هدا العنصر ينقسم إلى عدة عناصر: العنصر الأول: التعريف العام للتفسير. العنصر الثاني: تعريف التفسير الموضوعي ومنزلته من أنواع التفسير. العنصر الثالث: تطور التأليف فيه، وأهم المؤلفات. العنصر الرابع: أنواع المؤلفات فيه، وهكذا تتوالى العناصر بعد ذلك كل في موضعه على ما نبينه -إن شاء الله تعالى.
ومن هنا نشأ تفسير القرآن الكريم الذي يبيَّن معاني الكلمات العربية التي وردت في القرآن.
مأخوذ من "الفَسْر" بمعنى البيان والكشف، ومنه قوله تعالى: ((وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)) [الفرقان: ٣٣] ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الكريم إلا في هذه الآية فقط،
علم يُبحث فيه عن أحوال الكتاب العزيز من جهة نزوله وسنده وأدائِهِ وألفاظه ومعانيه المتعلقة بالألفاظ، والمتعلقة بالأحكام الشرعية.
وهذا التفسير العام نشأ مع نزول القرآن الكريم، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفسر لأصحابه ما غمض عليهم من ألفاظ القرآن الكريم؛ خاصَّة في باب الشرائع والأحكام التي هي الغرض الأول للرسالة، ولنزول القرآن الكريم، وكانوا هم عربًا خُلَّصًا يفهمون معنى الكلمات إلا ما جَدَّ عليهم من مصطلحات القرآن، ومن ألفاظ لا يَعْلمون مدلولها الشرعي، وإن كانوا -ربما- يعرفون مدلولها العربي، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبين لهم، ويفسر، وكانوا هم عربًا -أيضًا- يفهمون، ويعقلون معاني القرآن، ثم تناقلوا ذلك -الصحابة- إلى من بعدهم، فنشأ علم التفسير، وبرع فيه بعض الصحابة مثل: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وابن مسعود، وغير ذلك من الصحابة -رضوان الله عليهم.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
ما القرآن؟
عند الكلام عن التفسير لا بد أن نبيَّن معنى القرآن الكريم اصطلاحًا؛ القرآن الكريم: -عامة: هو ما بين الدفتين -ما بين الجلدتين في المصحف الشريف. لكن له تعريف عند العلماء محدد مبين، هو: كلام الله العربي المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- المنقول إلينا تواترًا، والمتعبد بتلاوته، والمتحدَّى بأقصر سورة منه للإعجاز، ومن هنا نفهم المراد من التفسير، بأنه المراد البيان والكشف لمعاني هذه الكلمات التي خاطبنا بها رب العزة والجلال في كتابه القرآن؛ سواء يخرج من ذلك الحديث النبوي، والحديث القدسي، وما إلى ذلك.
المراد بمصطلح التفسير
هو بيان وكشف معاني القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي نَزَلَ على الرسول -صلى الله عليه وسلم- معجزة يتحدى به الناس؛ لإثبات رسالته -صلى الله عليه وسلم- ولبيان شرعيته.
والتفسير العام ينقسم من حيث مصدره إلى قسمين؛ تفسير بالمأثور والرواية، وتفسير بالرأي المحمود؛ لأن الرأي المذموم لا يسمى تفسيرًا من البداية، فالتفسير بالرواية هو ما جاء تفسيرًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو عن أصحابه، وثبت
...
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
...
بالسند الصحيح، والتفسير بالرأي لا بد أن يكون الرأي المحمود الذي يُقبل في تفسير القرآن، هو الرأي أو الاجتهاد القائم على القواعد الشرعية، والأصول العربية للغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم، ومن هنا يصبح عندنا التفسير من حيث مصدره؛ تفسير بالمأثور أو بالرواية أو بالمنقول، وتفسير بالاجتهاد أو بالرأي المحمود؛ ليخرج منه الرأي المذموم الذي لا يعتمد لا على قواعد الشريعة ولا على أصول اللغة العربية.
ومن هنا يكون قد نشأ علم عظيم في الأمة الإسلامية في إبان حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده من الصحابة، وتوسع ذلك بعد هذا حتى صار علمًا عظيمًا راميًا، يملأ المجلدات الكبار مثل: تفسير الطبري، ومثل: تفسير القرطبي، وغير ذلك من التفاسير المبسوطة الواسعة النطاق.
والتفسير من حيث مناهج المفسرين أو طرائق المفسرين ينقسم إلى أربعة أقسام:
التفسير التحليلي: وهو الذي يتتبع فيه المفسر آيات القرآن الكريم من الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم، ويفسر كل كلمة أو جملة أو آية في موضعها، وهذا يسمى بالتفسير التحليلي، فيبين سبب النزول، ويبين معاني الألفاظ، ويبين معاني الجمل والتراكيب، ويبين إن ورد فيها آثار في تفسيرها، وما إلى ذلك من ضروب التفسير التحليلي، هذا يسمى تفسيرًا تحليليًّا.
التفسير الإجمالي، هو الذي يفسر فيه المفسر المعاني العامة الإجمالية لما يريد تفسيره من معاني الكلمات الكريمة في آية، أو في آيات، أو في سور أو ما إلى ذلك>
التفسير المقارن، وهو الذي يجمع فيه المفسر كلماتٍ أو أقوال المفسرين في آية معينة، أو في سورة معينة، ويوازن بينها، ويبين أصحها أو راجحها، أو ما إلى ذلك، هذه ثلاثة: التحليلي، والإجمالي، والمقارن.
