2.3 تفسير ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) [الفاتحة: 2، 3]


الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، والفرق بين الحمد والشكر هو أن الحمد: ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر: ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، ولذلك فالحمد أعم من الشكر، واللام في قوله: ((لِلَّهِ)) للاختصاص والاستحقاق، والرب: المصلح والمدبر والقائم، و ((الْعَالَمِينَ)) جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله.
ووصف الله نفسه بعد الرب بـ ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) [الفاتحة: 3]؛ لأنه لما كان في اتصافه برب العالمين ترهيب، قرنه بالرحمن الرحيم لما تضمنه من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال: ((نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ)) [الحجر: 49، 50]، وقال: ((غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ)) [غافر: 3].
وقال صاحب روح البيان في تكرار ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) وجوها، منها: ليعلم أن التسمية ليست من الفاتحة، ولو كانت من الفاتحة لما أعادها لخلو الإعادة عن الفائدة، ومنها أيضا: أنه ندب العباد إلى كثرة الذكر، فإن من علامة حب الله حب ذكر الله. ومنها: أنه ذكر رب العالمين، فبين أن رب العالمين هو الرحمن الذي يرزقهم في الدنيا، الرحيم الذي يغفر لهم في العقبى؛ ولذلك ذكر بعده ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) [الفاتحة: 4]، ومنها: أن التكرار للتعليل.
وفي هذه الآية اسمان من أسماء الله (الله والرب)، والله هو الإله المعبود، فهذا الاسم أحق بالعبادة؛ ولهذا يقال: الله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والرب هو المربي، الخالق الرازق، الناصر الهادي، وهذه الأسماء أحق باسم الاستعانة والمسألة.

2.3 تفسير ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) [الفاتحة: 2، 3]


والحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم والكمال الذاتي، والوصفي والفعلي، فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ولا بد من قيد وهو المحبة والتعظيم.
والحمد: ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر: ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، وعلى هذا فالحمد أعم من الشكر؛ لأن الحمد يقع على الثناء، وعلى التحميد وعلى الشكر.
والجزاء المخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا، فصار الحمد أعم في الآية؛ لأنه يزيد على الشكر، ولقد أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه، وافتتح كتابه به بحمده فمعنى ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) أي: سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق مشوب بالعلل؛ ولهذا قيل: يستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه؛ ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار. وقيل: لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده، حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل، لما علم من كثرة نعمه على عباده، وعجزهم عن القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم؛ لتكون النعمة أهنأ لديهم حيث أسقط عنهم به ثقل المنة.
قوله ((رَبِّ الْعَالَمِينَ)) أي: مالكهم وكل من ملك شيئا فهو ربه، فالرب المالك، فالله سبحانه رب الأرباب، يملك المالك والمملوك، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، فهو رب للعالمين.