3.2 تفسير قوله تعالى: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة: 5]


إن ما يعبد به تعالى لا يكون إلا على ما يحبه ويرضاه، وعبادته هي شكره، وحبه وخشيته فطري ومعقول للعقول السليمة، لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسل، وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول، يستحيل تعطيل العالم عنه.
و ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) قرأ السبعة بتشديد الياء وتقديم (إياك) على الفعل (نعبد)؛ لقصد الاختصاص والاهتمام وعدل عن الغيبة إلى الخطاب لقصد الالتفات؛ لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى آخر كان أحسن تطرية لنشاط السامع وأكثر إيقاظا له، وقدمت العبادة على الاستعانة لكون الأولى وسيلة إلى الثانية، والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل.
((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) إلى آخر الآية. الهداية هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام وهو بعد البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان إلا من جهة الرسل، فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق، وجعل الإيمان في القلب، وتحبيبه إليه، وتزيينه في قلبه، وجعله مؤثرا له، راضيا به، راغبا فيه، وهما هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمنتان تعريف ما لم تعلم من الحق تفصيلا وإجمالا وإلها مثاله، وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرا وباطنا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهوى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة. والصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك في لغة جميع العرب.

3.2 تفسير قوله تعالى: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة: 5]


قوله: ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) كرر لفظ الصراط ثانيا؛ لبيان وصف سائليه المنعم عليهم، والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في سورة النساء، حيث قال تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)) [النساء: 69].
قوله: ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) أي: غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم فعملوا الحق، وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ (لا) ليدل على أن ثمة مسلكين فاسدين، وهما: طريق اليهود والنصارى ليتجنب كل واحد منهما، فإن طريقه أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق، والعمل به واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى.