطلاق، والربا، ونحو ذلك، فيؤولها الباحث أو المفسر بما يبطلها أو يهدر وجودها من عناصر القرآن، فلما ذهبتِ السكرة، وجاءت الفكرة، وتبدَّت حقائق القرآن شامخة معجزة يثوب إليها المنكرون الآن بالإجلال والإكبار بعد ما تبين لهم أنها الحق المبين، لما حدث ذلك تغيرت الأنظار والأفكار، والمسألة ينبغي أن تتقرر على الوجه التالي -في نفس المفسر وفي نفس الباحث تتقرر على الوجه التالي: إن الله تعالى يعلم ما لا نعلم، والقرآن أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، وقد ركب على غاية العلم والحكمة في الحذف والإثبات؛ فكل إضافة أو نقص في ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...عناصره هي استدراك على القرآن، وقول بالكذب على الله تعالى ينبغي أن يحذره المفسر غاية الحذر؛ لأنه في أقل الأحوال قد يفتح أبواب الخطأ التي تُنسب إلى القرآن، وما هي إلا أخطاء الإنسان التي لا يسلم منها عمل أحد من البشر، حاشا المعصومين -مهما صحت النيات وخلص القصد.

من هنا يأتي تنبيهان مهمان:

التنبيه الأول
عن وظيفة السنة النبوية الشريفة في التفسير الموضوعي؛ فالمفسر أو الباحث يأتي بالحديث النبوي شارحًا ومبينًا للنص القرآني، ولا يصح أن يأتي به ليكون منشئًا لعنصر من عناصر الموضوع القرآني؛ لذلك لا نصنف عناصر الموضوع من حديث نبوي -ما دمنا في إطار الموضوع القرآني وفي مجال التفسير الموضوعي لهذه العناصر بذاتها من غير زيادة عليها- حتى تتحدد موضوعات القرآن مستقلة.
ويعلم القارئ حدود ما أنزل الله على رسوله من القرآن المتلوّ المتعبد بلفظه وبتلاوته، وهذا أيضًا ما يقتضيه التحرير العلمي الدقيق؛ من وجوب التقيد بقيود الموضوع المراد بحثه، فإنه إن قال مثلًا: "العلم في القرآن" تقيَّدَ في ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...عناصره وأمثاله بالقرآن فقط، وتأتي السنة النبوية تفسيرًا لمعاني العناصر والآيات الكريمة، لا منشئة -كما قلنا- وإن قال الباحث: "العلم في الكتاب والسنة" تقيد في عناصره بالأصلين؛ الكتاب والسنة، وإن قال: "العلم في الإسلام" ضمَّ إليهما أقوال الصحابة والتابعين، وإن أطلق فقال: "بحث في العلم"، أضاف إلى ذلك ما شاء من مصادر التاريخ والفلسفة ومذاهب الفكر وهكذا.
وعلى هذا يُحمل كلام بعض العلماء الذين قالوا: فإن أعوزه كمال ذلك الموضوع إلى حديث جاءت به السنة حتى يكتمل له هيكله جاء به، لا، بل السنة تأتي دائمًا شارحة، لا منشئة لعناصر الموضوع القرآني.

التنبيه الثاني
عن وظيفة كلام الصحابة والعلماء في التفسير الموضوعي: فهذا يأتي من باب أولى؛ شارحًا للقرآن لا منشئًا لعنصر في موضوع من موضوعاته؛ لأن المقصود -كما قلنا مرارًا- هو إبراز موضوع قرآني بعينه، مرتبط بعناصر القرآن وحدها، وكل كلام سواها يذكر في تفسيرها عرضًا، لا غرضًا، وإلا وقع المفسر في كثير من الأخطاء من حيث لا يقصد ولا يُحب.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


