3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


الإجماع على وجوب اتباع السنة
وبعد كل ذلك نقول: دليل الإجماع: أجمعت الأمة سلفًا وخلفًا قديمًا وحديثًا بإجماع أهل السنة والجماعة أن السنة حجة من حجج الله على خلقه، وأنه يجب عليهم أن يستجيبوا لها وأن يعملوا بها. الشوكاني -رحمه الله تعالى- يذكر الإجماع، وليس الشوكاني وحده هو الذي تكلم عن الإجماع في السنة، بل كل العلماء، الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- له كتاب رائع جدًّا عظيم في حجية السنة المطهرة، يقول في أول أبواب هذا الكتاب: "الباب الأول في بيان أن حجية السنة ضرورة دينية، وأنه لم يقع فيها خلاف بين المسلمين قاطبة: اعلم أنه لا شك ولا نزاع في أن صحة الاستدلال بحديث يروى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عقيدة دينية أو حكم شرعي تتوقف على أمرين:

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


الأول: ثبوت أن السنة من حيث صدورها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة، وأصل من أصول التشريع.
ثانيًا: ثبوت أن هذا الحديث قد صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطريق من طرق الرواية المعتمدة.
يعني الشيخ يقول: صحة الاستدلال بحديث تتوقف على أمرين:
الأمر الأول: أن نعلم أن السنة الصادرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة وأصل من أصول التشريع.
الأمر الثاني: أن نتأكد النبي -صلى الله عليه وسلم- قال هذا الحديث، حتى نقول عنه: إنه حديث صحيح، فإذا ثبتت نسبة الحديث، وهذا هو عمل علماء الحديث حين يقولون: إن هذا حديث صحيح، وهذا كذا يعني معناها أنه ثبتت نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


فنحن نريد أن نتأكد من أمرين: الأمر الأول: أن السنة حجة. والأمر الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال هذا الحديث. محل الشاهد في كلامنا الآن هو الأمر الأول، فالشيخ يقول: أما الأمر الأول، وهو حجية السنة بعد التثبت من صدورها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهل وقع فيه خلاف؟ لا شك أن من العلماء من أنكر حجيتها في نواح خاصة، كمن أنكر استقلالها بالتشريع، ولم ير الاحتجاج بها فيما ليس فيه قرآن، وكمن يرى أنها لا تنسخ القرآن وغير ذلك. يقول: ولا كلام لنا في هذه المسائل، وإنما كلامنا في ثبوت حجية السنة في الجملة، فهل من العلماء من نازع في ذلك، وقال: إنه لا يحتج بشيء منها بحال؟ لا نجد في كتب الغزالي والآمدي والبزدوي وجميع من اتبع طرقهم في التأليف من الأصوليين تصريحًا، ولا تلويحًا بأن في هذه المسألة خلافًا، وهم الذين استقصوا كتب السابقين ومذاهبهم، وتتبعوا الاختلافات حتى الشاذة منها، واعتنوا بالرد عليها أشد الاعتناء، بل نجدهم في هذه المسألة لا يهتمون بإقامة دليل عليها، وكل ما فعله بعضهم أنه ذكر بحث العصمة قبل مباحث السنة على سبيل الإشارة، إلخ.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


يعني الرجل يقول: لم يحدث خلاف أبدًا بين علماء الأمة، ولم ينقل أحد من الذين اهتموا بتتبع المسألة بأنه قد حدث نزاع في حجية السنة. ويقول الشيخ: "وليت شعري كيف يتصور أن يكون نزاع في هذه المسألة بين المسلمين، وأن يأتي رجل في رأسه عقل، ويقول: أنا مسلم ثم ينازع في حجية السنة بجملتها، مع أن ذلك مما يترتب عليه عدم اعترافه بالدين الإسلامي كله من أوله إلى آخره". هو ينقل هنا الإجماع على أن السنة حجة، وأن الأمة كلها قد أجمعت على ضرورة اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان وجد في بعض الأقوال أن هناك من نازع مثلًا في أن السنة لا تنسخ القرآن، لا ينبغي أن توظف هذه الأقوال على أنها اعتراض على حجية السنة، فما قصد واحد من علماء الأمة ممن توقفوا في بعض هذه التفصيلات ما قصد أبدًا أن يتكلم عن حجية السنة، فالكل مجمع بأن السنة حجة لا بد من اتباعها، هذا أمر قرر.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