التفسير الفردي، أو المفردات، يقوم على تفسير المفردات فقط، ليس بتتبع الكلمات القرآنية كلمة كلمة، وإنما يفسر المعاني التي يراد تفسيرها من المفردات؛ سواء كان هذا التفسير يتوقف عند ما يسمى بغريب القرآن -وهي الألفاظ التي تحتاج إلى شرح- مثل: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا)) [طه: ١٠٥، ١٠٦] ((قَاعًا)) ما معنى ((قَاعًا))؟ وما معنى ((صَفْصَفًا، لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا)) [طه: ١٠٦، ١٠٧] فيسمى هذا بالغريب، بعض المؤلفين ألَّف فيه وحده، وبعض المؤلفين أخذ مفردات القرآن فقط، لا يتتبع القرآن آية آية، ولا سورة سورة، وإنما يفسر المفردات عمومًا؛ سواء كانت من الغريب أو كانت من غير الغريب، إنما هو يبين مصطلحات القرآن؛ ما معنى كلمة الصلاة، الزكاة؛ معناها اللغوي، معناها الشرعي الاصطلاحي، استعمالات القرآن لها، وما إلى ذلك.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
التفسيرالموضوعي: تعريفه، ومنزلته بين أنواع التفاسير
نشأ بعد ذلك التفسير أو نواة التفسير الموضوعي، فإن التفسير الموضوعي هو عبارة عن أن المفسر يجمع آيات القرآن الكريم المتناسبة في موضوع ما، والمتجهة إلى غاية واحدة، فيجمعها ثم يكوِّن منها موضوعًا، يفسره؛ ليبين موقف القرآن الكريم من هذا الموضوع -أو من ذاك الموضوع أو ما إلى ذلك- إذن التفسير الموضوعي هو تفسير لموضوع بعينه، مثلًا المفسِّر يجمع آيات الصلاة التي في القرآن، أو يجمع آيات الزكاة التي في القرآن، أو يجمع آيات الصيام أو الحج أو ما إلى ذلك، ثم يتكلم عنها؛ كما فعل العلماء قديمًا حينما جمعوا -مثلًا- آيات الخمر؛ وكيف تنزلت على مراحل؛ ليبينوا حكم الإسلام في الخمر، أو مثلًا آيات الربا؛ كيف أنها نزلت على مراحل، ثم يبين العلماء فيها حكم الإسلام؛ في الربا أو ما إلى ذلك.
فتعريف التفسير الموضوعي
هو علم يبحث في قضايا القرآن الكريم المتحدة؛ معنى أو غاية عن طريق جمع آياتها المتفرقة والنظر فيها على هيئةٍ مخصوصة، وبشروط مخصوصة؛ لبيان معناها، واستخراج عناصرها، وربطها برباط جامع، فأيّ موضوع تُجمع فيه قضايا القرآن الكريم، وتُفَسَّر تفسيرًا علميًّا على أساس الموضوع، وتدون في بحث منفرد أو كتاب جامع على نمط مبسوطات التفسير التحليلي؛
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
بحيث يرجع الباحث إلى الموضوع الذي يريده، ويعلم موقف القرآن منه في يسر وسهولة.
هذا هو المراد من التفسير الموضوعي؛ سواء كان بمعناه الوصفي أو بمعناه: الفن المدوَّن، فهذه هي بداية التفسير الموضوعي: أن العلماء يبدءون في جمع الآيات المتشابهة في حكم شرعي معين، أو ما إلى ذلك، فهو نشأ صغيرًا مثل: أي علم، ثم يكبر، فالتفسير الموضوعي هو لون من ألوان التفسير، هناك تفسير تحليلي -كما قلنا- هناك تفسير مقارن، هناك تفسير إجمالي، هناك تفسير المفردات؛ وهذه المفردات العامة -ليست الغريبة فقط- هي التي تعتبر البداية للتفسير الموضوعي؛ لأن المؤلف لكي يبين المصطلح القرآني في الصلاة مثلًا؛ لا بد أن يستجمع ما قاله القرآن في الصلاة، أو يستجمع ما قاله القرآن في الجهاد، أو ما إلى ذلك من ضروب الموضوعات القرآنية المتعددة، ثم بعد ذلك حين ننظر في السنة النبوية نجد أن التفسير الموضوعي له بداية، أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: حينما فزع الصحابة حين سمعوا قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)) [الأنعام: ٨٢] ففهموا أن الآية الكريمة: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ)) أنهم لا يكون لهم الأمن في الدنيا وفي الآخرة إلا إذا آمنوا إيمانًا مجردًا عن أي ألوان الظلم، والظلم هو الجور والاعتداء على حقوق الآخرين، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- فسر لهم أن الظلم هنا ليس المراد به الظلم بمعنى الجور، وإلا لم يسلم أحد إطلاقًا، ولم يتحقق الأمن لأحد من خلق الله إلا الأنبياء.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
فهنا بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ليس بالذي تعنون أو تذهبون إليه، إنما الظلم هو ما جاء في كلام العبد الصالح -يعني في لقمان في سورة (لقمان): ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان: ١٣] فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن معنى الظلم في آية سورة (الأنعام): ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) معناه: الشرك، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- استدعى آية من سورة أخرى؛ ليبين بها المعنى هنا، وهذا هو معنى التفسير الموضوعي: أن الإنسان يجمع آيات متعددة من سوَرٍ شتى؛ لينظر فيها مجتمعة، وليستخرج فيها موقف القرآن من معنًى معين من المعاني الكثيرة التي وردت في كتاب الله -عز وجل.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
إذن ما التفسير الموضوعي؟ وكيف نشأ وتطور؟
ابتداءً -كما قلنا- من عصر النبوة ثم رُوِيَ عن ابن عباس -رضي الله عنه- وعن عكرمة تلميذ ابن عباس بعض ألوان من التفسير الموضوعي -ليس باسمه هذا، وإنما كانت تسمى عند العلماء بـ"الوجوه والنظائر" من قديم، وكان أول من نقل إلينا ذلك في كتاب مُؤَلَّف هو مقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هجريًّا، وهذا الكتاب (الوجوه والنظائر) بعض العلماء ينقله تحت عنوان (الأشباه والنظائر)، والمصطلح الذي شاع في كتب علوم القرآن، والذي شاع في كتب المؤلفة هو (الأشباه والنظائر)، ألف ابن نجيم كتابًا بهذا الاسم في الفقه، والسيوطي في اللغة العربية ألف كتابًا يسمى (الأشباه والنظائر)، لكن (الوجوه والنظائر) هذا مصطلح اصطلح عليه العلماء، وتحدث فيه أئمة كتب علوم القرآن، مثل: البرهان للزركشي، في النوع الرابع منه، ومثل السيوطي في (الإتقان) في النوع التاسع والثلاثين، فتكلموا عن (الوجوه والنظائر).