وقد قرأت كتابًا عنوانه: "الصبر في القرآن الكريم" وهو كتاب جيد، وبحث طيب في التفسير الموضوعي، لكن وقع في الكتاب تجاوز يسير في بعض العناصر يقضي التنبيه عليه؛ تأكيدًا لما نريده جميعًا من خدمة وتأسيس هذا العلم القرآني الناشئ؛ فقد جاء في الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان "حقيقة الصبر في القرآن وضرورته" ثم جاء تحت هذا العنوان عنصر فرعي، هو الصبر خصيصة إنسانية، ولم يذكر المؤلف الفاضل نصًّا قرآنيًّا يؤيد هذا العنصر، بل ذلك كلام للإمام الغزالي خلاصته: أن الصبر خصيصة إنسانية لا تتصور في البهائم؛ لنقصانها ولا في الملائكة لكمالها، وههنا وقع الخطأ من جهتين:
وضع هذه القاعدة تحت عنوان "حقيقة الصبر في القرآن" يوهم بظاهره أنها قضية مقرَّرة في القرآن، أو عنصر من عناصر موضوع الصبر في القرآن وليس كذلك.
يوهم أيضًا أنها صحيحة في ذاتها، وليس كذلك؛ لأن الجن مكلفون مثلنا ومطالبون بالصبر، ولأن القرآن الكريم أثبت للملائكة نوعًا من الصبر يليق بهم وهو الاستمرار الدائم على الطاعة: ((فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ)) [فصلت: ٣٨] وعكسه: صبر الشياطين على الكفر والضلال، ولأن من أسماء الله الحسنى "الصبور"، وهو صبر يليق بكماله -جل شأنه- وفي هذا بلاغ لوجوب التزام عناصر القرآن حين نتصدى لموضوع قرآني، أو تفسير موضوعي، والله أعلم بأسرار كتابه الكريم.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


التقيد التام بصحيح المأثور في التفسير، وهذا أمر ضروري للمفسر الموضوعي حين يجمع الآيات ويصنفها في مواضعها، ويستخرج عناصرها حتى يفسر الموضوع كله على وجه صحيح، لا اضطراب فيه، وهذا يتمثل في عدة أنواع:
أولًا ما صح وثبت من تفسير القرآن للقرآن يجب عليه التزامه؛ لأنه أوثق المعاني، أما ما كان من استنباط المفسر فليس من المأثور، وهو كغيره من ضروب الاجتهاد بالرأي.
ثانيًا: ما ثبت من تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن تفسير الصحابة كلفظ "الظلم" في آية "الأنعام": ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) [الأنعام: ٨٢] فإنه يصنف في موضوع "الشرك" لا "الجور والاعتداء"؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسره بذلك صراحة، وأحال إلى آية في القرآن: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان: ١٣] فثبت اليقين أن القرآن قد فسّر القرآن في هذا الموضع، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد فسّر اللفظ أيضًا، فاجتمع في هذا الحديث المثالان؛ من القرآن، ومن السنة، وكان أحدهما يكفي.
فالمفسر الموضوعي يصنف ما جاء في سورة "الفاتحة" من وصف "المغضوب عليهم" في موضوع الآيات التي تتحدث عن اليهود، ووصف "الضالين" يصنفها في الآيات التي تتحدث عن النصارى؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسرهما بذلك، ولا يلتفت إلى غير هذا التفسير، والمفسر الموضوعي يدرج قصة موسى وفتاه التي في سورة الكهف، مع موضوع قَصص موسى ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...عليه السلام؛ لأنه ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما: أنه كذّب "نوف البكالي" حين زعم أنه موسى بن ميشا بن يوسف، وقال ابن عباس وسائر السلف: إنه موسى بن عمران كليم الله تعالى.
ثالثًا: ما ثبت من المفهوم والمعاني ودلالات الألفاظ، وكان شائعًا ذائعًا متعارفًا عليه عند الكافة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين، وهذا ما يسمى بالحقيقة الشرعية، وهي تمثل الاصطلاح الإسلامي للألفاظ العربية، فلا عبرة عند المفسر الموضوعي وهو يصنف الآيات، ويؤلف الموضوع إلا بهذه المعاني -إن وجدت- ولا يلتفت إلى المعاني الطارئة، ولا إلى المصطلحات الحادثة بعد هذا العصر في العلوم، والمذاهب الفرعية والكلامية، ونحوها مما جد بعد عصر النزول والراشدين، وعلى سبيل المثال:
كلمة الشريعة حقيقة شرعية في الدين كله؛ إذا قيل: "شريعة" يفهم منها الدين -كل الإسلام- وليست مخصوصة بجانب منه؛ كالفروع مثلًا، مثل: الوضوء والصلاة والمعاملات وما إلى ذلك، لا، الشريعة اسم للدين كله، هكذا نزلت في القرآن، وهكذا كانت مفهومة في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وكذلك لفظ الفقه يطلق على فهم الدين كله وليس مجرد الفقه الاصطلاحي الخاص بالعبادات والمعاملات، وقد استعملهما القرآن بهذا الإطلاق في "سورة الجاثية" وتسمى سورة الشريعة أيضًا من أجل هذه الآية: ((ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا)) [الجاثية: ١٨] وقال تعالى في سورة "التوبة": ((لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)) [التوبة: ١٢٢]: الدين كله.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


الملائكة والجن والشيطان هي ذوات حقيقية، وليست كناية عن معانٍ أو رموز لقوى الخير والشر في النفس الإنسانية؛ كما حاول بعض المفسرين المحدثين أن يصورهم بها؛ كما ورد في تفسير "المنار" حكاية عن الشيخ محمد عبده -رحمه الله- في هذا، وهذا يخالف بدهيَّات المعاني التي كانت شائعة عند المسلمين جميعًا وقت نزول القرآن؛ شيوعًا لا يُنازع قط، وقد رأوا الملائكة -حديث جبريل عليه السلام- في صورة إنسانية، ورأى بعضهم الجن مثل: حديث أبي هريرة في البخاري، وغير ذلك من الأمور الواضحة.
وآدم عليه السلام هو أبو البشر، وهو أول إنسان، وقد خُلق في الملأ الأعلى، وأُسجدت له الملائكة، وأسكن الجنة، وأخرج منها بذنبه، وهذه كلها حقائق شرعية، لا سبيل إلى تأويلها، كما حاول بعض الجهال القائلين في القرآن بغير علم، وحاولوا أن يصوروا آدم خارجًا من رحم الأرض، وطين البحار؛ متدرجًا في أطوار الخلق، كما زعمت نظرية النشوء والارتقاء التي ماتت عند أصحابها أنفسهم، ولا تصلح لتفسير الأساطير؛ فكيف يفسر بها القرآن العظيم؟!
رابعا: من القواعد التي ينبغي أن يراعيها المفسر الموضوعي: تجنب الحشو والاستطراد في التعليل؛ ذلك لأن القصد من التفسير الموضوعي هو إبراز موقف القرآن ذاته من موضوعه، فإذا استطرد المفسر، وتوسع في التعليقات، طغى ذلك على العناصر القرآنية، وخرج من نطاق التفسير الموضوعي إلى كونه رأيًا لصاحبه، أو استطرادًا لأدنى ملابسة -كما حدث في التفسير التحليلي من قديم- وبالتالي...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


... يندرج هذا تحت اسم آخر هو "الدراسات القرآنية" أو "من معاني القرآن" أو "حول القرآن" ونحو ذلك من الألفاظ العامة التي لا يضبطها صاحبها تحت موضوع قرآني محدد، أو يلتزم فيها نهجًا تفسيرًا محددًا، وقد عاب العلماء قديمًا على بعض المفسرين حين قالوا: في تفسيرهم كل شيء إلا التفسير. بسبب هذا الاستطراد، ولا شك أن العيب سيكون أشد لو استطرد المفسر في التفسير الموضوعي الذي من شأنه الموضوعية، والتحديد، ومن هذا الباب كثير من الكتب التي تدرج في التفسير الموضوعي تحت عنوانٍ قرآنيٍّ مثل "الإنسان في القرآن" و"اليهود في القرآن" فإنها في الحقيقة دراسات مرسلة عن التقيد بمنهج التفسير الموضوعي الاصطلاحي، وإن عدها بعض الكاتبين في هذا الباب متأثرين بظاهر العنوان. يعني موضوع اليهود في القرآن، بعض الكتب كتبت فيه، واستوفت شروط التفسير الموضوعي، وبعضهم كتب فيه والعنوان ظاهر ولم يستوفِ شروط التفسير الموضوعي، فكان منسوبًا إلى التفسير الموضوعي بالشكل لا بالحقيقة.
خامسا: من القواعد: التدقيق التام قبل التقعيد والتأصيل، فالتفسير الموضوعي يقوم على جمع الآيات، وربما نظر المفسر في مجموعها من غير إحصاء واستقصاء، ثم أصدر حكمًا عامًّا، أو أصَّل أصلًا جامعًا، أو وضع قاعدة كلية فيؤدي ذلك إلى غلط أو تحريف أو تخليط، يحرف الكلم عن مواضعه؛ لذلك ينبغي النظر الشامل والاستيعاب الكامل لكل الألفاظ القرآنية الواردة في موضوع ما، وينبغي تقليب الفكر والنظر في استعمالاتها المتعددة، وحصر الفروق بين أصل الوضع وواقع الاستعمال، وعدم متابعة الغير في ذلك إلا بعد التحري والتحديد والفحص البصير.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