والإمام الشوكاني يؤكد القضية أيضًا ويقول رحمه الله تعالى: "إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بالتشريع بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام". هذا أمر أيضًا بالإضافة إلى الإجماع يقول: إن استقلال السنة بالتشريع وثبوت حجيتها ضرورة دينية، يعني معلوم من الدين بالضرورة من خلال الأدلة التي ذكرناها من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة. ذكرنا كل هذه الأقوال، وللإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتابه "الرسالة" أقوال جميلة جدًّا نحيل عليها في الفقرات يعني 239، 240، 294 في النسخة المرقمة، تحقيق الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله تعالى ورضوانه. إذن كل هذه أدلة على حجية السنة المطهرة. وننتقل الآن إلى نقطة مهمة جدًّا قبل أن ندخل على الشبه التي أثارها المغرضون حول السنة المطهرة.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


نطرح سؤالًا أراه هامًّا جدًّا: لماذا يهاجمون السنة؟ ولماذا يعني هذه الحرب الضروس الشرسة على السنة؟ ولماذا كلما وجد -سواء من أبناء الإسلام الذين تبنوا أفكارًا خاطئة، فأصبحوا خارج الدائرة الإسلامية الصحيحة- لماذا يكون هدفهم السنة؟ ولماذا كل فرقة من فرق: المعتزلة، الخوارج، هكذا، كل من يقف من الإسلام موقفًا في أي جزئية من جزئياته يكون همه الأول موجهًا ناحية السنة المطهرة؟ ثم جئنا إلى المحدثين من المستشرقين، ومن العلمانيين، ومن كل من يسير في دربهم أو على دربهم وفي طريقهم، الكل يتجه ناحية السنة؟ لأن السنة هي خط الدفاع الأول عن الإسلام بإيجاز شديد، وسنحاول أن نوضح هذه الفكرة في نقاط محددة حتى يسهل استيعابها بإذن الله رب العالمين، إذا لماذا يهاجمون السنة؟ فسأقول: هناك جملة من الأسباب:

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


أولًا: لأنها هي التي تبين القرآن الكريم وتوضحه، وهذا أمر تكلمنا فيه بالتفصيل، وأنه لولا السنة لما فهمنا القرآن، ولاستعجم علينا القرآن، فلا نستطيع أن نفهمه، ولا أن نطبقه. كلمة "استعجم علينا القرآن" استعملها شيخنا العلامة الشيخ محمد أبو شهبة -عليه رحمة الله تعالى- في كتابه الماتع "دفاع عن السنة" قال وهو يبين غرض المحاربين للسنة أنهم يقصدون تضييع القرآن، لأنه لولا السنة لما فهمنا القرآن الكريم، ولما طبقناه، فبالتالي هذا هدفهم أن يعطلوا القرآن عن التطبيق، أمر خطير جدًّا. مع ملاحظة أن أدلة الشرع قامت ودلت على أن القرآن الكريم نزل ليعمل به، القرآن الكريم لم ينزل لكي نتلوه فقط، ولا لكي نحفظه فقط، مع الإقرار بأهمية التلاوة، وأهمية الحفظ، فحفظ القرآن وتلاوة القرآن وردت فيها أحاديث كثيرة، هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، لكن صلتنا بالقرآن الكريم لا تتوقف عند قراءته فقط أو عند حفظه فقط، أنا من الذين يفهمون أن لو كانت القضية قضية حفظ القرآن فقط وتلاوته فقط فإن أحدًا من أعداء الإسلام لن ينازع في ذلك، اقرءوه كما شئتم، واملئوا الدنيا دموعًا وأنتم تقرءونه، في الصلاة وفي غير الصلاة، لا حرج عليكم في ذلك.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