فهنا (الوجوه والنظائر) أُلِّفَ فيها كتب كثيرة جدًّا، منها: كتاب (الأشباه والنظائر)، (الأشباه والنظائر في الألفاظ القرآنية التي ترادفت مبانيها وتنوعت معانيها) وهو منسوب إلى عبد الملك بن محمد الثعالبي، وهناك خلاف كثير في هذه النسبة، هناك كتاب يسمى (الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز) لأبي عبد الله الحسين محمد الداماغاني، وهكذا كتب كثيرة جدًّا في هذا الباب؛ فبعضها أُلِّف على طريقة المعاجم، وبعضها أُلِّفَ على طريقة الإرسال المطلق، وكل هذا كان نواة للتفسير الموضوعي بعد ذلك؛ لأنه يورد اللفظ القرآني، ويفسره معانيَ، فيضطر من أجل ذلك أن يجمع الآيات المتعددة في صور شتى، وهذه هي أصل فكرة التفسير الموضوعي؛ أن نجمع الآيات المتحدة في اللفظ أو في الغاية أو في المعنى في مكان واحد، ونؤلف منها موضوعًا تفسيريًّا يبين موقف القرآن الكريم.
هي الألفاظ المشتركة، والنظائر: هي الألفاظ المتواطئة، هذه اصطلاحات ينبغي أن تُفهم، الوجوه هي أن يأتي اللفظ في القرآن بلفظه هذا، يتكرر لكن في موطن له معنى غير المعاني الأخرى، مثل: "الصلاة" مرة تأتي بمعنى الصلاة التي هي أداء الصلوات المفروضة: ((أَقِمِ الصَّلاةَ)) [الإسراء: ٧٨] مثلًا ((أَقِيمُوا الصَّلاة)) [البقرة: ٤٣] وأحيانًا يأتي بمعنى الدعاء: ((وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)) [التوبة: ١٠٣] يعني: دعاء، وبمعنى المكان الذي يُصَلَّى فيه: ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ)) [الحج: ٤٠] فالصلاة تذكر بلفظ واحد، ثم في القرآن في عدة مواطن، ثم كل موطن يفسر بمعنى خاص، هذا يسمى الوجوه.
فيأتي اللفظ بنفس لفظه، يتكرر، ولكن في كل مرة يكون بالمعنى السابق، والذي يختلف هو المفردات، مثال ذلك: لفظ "القرية" ورد في القرآن أكثر من خمسين مرة، وفي كل مرة يأتي بمعنى "القرية" التي هي تجمع الناس، مجموعة من الناس؛ مدينة -مثلًا- أو قرية كبيرة فيها ناس كثيرة، هذه تسمى قرية، لكن في كل موطن يأتي معنى القرية مختلف، فالقرية في كل موطن هي بمعنى القرية، لكن المفردات تختلف؛ مثلًا: ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)) [يوسف: ٨٢] يعني مصر -كانوا في مصر- ومثلًا في الآية الأخرى: ((رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا)) [النساء: ٧٥] يقصدون مكة، كان المسلمون مضطهدين في مكة فدعوا بذلك، أو مثلًا في آية أخرى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا)) [الأنعام: ١٢٣] قرية عامة، أي قرية فيها ظلم، وهكذا، فالقرية هي بمعنى التجمع، ووجود الناس الكثيرين، لكن تختلف أوصاف كل قرية عن الأخرى، وما إلى ذلك.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
المؤلفات فى التفسير الموضوعى: وأقسامه وأهميته وأسباب ظهوره
في العصر الحديث تطور مفهوم التفسير الموضوعي، فصار علمًا جديدًا يتأسس؛ لكي يبين لونًا جديدًا من إعجاز القرآن الكريم، وقد هيَّأ الله -سبحانه وتعالى- لهذا العلم الأسباب التي يزدهر بها -إن شاء الله- مثل: المعاجم اللفظية.
المعاجم اللفظية
التي تجمع ألفاظ القرآن مرتبة على حروف المعجم، مثل: معجم ألفاظ القرآن للشيخ محمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله- والمعاجم الموضوعية التي تجمع آيات القرآن في موضوعات -مثلًا- الآيات التي تتحدث عن التاريخ، الآيات التي تتحدث عن القصص، الآيات التي تتحدث عن الزكاة، الآيات التي ... وهكذا، تجمع في كتاب واحد، ومنها كتب كثيرة أُلِّفت تسمى (المعاجم الموضوعية) من هذه (المعاجم اللفظية) و(المعاجم الموضوعية) التي ألفت في هذا الزمان وكثرت، وأصبحت أداةً أو وسيلة لقيام التفسير الموضوعي عليها؛ لأن المفُسِّر تفسيرًا موضوعيًّا إذا أراد أن يستوعب لا بد له من معينات على هذا، المعاجم هي خير معين له على هذا، ينظر -مثلًا- ليرى هذا اللفظ الذي تكرر في القرآن في كم مرة وفي مواضع كذا وكذا، وفي المكي منه كذا، وفي المدني منه كذا، فإذا أراد أن يبحث في ...
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
...
التفسير الموضوعي لا بد أن يستعين بالله -أولًا- ثم بهذه المعاجم العظيمة التي نشأت لخدمة كتاب الله -سبحانه وتعالى- سواء كانت معاجم لفظية محضة مثل: (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن)، و(معجم الأدوات والضمائر) للدكتور إسماعيل عميرة، وإلى ذلك من المعاجم الكثيرة التي نشأت وازدهرت، وأصبحت أساسًا كبيرًا يتكون منه التفسير الموضوعي في المستقبل، وييسر على الباحثين المعاني التي يريدون جمعها وتناولها.