وقد لفت العلماء الأنظار إلى ذلك من قديم لكن مع الأسف شاعت في الكتب أخطاء جمة من جراء هذا التقعيد بلا تحري، أو لأخذ كلام غيرهم ونقله بلا نقد وميزان، مما يوجب الاحتياط منه في التفسير الموضوعي بوجه أخص، وهذه بعض الأمثلة: قال الإمام ابن فارس -رحمه الله- في كتابه "الأفراد" -وهو للأسف كتاب مفقود، لكن هناك نقول كثيرة منه في كتب "علوم القرآن"- يقول: كل ما في القرآن من ذكر الأسف فمعناه الحزن إلا قوله تعالى: ((فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ)) [الزخرف: ٥٥]. فمعناه: أغضبونا.
وهذه قاعدة جليلة، وتشير إلى قاعدة أخرى خلاصتها: "كل لفظ قيل بالاشتراك اللفظي بين الخالق والمخلوق معناه مختلف بما يليق بصاحبه"، وقد أحسن ابن فارس -رحمه الله- في تقريرها غير أن هذا النوع من القواعد يحتاج إلى غاية التحري والنظر، ولذلك أخطأ -رحمه الله- حين قال بعد ذلك: وكل ما فيه من ذكر البر والبحر، فالمراد بالبحر الماء، وبالبر التراب اليابس، إلا قوله تعالى: ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)) [الروم: ٤١]. فالمراد به البرية والعمران.


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


تفسير الإمام ابن فارس للبر بأنه التراب اليابس، هذا تخصيص بلا مخصص، وقد ألجأه ذلك إلى استثناء الآية المذكورة، وضيَّق عليه واسعًا من المعاني ينقض القاعدة نقضًا، والصحيح أن البر ضد البحر مطلقًا؛ فيشمل التراب اليابس، والطين الذي ليس بحرًا، والعمران والبوادي، والجبال الصخرية التي ليست ترابًا، بل يشمل الجو أيضًا؛ لأنه ضد البحر، وبذلك تستقيم جميع المعاني التي وردت بها الآيات الكريمة بلفظ "البر" فيدخل النقل الجوي -مثلًا- في الامتنان الإلهي على العباد بقوله تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)) [الإسراء: ٧٠] وهذا من إعجاز اللفظ القرآني الذي يتبدى للناس في هذا الزمان، ويخطئ من يحجر منه واسعًا بتفسير أو بقاعدة غير مستوعبة.
أيضًا بعض الناس حاول أن يضع قواعد فيقول -مثلًا: كل شيء في القرآن بلفظ "قليل" و"إلا قليل" فهو دون العشرة، يعني إذا قال القرآن: "إلا قليلًا" يبقى دون العشرة وهذا كلام يدحضه ظاهر القرآن نفسه في عديد من الآيات الكريمة، ويكفي قوله تعالى: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور)) [سبأ: ١٣] قليل من عبادي الشكور لو كانوا دون العشرة؛ إذن حذفنا منهم الأنبياء، ولو لم يدخل فيهم إلا الأنبياء لكفى، والأنبياء عددهم كثير جدًّا، يجاوزون الألوف، والغرض أن ينتبه من يتعرض للتفسير الموضوعي غاية الانتباه، ويأخذ حذره؛ حتى لا يقع في حكم قاصر، أو في قاعدة ناقصة، أو أصل منقوض، وأولى الناس أن يتبينوا وأن يتدبروا القرآن هم علماؤه ومفسروه، والله يعصمنا جميعًا من الزلل خاصة في كتابه ودينه.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