أما أن ينزل القرآن إلى حياة المؤمن ليقود حركته في كل جوانب حياته، فمن هنا يأتي الصدام وتأتي المعركة إذا جاز التعبير، ونحن -يشهد الله- لا نفتعل معارك، ولا نريد أن ندخل في معارك مع أحد، وإنما نريد أن نفهم ديننا على الوجه الذي يرضي ربنا عز وجل. فالقرآن الكريم جاءت عشرات الأدلة لتبين لنا أن لقرآن الكريم نزل ليعمل به، وأنه لن يكون حجة لأهله إلا إذا عملوا به، والأحاديث في الصحيحين نجدها في كتاب فضائل القرآن وغيره عند البخاري ومسلم (( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب )) إلى آخر الحديث، محل الشاهد: "ويعمل به". الحديث الآخر: (( يؤتى يوم القيام بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان أو غيايتان)) (( تحاجان عن صاحبهما )) يعني: تدافعان، تجادلان عن صاحبهما، ماذا سيقولان؟ أمر معروف حفظنا، وقرأنا وعلمنا وتعلمنا، وطبق أحكامنا.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


وكان من المعلوم من منهج الصحابة في التعامل مع القرآن الكريم أن أحدهم كان إذا حفظ عشر آيات لا يتجاوزها حتى يعمل بما فيها من أحكام؛ لأنهم يعلمون أن القرآن الكريم نزل ليعمل به، إذًا معركة الإسلام أن تهاجم السنة. الهجوم على السنة هجوم على القرآن، هجوم على الإسلام؛ لأن الإسلام في نهاية الأمر عبارة عن قرآن وسنة، نستمد كل أحكامنا وكل أدلتنا على أي مسألة من مسائل شرعنا في العقيدة، في التشريع، في الأخلاق، في العبادات، في المعاملات، في الأسرة، في الاقتصاد، كل ذلك وغيره نستمد أدلته من قرآن ربنا ومن سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم إذن تتوجه الحملة والهجمة الشرسة على السنة لأنه لو فرض نجحت الحملة، فبالتالي سيصبح القرآن نصًّا مقدسًا، نعم لن يتغير، ولن يتبدل، لكنه سيعطل عن العمل، وهذا معنى قول شيخنا "استعجم القرآن" أي: أصبح فهمه مشكلة، وبالتالي سيكون تطبيقه مشكلة أشد؛ لأننا لن نفهمه حتى نطبق هذا إذن أول غرض هي تبين القرآن وتوضحه، القرآن نزل ليعمل به.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


إذا استعجم القرآن واستبعدت السنة، فماذا بقي من الإسلام؟ ضاع الإسلام، والأعداء الذين يتربصون بالإسلام وأهله الدوائر يعلمون هذه الحقيقة جيدًا، يعلمون أن الهجوم على السنة هو هجوم على القرآن وعلى الإسلام، حتى وإن ألبسوا كلامهم أثواب الغيرة على السنة، هناك من ألف الكتب يهاجم السنة ويهاجم رواتها ويهاجم كل شيء يتعلق بها، ثم هو يقول في نهاية كلامه أو في نهايته أنه كتب هذا الكلام دفاعًا عن السنة ودفاعًا عن الإسلام. لا أدري هو حاله، ومن على شاكلته يدور بين أمرين، إما أنه لا يفهم وتلك مصيبة، وإما أنه يفهم ويدبر ويخطط والمصيبة حينئذ أعظم، أما إذا كان لا يفهم، فلماذا تدخل فيما لا يفهمه، إذا كان لا يفهم أن الهجوم على السنة هو هجوم على الإسلام والقرآن، فهذا أمر خطير، كيف لا يدرك العلاقة بين القرآن والسنة؟ وإذا كان يفهم إذن، فهو مخلب القط الذي يوجهه الأعداء ناحية السنة لينالوا من الإسلام ما يريدون أن ينالوه.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