المؤلفات التي ألفت في التفسير الموضوعي في العصر الحديث نوعان
المؤلفات التي تحاول تأصيل قواعد التفسير الموضوعي بمعناه المعاصر، مثل: (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) لفضيلة الشيخ أحمد القوبي -رحمه الله- أستاذ التفسير في كلية أصول الدين، و(البداية في التفسير الموضوعي) للدكتور عبد الحي الفرماوي و(المدخل للتفسيرالموضوعي) للدكتور عبد الستار فتح الله، وهكذا، فهذه المؤلفات كثيرة جدًّا تحاول تأصيل قواعد التفسير الموضوعي، وتبين كيف يُؤلف فيه وما إلى ذلك.
المؤلفات التي تتناول تفسير موضوعات قرآنية، وهي ألوان متعددة مثل: الرسائل العلمية؛ كالماجستير والدكتوراة التي تتحدث عن موضوع قرآني بذاته، مثل: اليهود في القرآن الكريم إذا كانت رسالة شاملة تستوعب هذا، ومثل رسالة (سنن الله في الكائنات) أيضًا من خلال القرآن.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
الأحكام في القرآن الكريم
وهناك كتب متخصصة؛ كالأحكام في القرآن الكريم.
كتب تتناول موضوعات مختارة باعتبارها نماذج للتفسير الموضوعي، مثل: (الوحدانية والتوحيد) ومثل (المعية في القرآن الكريم) ومثل: (التبعية في القرآن الكريم) وقد سجلت من هذا النوع نحو خمسة موضوعات في كتابي (المدخل إلى التفسير الموضوعي) فهذه ألوان من التأليف المعاصر في التفسير الموضوعي الذي يوشك أن يتبلور؛ ليصبح علمًا عظيمًا مستقلًّا، والذي نسعى إليه بعد هذا التأصيل والنماذج هو أن يوجد عندنا في المكتبة الإسلامية علم جديد أو مؤلفات جديدة تحت عنوان -مثلًا- (الجامع في التفسير الموضوعي).
فإذا أراد إنسان أن يرجع إلى موقف القرآن من الصلاة، أو موقف القرآن من الجهاد، أو موقف القرآن من المرأة، أو موقف القرآن من الزكاة، يرجع إلى هذا التفسير الجامع الذي بين يديه، مثل ما يفعل في موسوعات التفسير التحليلي، فهو إذا أراد أن يرجع إلى سورة "طه" يفتح (تفسير القرطبي) أو (تفسير الطبري) أو ما إلى ذلك ثم يقرأ فيه.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
كذلك في الموضوعات لا يوجد عندنا في المكتبة الإسلامية إلى الآن مؤلفات تحت عنوان (الجامع في التفسير الموضوعي) بحيث يستوعب موضوعات القرآن؛ تأليفًا على النمط الوجيز أو المبسوط أو المتوسط أو ما إلى ذلك، فهذا هو المأمول -إن شاء الله- أن تنشأ في المكتبة الإسلامية بعد ذلك هذه الموسوعات أو المبسوطات، في أن يوجد كتاب يمد الإنسان يده؛ ليستخرج -بسرعة وسهولة- موقف القرآن من الموضوع الفلاني، أو موقف القرآن من الموضوع الفلاني.
وهذا هو المأمول أن يتأسس، وأن يوجد في المكتبة الإسلامية؛ خدمة للدعوة الإسلامية، وخدمة للقرآن، وإبرازًا لعظيم هذه المعجزة التي تتجدد مع الزمان، والتي تناسب كل زمان ومكان -بفضل الله تعالى.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
أقسام التفسير الموضوعي من حيث الرابط ومناهج المفسرين
نتكلم عن أنواع التفسير الموضوعي ومناهجه: التفسير الموضوعي باعتبار الرابطة التي تربط بين أجزائه نوعان:
التفسير الموضوعي العام، وهو الذي بين أطراف موضوعه وحده في الغاية فقط، وليس في أصل المعنى، وهذا النوع لا بد أن يكون لموضوعه أصل في القرآن الكريم، لا خلاف فيه، ولكن تحته قضايا متعددة لا يربط بينها إلا وحدة الغاية، وهي وحدة محققة -وإن كانت عامة بعيدة- مثل ذلك: تفاسير آيات الأحكام جميعًا، فهي تتكلم في أحكام القرآن؛ لكن هذا في الصلاة، هذا في العدة، وهذا في الطلاق، وهذا في الجهاد، وما إلى ذلك، فالغاية التي تربطها هي أنها أحكام، لكن الموضوع الواحد لا يتحقق فيها.
هذا النوع هو ما كان سائدًا في مؤلفات العلماء مثل: (أحكام القرآن) للجصاص المتوفى سنة ٣٧٠ هجرية، (التبيان في أقسام القرآن) لابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ هجرية، وألف فيه كثير من العلماء حديثًا مثل: (نيل المرام في تفسير آيات الأحكام) للشيخ محمد صديق خان المتوفى سنة ١٣٠٧ هجرية، و(الدستور القرآني في شئون الحياة) لمحمد عزة دروزة، وكان معاصرًا للشيخ صديق خان، وولد سنة ١٣٠٥، وقد عَدَّ بعض العلماء في هذا النوع ما يسمى بالوحدة الموضوعية في القرآن كله، أو في سورة منه؛ بأن يجعل المفسر للسورة الكريمة هدفًا ينتزعه من ملاحظة معانيها، ثم ينزل الآيات المتعددة في السورة لتحقيق هذا الهدف، وأرى -والله أعلم- أن هذا الدرب من الدراسات لا يدخل في التفسير الموضوعي؛ لأن موضوعه -وهو هدف السورة- أمر التماسي اجتهادي تختلف فيه الأنظار.