ولشيخ شيوخنا العلامة محمد عبد الخالق عضيمة دراسات علمية جامعة سبق أن نبهنا عليها، وقد نحا فيها نحوًا عجيبًا فريدًا تجعل من أسلوب القرآن حكمًا في كل ما يعرض للدارس من قوانين النحو والصرف، وتسجّل الظواهر اللغوية في ضوء الأسلوب القرآني الإحصائي بعد أن استبد بها الشعر دهرًا طويلًا، وبذلك أصبحت قواعد القرآن معيارًا لهذا الباب، يصحح الأخطاء القديمة، ويرد إليه ما يجد ويستحدث من قضايا.
يقول الشيخ عضيمة -رحمه الله- في كتابه العظيم الذي سبق أن نبهنا إليه مرات، وهو (أسلوب الدراسات في أسلوب القرآن): وللنحويين قوانين كثيرة لم يحتكموا فيها لأسلوب القرآن؛ فمنعوا أساليب كثيرة جاء نظيرها في القرآن. من ذلك ذكر سيبويه قبح "كل" المضافة إلى نكرة في أن تليَ العوامل، وجاءت "كل" المضافة إلى نكرة مفعولًا به في ستة وثلاثين موضعًا من القرآن الكريم.
يقول -أيضًا: منع ابن الطراوة -وهو أحد أئمة علماء النحو- أن يقع المصدر المؤوّل من "أن" والفعل مضافًا إليه، وقد جاء ذلك في ثلاثة وثلاثين موضعًا من القرآن.
منع النحويين وقوع الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب، وعللوا ذلك بأن وقوعه بعد الإيجاب يتضمن المحال أو الكذب، وفي القرآن ثماني عشرة آية وقع فيها ذلك، وفي بعضها كان الإيجاب مؤكدًا مما يبعد تأويله بالنفي؛ كقوله تعالى: ((وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِين)) [البقرة: ٤٥] ثم يقول الشيخ -رحمه الله: ولبعض النحويين جرأة عجيبة يجزم فيها بأن القرآن خلا من بعض الأساليب من غير أن ينظر في القرآن، ويستقرئ أساليبه، وذكر الشيخ أمثلة كثيرة جدًّا، كذلك رأينا بعض النحويين يخطئ في حصر ما جاء في ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


...القرآن حينما يتعرضُ لذلك، وذكر الشيخ أيضًا أمثلة كثيرة في هذا.
ويرى الشيخ في هذا أنه ينبغي أن يكون الأسلوب القرآني الاستقرائي هو الحكم، وما فعله الشيخ هو المنهج، وهو الخليق أن يحتذيه كل عالم في ذلك؛ خاصة أصحاب التفسير الموضوعي؛ ليكون القرآن العظيم حكمًا ومهيمنًا؛ كما أراده ربنا -سبحانه وتعالى.
وأيضا مراعاة خصائص القرآن الكريم؛ ذلك لأن القرآن الكريم هو كلام الله -سبحانه وتعالى- نزل بلسان عربي مبين، فاجتمع له من الخصائص ما لا يجتمع لأي كلام آخر في أي لسان؛ فهو كلام معجز، تحدى الله تعالى به الإنس والجن، والعرب خاصة، للفظه وبنظمه وبمضامينه ومعانيه، فهو من جهة قائم على أتم الحقائق والإحاطة بالأشياء، وتمام الصدق والعدل كما قال ربنا: ((وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [الأنعام: ١١٥].
وهو -من جهة أخرى- قائمٌ على أتم وجوه الكلام العربي وأوفاها، وقد صُنع في لغة العرب ضربًا من الكلام جديدًا وفريدًا، هو نوع قائم برأسه، متميز عما عداه، بريءٌ كل البراءة من نقائص البشر في لغتهم ومثالبهم في استعمالاتهم، مع كونه -أي: القرآن- يركب الكلام من مفردات الناس، ويجري على سنن تراكيبهم، وهذا هو الإعجاز، ولعل هذا الوجه هو سر حروف الفواتح في أوائل سورها -والتي يأتي ذكر القرآن بعدها خمسًا وعشرين مرة من تسع وعشرين سورة- يعني يقول الله تعالى: ((الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ)) [البقرة: ١، ٢] ((الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ)) [آل عمران: ١ - ٣] في كل مرَّة يذكر الحروف -وهي الفواتح- يذكر ...


٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


... بعدها القرآن الكريم، وهكذا، و"كتاب" هذا شأنٌ ينبغي مراعاة خصائصه، عند تفسيره بالذات، ويجب هذا بوجه أخص عند تفسيره موضوعيًّا؛ لأنه يتقرر بالاجتماع ما لا يتقرر في الانفراد، والنظرة الكلية تبرز دقائق الحقائق؛ إذا تقيد المفسر بمراعاة هذه الخصائص، وهذا الباب من أدق أبواب العلوم القرآنية، وهو خليق بأن يفرد له العلماء المعاصرون مزيدًا من الأبحاث والرسائل؛ لأنه متشعب الحقائق والمسائل، وسنتناول بعضه بإيجاز على سبيل التنبيه فقط:
أولًا القرآن أصل الأصول جميعًا: فالمفسر يجب أن ينظر إلى هذا، فهو الحاكم على غيره، اللغة لا تحكم على القرآن، القرآن يحكم على اللغة، وعلى الحديث النبوي، وعلى كل شيء، القرآن هو الحاكم على غيره، وهو المهيمن على ما سبق، وهو الحَكَمُ عند التنازع في القواعد والفروع، وهو الأصل الذي ينبغي أن تقاس عليه أصول العلوم جميعًا؛ في اللغة والأدب والفقه والأصول والسير والتواريخ والقوانين والشرائع والقصص والغيب وسائر فنون الناس؛ فإذا قال القرآن في شيء من هذا، فقوله الفصل، وحكمه الأصل، وتقريره الحق والصدق، وإن خالفته أوهام الناس -أو فرحوا بما عندهم من العلم المحدود- فإن اللَّه بكل شيء محيط -سبحانه وتعالى- كما قال في سورة "فصلت".
ويقرر هذا الأصل أن الله تعالى جعل القرآن شاهدًا ورقيبًا على كتب الوحي السابقة، فغيرها أحرى وأولى بهيمنة القرآن عليه؛ كما قال ربنا: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ)) [المائدة: ٤٨ ].

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


وهذا أصل عظيم يتقرر عليه ما بعده؛ القرآن غاية في الإحكام والإتقان؛ لأنه معيار الأشياء وميزانها، فلا بد أن يكون قائمًا على أتم الوجوه وأوفاها؛ في لفظه ونظمه ومعناه، فليس في القرآن قط كلمة مكررة لمَحْضِ التكرار، وإنما جيء بها لغرض، وإنما هي لغرض حكيم في كل موضع، ولمعنى مقصود في كل موقع، وليس في القرآن حرف زائد على الإطلاق، وإنما تجتلب فيه الحروف والكلمات؛ ليؤدي كل منها قسطًا من المعاني لا يؤدَّى بسواها، ولا يقوم بغيرها أبدًا، وليس فيه أقوال ظنية، أو جزافية، أو تقريبية، وإنما هي الحقائق القاطعة، والتحديد الصارم في كل خبر أو قصة أو حكم، ويتقرر هذا كله بقوله تعالى: ((كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)) [هود: ١] ((وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) ((صِدْقًا وَعَدْلًا))؛ صدقًا في الإخبار وعدلًا في الأحكام، ومن ثم كان على من يتصدى للتفسير الموضوعي أن يلاحظ هذا الميزان، وهو يجمع الآيات الكريمة، ويؤلف موضوعها على معانيها، ويستخرج عناصرها من ألفاظها ودلالاتها، فيعلم تمام العلم أن كل كلمة قد وضعت في مكانها، وأن كل حرف يذكر أو يحذف فإنما هو بمعيار ومقدار، وكل تقديم أو تأخير في موضع دون موضع إنما هو لغرض يراد، ينبغي أن يبرزه الباحث في عناصر الموضوع.
ومثال ذلك قوله تعالى في التحدي بالقرآن على أربع مراحل:

ولذلك جاءت "من" -كلمة "من"- في موضعها وميقاتها؛ لتؤدي قسط المعنى المطلوب بذاته في هذا المقام، فقال تعالى: ((وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)) [البقرة: ٢٣] ولذلك عقب الله تعالى عليه بالنفي التام، فقال سبحانه: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا)) [البقرة: ٢٤] كما عقب الطور الأول بالنفي العام، فقال: ((لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)) [الإسراء: ٨٨] فاجتمع النفي في طرفي التحدي؛ إثباتًا للعجز، وتقريرًا لإعجاز القرآن في بداية الموضوع، وفي نهايته، فسبحان من هذا كلامه -جل شأنه.

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي


((قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)) [الإسراء: ٨٨] هذه المرحلة الأولى: التحدي بكل القرآن: ((عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)).

٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي



٢.١ الطريقة المثلى في دراسة التفسير الموضوعي