أيضًا من الأسباب التي تجعلهم يهاجمون السنة أن السنة تشرع كما يشرع القرآن الكريم، فإبطال السنة يعني تضييع جزء كبير من تشريعات الإسلام، يعني في جوانب الحياة المتعددة، بل إن أكثر التشريعات تستمد من السنة المطهرة، وخصوصًا الأحكام التفصيلية، يعني للمسائل الشرعية، وأيضًا كثير من المسائل لا تجد دليلها إلا في السنة المطهرة، لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم. هذا أمر مفهوم جدًّا، السنة تشرع كما يشرع القرآن الكريم، وأيضًا من الأسباب تتمة لنقطة السابقة أن أثر السنة المطهرة في التشريع الإسلامي، وأيضًا أثرها في الفقه الإسلامي من لدن عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الراشدين حتى عصور أئمة الاجتهاد من أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم، السنة هي زادهم في اجتهادهم كله. زادهم وماؤهم وطعامهم وشرابهم بعد القرآن الكريم يعني إذا قلت مثلًا: ما هي الأصناف التي يدخلها الربا؟ اذهب إلى السنة، ما هي صور البيع الحلال وصور البيع الحرام؟ اذهب إلى السنة.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


القرآن قعد القاعدة (( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا )) [البقرة: 275] لكن ما هي صور البيع الحلال؟ ما هي صور الربا الحرام؟ ما هي الأمور التي يدخلها الربا والتي لا يدخلها الربا؟ وكيف يكون الربا؟ كل ذلك وغيره، يعني مما يطول المقام بذكره تكلمت عنه السنة المطهرة. إذًا السنة وأثرها في الفقه وفي استمداد الأدلة من عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وعصر الصحابة وعصر الاجتهاد، وأئمة الاجتهاد، وحتى إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها، السنة هي الزاد في كل هذا، ولن يكون هناك مجتهد لا يتجه إلى السنة ليستمد منها الأدلة على ما يريد أن يقول. أيضًا الفقه الإسلامي ثروة تشريعية، تشمل كل جوانب الحياة، كما قلنا، والسنة المطهرة لها الدور الأكبر في ذلك. فالعمل بالسنة المطهرة -ورب الكعبة- هو الذي أدى إلى حفظ كيان الإسلام، وعدم ذوبانه في الحضارات الأخرى، وأنا هنا أقرأ كلمة قالها الدكتور محمد أسد، بعد إسلامه: "لقد كانت السنة مفتاحًا لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فلماذا لا تكون مفتاحًا لفهم انحلال الحاضر؟

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


إن العمل بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وأن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة هي الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وأنك إذا أزلت هيكل بناء ما سيدهشك بعد أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ إن التعبير الذي يتردد على مسامعنا اليوم كثيرًا لنرجع إلى القرآن الكريم، ولكن يجب ألا نجعل من أنفسنا مستعبدين للسنة، هذا التعبير يكشف بكل بساطة عن جهل بالإسلام، إن الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلًا يريد أن يدخل قصرًا، ولكنه لا يريد أن يستعمل المفتاح الأصلي، الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب. المفتاح للإسلام وبناء الإسلام وقصر الإسلام هو السنة، فهل يمكن أن يدخل أحد القصر دون أن يستعمل المفتاح؟ ويكشف الرجل السر في محاربة السنة فيقول: "إن الهدف إسقاطها حتى يفقد المسلمون الصورة التطبيقية الحقيقية لحياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون الأوائل، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته".

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


يعني إن معي الآن كثيرًا من النقول التي تبين مثل هذا الأمر، وكلامًا للدكتور محمد أسد وغيره يبين جملة من المسائل الهامة، يعني نقول: العمل بالسنة المطهرة هو الذي حفظ كيان الإسلام، هو الذي منع الإسلام من أن يذوب في الحضارات الأخرى، وهذا هو سر عداء المستشرقين وغيرهم للسنة، أو هذا على رأس الأسباب أن السنة حفظت كيان الأمة ومنعتها من الذوبان في الحضارات الأخرى. ماذا نقصد بقولنا: حفظت لنا كيان الأمة؟ يعني جعلت لنا اقتصادًا إسلاميًّا، جعلت لنا أسرة إسلامية، جعلت لنا مجتمعًا إسلاميًّا، له قيمه، له مبادئه، له أسسه التي يقوم عليها، له قوانينه التي تحكمه، ليس مجرد عبادة فحسب بين العبد وربه، إنما منهج حياة كامل، السنة تقوم بدور هاما في ذلك، هم يريدوننا مثلًا أن تكون نساؤنا كنسائهم في كل شيء، في عدم الحجاب، في العلاقات المفتوحة، كما نعلم وكما يعلم الجميع هم يريدوننا في المسائل المالية أن نكون مثلهم، هم يريدون في شكل مجتمعنا أن يكون كمجتمعهم، يبيح الخمر ويبيح الشذوذ، ما الذي يعصمنا من التردي في كل ذلك؟ إنها السنة المطهرة.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