هو التفسير الموضوعي الخاص، وهو الذي يقوم على وحدة المعنى، والغاية بين أطرافه وأفراده، فتكون الرابطة بينها رابطة قريبة وخاصة، مثال ذلك: اليهود في ضوء القرآن الكريم، فهذا موضوع محدد يدخل تحته آيات كثيرة كلها في ذات الموضوع، ويجوز أن يقيد الموضوع بقَيْدٍ ما، فيزداد تخصيصًا مثل: عقيدة اليهود الضالة في ضوء القرآن الكريم، وكلما زادت القيود قلت: الأفراد، وازداد التخصص في اطراد عكسي، وهذا النوع هو أحدث الأنواع جميعًا، وهو الاصطلاح العلمي الجديد، وهو أولى الأنواع باسم التفسير الموضوعي عند الاطلاق، وهو الذي يُكتب فيه الآن تحت اسم "التفسير الموضوعي" ومن الكتب المعاصرة في هذا النوع (الصبر في القرآن الكريم) للدكتور يوسف القرضاوي، (اليهود في القرآن الكريم) لمحمد عزة دروزة ... وغير ذلك.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
ويتبع ذلك أن نتحدث في مناهج التفسير الموضوعي عند العلماء، فالعلماء لم يتوسعوا إلى الآن في بيان وتفصيل التفسير الموضوعي بمعناه الحديث، وإنما لأنه فن جديد أخذ يتلمس طريقه إلى التبلور والتأليف، فالتفسير الموضوعي -من هذا الجانب- ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
التفسير الموضوعي الوجيز، وهو الذي يختار فيه المفسر عدة آيات لتفسَّر موضوعيًّا في مقالة أو محاضرة أو خطبة أو حديث إذاعي ونحو ذلك، وينبغي الاجتهاد في اختيار الآيات الجامعة، وضبط عناصر الموضوع؛ حتى يأتي مماثلًا لموقف القرآن الكريم -ما أمكن.
التفسير الموضوعي الوسيط، وهو الذي يختار فيه المفسر موضوعًا يعرضه من خلال سورة واحدة مثل "العقيدة في سورة الشورى" مثلًا، أو من خلال مجموعة سور كـ"العقيدة في مجموعة سور "حم" أو من خلال القرآن كله، وحينئذ يلزم المفسر اختيار جوامع الآيات الكريمة التي تمثل أطراف الموضوع وعناصره، ثم يعرضها عرضًا وسَطًا بعد النظر والموازنة، ومن أمثلة هذا النوع: الموضوعات الملحقة بدراستي في كتاب (المدخل إلى التفسير الموضوعي) مثل: الوحدانية، والتوحيد، والمعية، والتبعية، والعلم في ضوء القرآن الكريم، والدار الآخرة في ضوء القرآن الكريم، وهكذا، هذا النمط هو الذي نرشحه لكتاب "التفسير الموضوعي الجامع" والذي نرجو أن يضم تفسيرًا لموضوعات القرآن الكريم؛ مجموعة ومرتبة على نظام موضوعي علمي، يرجع إليه العلماء والباحثون على نمط مبسوطات التفسير التحليلي.
التفسير الموضوعي البسيط -يعني: المبسوط الموسَّع- وهو الذي يقوم على الاستقراء والاستيعاب، وعلى الإحصاء الشامل لموضوع ما، فيجمع المفسر آياته، وعلى الوجه التفصيلي الذي سنذكره -إن شاء الله تعالى- في طريقة التفسير الموضوعي، وهذا النوع لا يتحقق عمليًّا إلا في حالتين؛ إذا كان الموضوع في القرآن محدودًا في آيات معدودة، يسهل على المفسر أن يجمعها، ويستخرج عناصرها بلا حاجة إلى اختصار، ولا اختيار ولا موازنة، وذلك كموضوع الجن في ضوء القرآن الكريم، أو قصة إسماعيل -عليه السلام- في ضوء القرآن الكريم، أو الصوم في القرآن، ونحو ذلك فهذا النوع ممكن أن يكتب فيه على سبيل الاستيعاب بلا تعب ولا موازنة.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
النوع الثاني: إذا كان الموضوع سيفرد في كتاب مستقل -خاصة الرسائل العلمية التي من شأنها أن تقوم على الحصر والاستقصاء والتي يتفرغ لها دارسها، ومشرفه، ومناقشوه- فهذا أولى الأشياء بهذا القسم من التفسير الموضوعي، ومن موضوعات القرآن المفردة ما يحتاج بيانه إلى رسائل ضخمة، متعددة الأجزاء، وفي تقديري أن أصعب الأقسام هو القسم الثاني؛ لأنه وسط بين طرفين، فيحتاج المفسر أن يوازن بينهما، ثم هو يحتاج إلى أناة وطول نظر في الآيات الكريمة؛ ليختار أجمعها، وحتى لا يترك عنصرًا من عناصر الموضوع.
ونريد هنا أن ننبه إلى أن الاختصاص هو محور التفسير الموضوعي الجديد، على معنى أنه لا بد أن تقوم على تحديد الموضوع، وعلى تناوله من جانبه الخاصَّ، وربط عناصره ومسائلها برباطها الأكبر؛ ليتم التمايز بين الموضوعات القرآنية المتكاثرة، وليعلم ما في كل منها من وجوه الأحكام والكمال، وما فيها مجمع من وجوه الترابط والتمام، وعلى هذا يتحدد مصطلح التفسير الموضوعي الآن في هذا النوع الخاص الذي يتلخص في: جمع الآيات الكريمة ذات المعنى الواحد، ووضعها تحت عنوان واحد، والنظر فيها بما يؤلف منها موضوعًا واحدًا، مستخرجًا من الآيات الكريمة على آيات مخصوصة.
هذا منهج جديد على الدراسات التفسيرية والقرآنية، وقد دعت إليه حاجة المجتمع، وظروف العصر، وهيَّأ الله تعالى الأسباب لإبرازه واتجاهه نحو الاكتمال على أيدي المسلمين وغيرهم؛ مصداقًا لوعد الله الوثيق: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون)) [الحجر: ٩].
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
أسباب بروز هذا التفسير الجديد
كان لبروز هذا اللون الموضوعي أسباب كثيرة، هيأها الله -سبحانه وتعالى- ومنها:
أولا: اتجاه البحث العلمي في العصر الحديث نحو مزيد من التخصص الدقيق والعكوف على دراسة الشعب والفروع على وجه الاستقراء والاستيعاب، والتوسع في متابعة أجزاء القضايا وتفاريقها، لذلك اتجهت الدراسة القرآنية هذه الوجهة؛ حتى تخاطب عصرها بطريقته، ومن أَجَلِّ الكتب التي لها اتصال بالتفسير الموضوعي كتاب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة -رحمه الله- وهو مبسوطة علمية لم يُسْبَق إليها، وتقع في عشرة أجزاء كبيرة، وتقوم على أساس الاستقراء التام لأساليب القرآن الكريم.
ثانيًا: دخول عناصر جديدة إلى ميدان الدراسات الإسلامية والقرآنية من غير المسلمين، وعلى رأسهم طوائف المنصرين والمستشرقين الذين اتجهوا للتوسع في الدراسات الإسلامية؛ لخدمة أهداف كنائسهم، أو لخدمة دولهم التي أغارت على العالم الإسلامي، وقد أقام هؤلاء مراكز علمية تُنْفَق عليها الأموال الطائلة من الكنائس والدول والجمعيات لدراسة الإسلام والمسلمين؛ حتى يكيدوا لهم على بصر ومعرفة؛ ولذلك اتجه المستشرقون وأضرابهم إلى نشر ودراسة الكتب الإسلامية، ووضع المعاجم والفهارس التي يعينوهم على هذه الدراسة؛ حتى يصلوا إلى أهدافهم التي أرادوها؛ ابتداء من الطعن في الإسلام والقرآن والسنة النبوية، وقد نتج من ذلك أمران متناقضان؛
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
الأول: ظهور أساليب جديدة نافعة في فهرسة العلوم الإسلامية، وتبويبها، وضبط أطرافها؛ تسهيلًا للرجوع إليها، ومن ذلك كتاب (نجوم الفرقان في أطراف القرآن) الذي ألفه المستشرق الألماني "فلوجل"، ونشر لأول مرة سنة ١٨٤٢ ميلادية، وكتاب (تفصيل موضوعات القرآن) للفرنسي جول لابوم وهما فهرسة للألفاظ، وفهرسة للموضعات القرآنية، ومع صحة أصل الفكرة التي قام عليها الكتابان، فقد اشتملا على أخطاء جمة شأن أعمال المستشرقين غالبًا.
الثاني: ظهور شبه ومطاعن جديدة في القرآن، وفي سائر جوانب علوم الإسلام، وكان ذلك يقع نتيجة الأخطاء العلمية عند المستشرقين في فهمهم الإسلام، أو نتيجة حقد، ودس، وكيد للإسلام تحت ستار الدراسات العلمية والمنهجية. وهذا هو الغالب عليهم.
ثالثًا: جهود علماء المسلمين في هذا الباب: فقد هال الغيورين من علماء الإسلام ما تحويه كتب ودراسات هؤلاء من أخطاء وخطايا، ونقد لكل ما هو مقدس موثق من عقائد المسلمين ودينهم، فهبوا لمجابهة الغارة الكافرة، وتمثل ذلك في اتجاهات شتى؛ أولًا: ترجمة أعمال المستشرقين النافعة وضبطها وتنقيتها، مما شابهها من أخطاء العلم وأحقاد القوم، وكان من ذلك ما نقله الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله- إلى العربية من كتابي "فلوجل وجول لابوم " تحت اسم (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) وتفصيل آيات القرآن الكريم وألحق به كتاب (المستدرك) لإدوارد مونتيه.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
ثالثا: الرد العلمي على شبهات المبشرين ومطاعن المستشرقين وبيان عظمة القرآن وارتقائه فوق كل الشكوك والأوهام؛ وحيًا، وكتابة، وحفظًا، وتواترًا، وأغراضًا، وسعةً في الموضوعات، وشمولًا لحقائق الحياة، وسنن الاجتماع، ومن ذلك: كتاب (الوحي المحمدي) للشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- وكتاب (مدخل إلى القرآن الكريم) وأيضًا كتاب (دستور الأخلاق في القرآن) وهما للدكتور محمد عبد الله دراز -رحمه الله- وقد كتبهما باللغة الفرنسية، ثم تُرْجِمَا أخيرًا إلى العربية.
ومن ذلك أيضًا العمل العملي الجاد لسد حاجة المسلمين، والمكتبة الإسلامية من البحوث التي يتطلبها العصر الحاضر؛ سواء من ناحية بعض الموضوعات التي جدت على حياة الناس، أو بتجديد وسائل البحث والدراسات الإحصائية الجامعة.
ولم يكن هناك تخطيط محدد لهذا العمل؛ لأن المسلمين كانوا في غمرة الفوضى والضياع؛ خاصة بعد إسقاط الرابطة التي كانت تربطهم، وهي الخلافة، وسقوط المسلمين جميعًا في قبضة الكفار، ولكن الله تعالى قيض لهذا العمل أفرادًا من العلماء، وبعض الجامعات والمجامع العلمية، والجمعيات الدينية، فبذلوا جهودًا مضنية في هذا السبيل، ولا يزالون يتتابعون في خدمة القرآن الكريم، وتبشير المسلمين بعظمة الكنز الذي بين أيديهم، والله تعالى أعلم بالصواب.
وهناك أيضًا الكتاب الذي ذكرناه قبل ذلك (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة، وهو يقع في عشرة أجزاء كبيرة، ويتبع طريقة الإحصاء التام للأدوات والحروف القرآنية، وما فيه من دقائق النحو والصرف واختلاف الأساليب، ولا يزال الطريق مفتوحًا لمزيد من هذه الرسائل، وندعو الله تعالى أن يوفق كليات العلوم الدينية أو أية جامعة إسلامية؛ لتبني إخراج مبسوطة التفسير الموضوعي الجامع بواسطة جهود النابغين من طلابها وعلمائها، ولكن لا بد لذلك من خطة علمية محكمة، ومتابعة يقظة؛ حتى تبدأ الجهود وتستمر على أصول معلومة سلفًا؛ فلا تتفاوت الأجزاء بتفاوت الطلاب، أو تصبح حقلًا للتجارب العقيمة -كما فُعل بأخوات لهذه الدراسات من قبل- والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
ومن خلال هذا كله برزت أبحاث التفسير الموضوعي، وتتابعت خطوطه الأولى، وأخذت تتجه نحو التأصيل والاكتمال، ومن الكتب التي تتصل بهذا الجانب (معجم غريب القرآن) مستخرجًا من صحيح البخاري، للشيخ محمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله- وأيضًا (معجم ألفاظ القرآن الكريم) وقد أصدره مجمع اللغة العربية في القاهرة بواسطة لجنة كبيرة من العلماء، وهذا الكتاب
من أجل الكتب لخدمة التفسير الموضوعي، وهو مزيد من (مفردات الراغب)، ومن (المعجم المفهرس
لألفاظ القرآن الكريم) مع مصادره الأخرى من كتب التفسير واللغة، وهناك أيضًا كتاب (المرشد إلى آيات
القرآن الكريم وكلماته) لمحمد فارس بركات، وكتاب (مصباح الإخوان لتحريات القرآن) ليحيى حلمي بن
حسين القسطموني، وهو أجمع كتب الفهرسة القرآنية جميعًا؛ لأنه -كما قال- الشيخ عضيمة -رحمه الله: أحصى
لنا ألفاظ القرآن لم يترك منها لفظًا، غير أنه لم يذكر الآيات، وإنما اكتفى بذكر أرقام للآيات يشيع فيها
الاضطراب، ولا سيما في طوال المفصل، وقد اعتذر الشيخ عن هذا في مقدمة كتابه التي كتبها باللغة التركية،
بأنه لم يكن لديه مصحف مرقم الآيات؛ لأن هذا المصحف لم يظهر إلا بعد أن فرغ من كتابه هذا الذي ألف.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
أهمية التفسير الموضوعي وفوائده في هذا العصر
التفسير الموضوعي بمعناه الخاص له أهمية فائقة، وضرورة بالغة في هذا العصر الذي تقاربت فيهِ المسافات، وتشابكت فيه الأقطار والأمصار، واختلطت فيه المذاهب والأفكار، وصار كل حزب بما لديهم فرحون، وصار كل فريق يصارع من أجل اكتساب عقول الأمم والشعوب، وقلوب الأفراد والجماعات، ولذلك تبدو الحاجة ماسَّة إلى هذا اللون من التفسير لما يحققه من فوائد أساسية منها:
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
أولًا
إبراز إعجاز القرآن على وجه يلائم العصر الحديث؛ ذلك لأن القرآن الكريم إذا كان قد أعجز الأقدمين بلفظه ونظمه وبلاغته، فإن الآخرين لا بد لإعجازهم من وجه مستمر المدى؛ لاستمرار التحدي، وهذا يتمثل في معاني القرآن الكريم وموضوعاته من طريقين،
شمول القرآن لكل هذه الموضوعات المتكاثرة، مع قلة حجمه ووجازة لفظه، وهذا يخالف معهود الكتب وقدرات البشر -كما قال الراغب رحمه الله تعالى- وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع قلة الحجم متضمنٌ للمعنى الجمّ، وبحيث تكثر الألباب البشرية عن إحصائه والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه تعالى بقوله: ((وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [لقمان: ٢٧].
ومن هنا كان كمال كل موضع منه على حدة حين نجمعه الآن ونؤلف منه كيانًا واحدًا مؤتلفًا غير مختلف، وهذا من أعظم وجوه الإعجاز؛ ذلك لأن القرآن الكريم قد تواتر نزوله نجومًا متفرقة على مدار ثلاثة وعشرين عامًا تقريبًا ما بين مكة والمدينة، والسفر والحضر، وفي ظروف متباينة؛ كالسلم والحرب، والنصر والهزيمة، والمنحة والمحنة، والجماعة المطاردة والدولة المستقرة، نزلت نجوم كل موضع مفرقة على هذه الأماكن والظروف، ووضعت في سوَرها متباعدة، وبينها في النزول فواصل زمنية مختلفة، ومع هذا كله حين ننظر إلى ...
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
...كل نجم نجده في موقعه من ترتيب السورة متآلفًا متناسقًا مع سابقه ولاحقه، ثم حين نجمع نجوم الموضوع معًا، نجدها على غاية التوافق والتناسق، وكأنَّ أقساطه جميعًا قد نزلت في وقت واحد تعالج قضية ما في موعدها وظروفها، ونجد قانونًا واحدًا ينتظم النجوم جميعًا، وهذا ضرب بالغ الإعجاز، لا يستطيعه بشر مهما أوتي من إحكام العقل وجودة العلم والفكر، ولعل إلى هذين الطريقين من وجوه الإعجاز، يشير قوله تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)) [المائدة: ٣]، فالإكمال يرجع إلى الوصف، والكيف، والإتمام يرجع إلى العدد والكم، ولعله أيضًا سر القسم الإلهي بمواقع النجوم -نجوم القرآن يعني أقساط القرآن- في قوله تعالى: ((فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)) [الواقعة: ٧٥: ٧٧].