لذلك كانت الحرب شرسة عليها، هي تبين القرآن وتشرع مع القرآن، وهي تضمنت كثيرًا من الأحكام التي وقفت بالمرصاد لهذه الأفكار الخطيرة التي تضيع كيان الأمة الإسلامية وتذيبها في حضارات الأمم الأخرى خصوصًا في هذا الزمان بالذات؛ لأن الحضارات الأخرى يعني حضارات تفوقت في الجوانب المادية، وأصبحت تملك القوة على فرض أهدافها ووسائلها وأخلاقها ومبادئها على الأمم الأخرى إن لم يكن اقتناعًا فبقوة القهر والغلبة. فعلى ضعف أمة الإسلام في واقعها المعاصر هي معصومة من الذوبان، ما السبب؟ على رأس الأسباب السنة المطهرة، لذلك تشتد الحملة الشرسة من المستشرقين الذين يخدمون الأغراض الاستعمارية كما سنبين فيما بعد على السنة المطهرة، وتأثر بأقوالهم فريق من أبناء الإسلام. أيضًا السنة المطهرة هي مع السيرة، السنة والسيرة، والسيرة جزء من السيرة، كلاهما متعلق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- السنة تتعلق بأقواله وأفعاله وتقريراته، إلى آخر ما عرفناها، والسيرة هي التطبيق العملي لحياة النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا أردنا أن نقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فلا بد من معرفة السنة ومعرفة السيرة،

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


واقتداؤنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ليست مسألة ترفيهية أو كمالية أو متروكة لخيارنا، لا، نحن بمقتضى إيماننا لا يجوز لنا أن نقتدي بغير النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد حصر الله تعالى قدوتنا وأسوتنا في النبي -صلى الله عليه وسلم- وغير مسموح لأمة الإسلام أن تقتدي بغيره أو أن تمتثل لهدي غير هديه: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ )) [الأحزاب: 21]. فتطلع المسلمين إلى هذا المثل الأعلى الراقي من حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أمروا أن يقتدوا به، وهذا هو سر العداء للسنة أيضًا أنها تضمنت الجوانب التطبيقية في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- ويعضدها في ذلك علم السيرة الطاهرة المباركة. إذن هذا أيضًا من الأسباب التي جعلتهم يوجهون سهامهم المسمومة نحو السنة. أيضًا نقطة مهمة جدًّا، السنة النبوية -وأرجو أن ننتبه- من الأسس القوية التي قامت عليها وحدة المسلمين.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


المسلمون أوطانهم متعددة، وألسنتهم متعددة، وأشكالهم متعددة، وأجناسهم متعددة بفضل من الله تعالى لا توجد دولة من دول العالم إلا وفيها مسلمون بصرف النظر عن قلة العدد أو كثرته، فقد بلغ الإسلام بفضل الله -عز وجل- ما بلغ الليل والنهار، ووصل إلى مشارق الأرض ومغاربها، ويعيشون كمسلمين في دول خاصة بهم، ويعيشون أيضًا مع غيرهم من أبناء الديانات الأخرى في الأوطان المتعددة. كل ذلك والمسلمون جميعًا يأكلون مثل بعضهم، ويلبسون مثل بعضهم، ويتزوجون كما يأمرهم إسلامهم، ويبيعون ويشترون ويكوّنون علاقاتهم الاجتماعية، ويعرفون صلة الرحم، وحقوق الجيران، وكيف يربى الأولاد، وحقوق الزوجة، وكيف يجمعون أموالهم من الحلال الطيب؟ وكيف ينفقونها في الحلال الطيب؟ كل ذلك على تباعد الأوطان، واختلاف الألسنة والألوان، وعلى تعدد اللهجات، وتعدد أشكال، ما بين أسود وأصفر وأبيض... إلخ. ومعصومون بحول الله تعالى من أن يذوبوا في غير ما أحل الله لهم، لا يوجد مسلم مثلًا مهما كان في أرض يبيح أكل الخنزير، حتى وإن أكله في بلاد تسمح بذلك، لكنه يعتقد أنه حرام، لا يوجد مسلم في بقاع الدنيا يقول: إن الخمر حلال، لا يوجد مسلم يأكل بغير أدب الإسلام، يأكل بيمينه، أنا أقول باعتبار ما يجب أن يكون.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