فالمراد بالنجوم هنا: نجم السماء، أو نجوم القرآن، وهذا أرجح المعنيين؛ لذكر القرآن بعده، ولا يظهر مقدار العظمة في هذا القسم وفي إعجاز هذه النجوم القرآنية إلا إذا نظرنا إليها الآن؛ لنعلم إعجازها في كل موقع من مواقعها؛ سواء في ترتيب السور أو في موضوعات القرآن الكريم.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
ثانيًا
من فوائد هذا التفسير الموضوعي: الوفاء بحاجات هذا العصر إلى الدين، وهي حاجات كثيرة متشعبة؛ بعضها عام، وبعضها خاص ومنها:
حاجة البشر عامة، فالبشر الآن حائرون على مفترق الطرق، وليس لهم دين صحيح، ولا رسالة هادية، وقد غلب عليهم الإلحاد والعناد، وزيَّن شياطين الحضارة المعاصرة أن الدين طور مختلف، ومتخلف، مضى زمانه، أو أنه مفهوم قاصر على الفرد والضمير، وليس له شأن بالسلوك الاجتماعي والدولي، ولم يبقَ كتاب إلهي على وجه الأرض يمثل الدين الصحيح إلا القرآن؛ لذلك يحتاج الناس إلى معرفة هديهِ غاية الاحتياج، وإلى فهم ما حواه من شمول موضوعي بالغ غاية التمام والكمال، وإلى إدراك ما يقدمه لهم من حلول لمشكلاتهم النفسية والاجتماعية، ولمعضلاتهم الأخلاقية والاقتصادية، ولا يتحقق ذلك إلا بدراسات علمية جادة لموضوعات القرآن الكريم، ثم تُنْصَب أمام الناس مثلًا أعلى، وحبلًا ممدودًا للنجاة من هذه المحنة العالمية الطاغية؛ فإما أن يئوب الناس إلى دين الفطرة، أو تقوم عليهم الحجة البالغة التي من أجلها تعاهد الله تعالى بحفظ القرآن، وجعله صوت النبوة الممدود إلى يوم القيامة.
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
حاجة المسلمين خاصة؛ الأولى: هذه الحاجة العالمية أما هنا فحاجة المسلمين خاصة؛ فلقد فُتِنَ المسلمون بزخارف الحضارة المادية، وتبعوا سنن الكفار في القوانين والأخلاق والتربية، ولذلك يحتاجون قبل غيرهم إلى فهم شمول الهدي القرآني، واتساع موضوعاته لكل شئون حياتهم، وبذلك يقبلون على تطبيقه بيقين واقتناع، ويقدمونه للناس على معرفة وتجربة، ويبذلون في سبيله النفس والنفيس عن رضًا وطواعية؛ لأنه الحق الوحيد في الأرض، والذي يغنيهم عن تسول المبادئ من الشرق أو الغرب، بل إن الدنيا كلها محتاجة إليه، وبذلك ينقذ المسلمون أنفسهم والعالم كله من ورائهم بهذا الهدي القرآني الجامع.
ثالثًا
من الفوائد العظمى للتفسير الموضوعي في هذا العصر: تأصيل الدراسات القرآنية والعلمية؛ فمن المقرر أن كتابًا في الأرض لم ينل ما ناله القرآن الكريم من عناية ودراسة، وقد بذل علماؤنا من قديم جهودًا خارقة لخدمة الكتاب الكريم، غير أن القرآن الكريم من السعة والاستبحار بحيث لا تنفذ معانيه، بل نجد علماء يجدون فيها جديدًا في كل عصر، وربما أربى اللاحق على سابقه بما يفتح الله له من كنوز القرآن الكريم، وهذا معنى ما ندندن حوله من تجدد ألوان الإعجاز القرآني بتجدد الزمان، وأنا على يقين أن جمع الآيات الكريمة جمعًا موضوعيًّا، وتفسيرها على هذا النمط، مع إحصاء الألفاظ واستقصاء المعاني وتتبع الدلالات القرآنية في مواضعها وموضوعاتها، هذا اللون حين...
١.١ معلومات أولية عن التفسير الموضوعى
... تنضج مباحثه سيكون له أعظم الأثر في إبراز علوم قرآنية جديدة، ودفع هذه العلوم نحو التأصيل والاحتمال -بإذن الله- ومن ذلك -مثلًا- على سبيل المثال الموجز علم الأصول القرآنية، وهو ابتداءً أوسع مدى وشمولًا من علم أصول الفقه المعروف؛ لأننا نعني به الأصول الجامعة، والقواعد الحاكمة، والقوانين العليا التي تضبط كل ما يتصل بالقرآن والإسلام من علوم وفنون، ومن المقرر أن القرآن الكريم هو دستور محيط، يضم في تضاعيفه هذه الضوابط الكلية الجامعة، وقد أدراك علماؤنا هذه الحقائق من قديم وتناولوها بالبحث والاستنباط، وسجلوها نثرًا في مواضعها من مباحث العلوم الإسلامية واللغوية، غير أن طرائق علمائنا -نضر الله تاريخهم- لم تكن تقوم دائمًا على الإحصاء والاستقراء الكلي الشامل لكل أطراف الموضوع، ثم لم يمتد نطاقها إلى كل المباحث العلمية المتصلة بالقرآن الكريم؛ من حيث منهجه الديني، وأسلوبه التربوي والاستدلالي، ولغته العربية الخاصة به، ونحو ذلك من جوانبه الواسعة؛ فلا تزال قواعد أئمتنا السابقين تحتاج إلى مزيد من التحرير في الكيف والكم، أو من حيث الكمال والتمام الذي عناه القرآن بقوله تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)).
وهذا ليس بعيب على السابقين -رضي الله عنهم- فقد وطَّئوا أكناف العلم، وجمعوا شتات المسائل، وتركوا لمن
بعدهم إتمام البناء، وإنما العيب على اللاحقين أن رضوا بالقعود مع الخالفين، وعلى سبيل المثال: لقد كان علم
أصول الفقه هو أوفر العلوم حظًّا من حيث التأصيل، وأخذ القواعد الكلية من القرآن والسنة النبوية، ومع ذلك لم
تزل فيه جوانب لم تنل حظها الحقيقي من التأصيل الكلي الشامل عن طريق القواعد العليا التي تحكم مفردات القواعد؛ مثل:
ولقد بحثت هذه القضايا في أصول الفقه، لكن ليس على طريق الاستقراء القرآني الجامع، وإلا لحُسِمَتْ مادة الخلاف بين الأصوليين أنفسهم حول جواز الاجتهاد النبوي في وضع الأحكام أو عدمه، مع أن هذه القضية تتعلق بالأصل الأول القطعي الثبوت والدلالة في القرآن، وهو تفرد الله تعالى بالحكم والتشريع، وهناك قضايا كثيرة في هذا الباب.