إذن هذه الوحدة التي عصمت المسلمين أولًا أقامت صرح الود بينهم والأخوة والتلاحم، وعصمتهم من الزلل، كل ذلك الفضل فيه لله -تعالى- ثم للقرآن والسنة، فهي التي احتوت على المناهج التشريعية التي تعصم الأمة من التفرق، ومن الاختلاف، ومن الجري وراء الأعداء والتشبه بأخلاقهم أو سلوكياتهم، إلخ. كل مسلم في الدنيا يكره الشذوذ وينبذه، كل مسلم في الدنيا حتى وإن وقع من البعض بعض الرذائل وبعض النقائص وبعض الكبائر، فهم يعلمون أنهم يفعلون محرمًا، غيرهم ينعزل عن قضية الدين بالمرة لا يفكر في حلال، ولا في حرام.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


إذن السنة النبوية دورها خطير في الحفاظ على، أولًا هي من الأصل قامت عليها وحدة الأمة، ثم هي بعد حافظت على تلك الوحدة، تأتي على المسلمين عصور ضعف، يتفرقون فيها في بعض الأمور السياسية وغير السياسية، لكن يبقى لحمة البناء الإسلامي واحدة، وهذه حقيقة يدركها القاصي والداني، ويعرفها الأعداء قبل الأصدقاء، وهذا سر من أسرار حربهم الشرسة على الإسلام ككل، وعلى السنة بشكل خاص؛ لأنهم يعلمون أن للسنة دورًا خطيرًا جدًّا في الحفاظ على هوية الأمة، على وحدة الأمة، على كيان الأمة، على ترابط الأمة في كل -كما قلت- في أكلها في شربها في لباسها في عاداتها في تقاليدها في علاقتها إلى آخر ما ذكرناه من صور. أيضًا أمر خطير آخر، إذا أبعدوا السنة أمكنهم تأويل آيات القرآن الكريم وفق أهوائهم، السنة هي العائق الأكبر والسد المنيع أمام تدخل الأهواء في تأويل القرآن، لماذا؟ ما هو دور السنة في هذه المسألة؟

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


دورها خطير، فهي التي تبين القرآن، فإذا أراد أحد أن يبين القرآن على غير بيان السنة، فلن نقبله، ثم هي تشرع وتتم القرآن الكريم في التشريع، فإذن لن يستطيع أحد أن يبتعد بالقرآن عن مراميه ومقاصده ومعانيه التي تلقتها الأمة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووالله لو لم تكن هناك السنة لفتحت الأقاويل المتعددة في تفسير وتأويل آي القرآن الكريم، وللوى كل واحد عنق الحقيقة وعنق الآية على الوجه الذي يريد في فهمه، وهناك محاولات في هذا، ولكنها تبوء بالخسران. ولذلك كثيرًا ما يتشدق المتشدقون: أتريدوننا أن نحكم بفقه الخلفاء الراشدين؟! أنحكم بفقه مضى عليه أربعة عشر قرنًا؟! كلام يعني ماذا نقول في وصفه؟ إن الأمة لها فهم أجمعت عليه تلقته عن سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- تلقاه جيل الصحابة، ونقلوه لمن بعدهم، في كل شيء، في الحدود، في العبادات، في العقائد، في العبادات، في المعاملات في الأخلاق، في التشريع كل ذلك حفظته السنة، تممت القرآن الكريم في التشريع وبينته، وحافظت على القرآن وعلى الإسلام.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


إذن أيضًا السنة لها دورها في الحفاظ على القرآن، وعصمته من تدخل الأهواء فيه، ومن تأويله حسب الأغراض أو تفسيره حسب الأغراض، إنما الله -عز وجل- عصم الإسلام من ذلك، وعصم القرآن من ذلك بأساليب متعددة، ومن بينها أو على رأسها أيضًا السنة المطهرة الشريفة. أيضًا من أسباب الهجوم على السنة هو أن كثيرًا من الأعداء هاجموا الإسلام، فعداوتهم للسنة هي عداوة للإسلام؛ يعني هذا أمر أيضًا وجدت فيه أقوال كثيرة من أعداء الإسلام بينوا فيها يعني أن الإسلام هو العقبة الكئود في سيطرة الغرب على العالم، فيحاربونه، وحربهم أيضًا موجهة إلى السنة باعتبارها جزأ من الحرب على الإسلام. "مرمريك تاكلي" يقول: إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها سابقًا بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول؛ لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم، لذلك يحاربون الإسلام. ثم يضيف "تاكلي" قائلا: يجب أن نستخدم القرآن، وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه حتى نقضي عليه تمامًا. يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


ويقول "وليم جيفورد": متى يتوارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يندرج في طريق الحضارة الغربية بعيدًا عن محمد وكتابه. الحرب على الإسلام، وعلى السنة، وعلى القرآن، وألفت الكتب في الهجوم على السنة، والمعركة خطيرة وشرسة، ولذلك لو أردنا أن نعدد العبارات التي تبين عداءهم للإسلام وللقرآن وللسنة، فسيطول بنا المقام جدًّا، لكن أنا أتكلم عن أسباب هجومهم على السنة. قلت أسبابًا كثيرة حتى نفهم طبيعة المعركة، هل نحن نحارب طواحين الهواء؟ هل نفتعل معارك؟ والله هذه كتبهم، وهذه أقوالهم تفصح، وهذه أيضًا أفعالهم تفصح عن مراميهم ومقاصدهم وأهدافهم في الهجوم على السنة. ونلاحظ ونستقرئ المعركة عبر التاريخ كله قلت حتى من داخل الإسلام نفسه، حينما تشذ طائفة ما في فهمها عما أجمع عليه المسلمون من أهل السنة والجماعة، فإنهم يتجهون في حربهم على السنة، ولذلك سبحان ربي العظيم هؤلاء جميعًا جمعهم العداء للسنة، والعداء للإسلام، وخططوا ودبروا، وتعاونوا، واستفادوا مما قيل قديمًا ومما قيل حديثًا، يجمعون الأقوال ويلمعونها تجد الشبه الحديثة أثارها المعتزلة قبل، وبعضها قالها الخوارج، والشيعة لهم موقف من السنة أيضًا كثير يحاول أن يسير على دربه، فالتقت الأهداف والأغراض حول العداء للإسلام وللقرآن ولنبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم- وللسنة المطهرة، فاندفع الجميع في حربهم على السنة.

3.2 الإجماع على وجوب اتباع السنة


ولذلك يجب أن ندرك هذه الحقيقة جيدًا، وأن نقبل على دراسة السنة بروح الجندية، فنحن على ثغر من ثغور الإسلام، يحاول الأعداء أن يناول من الإسلام من قبله حقيقة، يشهد الله أني أقولها بمنتهى الصدق والإخلاص؛ لأن هذا ما أفهمه، ولذلك لا ينبغي أن تكون دراستنا مقتصرة على كونها تريد أن نحصل على شهادة فقط، هذا الأمر ليس مرفوضًا، لكن ينبغي أن تتوجه النية نحو الدفاع عن الإسلام، وأن يعلم كل متخصص في السنة أنه على ثغر من ثغور الإسلام يحاول الأعداء أن ينالوا من الإسلام من قبله، فليكن هو الجندي الأمين الحريص المتيقظ. وذلك بالعلم وبالفهم، نحن لا نحمل أسلحة، إذا كنا نعبر بتعبير المعركة، فهذه من عندهم، لكننا لا نقصد المعارك يعني أننا سنحمل أسلحة ونقتل، لا والله، هذا لن يكون أبدًا في فهم المسلمين الأسوياء، وإنما المقصود أن نتسلح بالعلم وبالمعرفة وبالفهم الصحيح للسنة وبدورها؛ لكي نرد كيد الكائدين إلى صدورهم، وتبقى المسيرة كما كانت دائمًا نقية واضحة جلية، لا شبهة فيها، ولا غبش، ولا عكارة ولو يسيرة تؤثر على مسيرتنا.