3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
في الحديث عند البخاري: (( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى )) ، هذا حديث رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب: الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سمى النبي -صلى الله عليه وسلم- معصيته إباء، أي: إعراضا، وتوليا، وجحودًا، وبعدًا.
وأيضًا روى البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- من حديث أبي هريرة أيضًا: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه )) .
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام، باب: الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه مسلم في الحج في سياق طويل؛ قال صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا. فقام رجل فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم )) .
النبي -صلى الله عليه وسلم- سكت عن الرجل حتى كررها ثلاث مرات، وكان يحب -صلى الله عليه وسلم- أن ينتبه الرجل إلى أمر هام، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لو كان الحج واجبًا في كل عام سينبه إليه ابتداء من غير سؤال، يعني: لن ينتظر حتى يسأله أحد عن ذلك، لماذا؟ لأن هذا من أنواع البيان، إذا كان واجبًا في كل عام فعليه أن يبين هل يمكن مثلًا أن يكون واجبا في كل عام، ثم يسكت عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
لنفترض أن أحدًا لم يسأل، ومن القواعد الأصولية: تأخير البيان عن وقت لحاجة لا يجوز.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- سكت عن الرجل؛ لعله ينتبه ثلاث مرات، فلما أصر الرجل على سؤاله قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو قلت نعم لوجبت )) ، أي: لوجب الحج في كل عام، (( ولما استطعتم )) .
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
في هذه الجملة بيان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشرع، وأنه إذا شرع وجب امتثال شرعه، أي: ماذا سيكون شأنكم لو قلت: نعم، وأنتم لا تستطيعون؟ إذا جملة (( لو قلت نعم )) تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشرع، وأن على الأمة أن تقول: سمعنا وأطعنا.
أيضًا حديث العرباض بن سارية -رضي الله تعالى عنه-، وهو عند الترمذي، وعند أبي داود: (( صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ تمسكوا بها، وعضوا علينا بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )) .
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
وأيضًا من الأحاديث الواردة في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله )) .
وانظروا إلى هذا التلازم بين طاعة الله تعالى وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، هما شيء واحد، لا يستطيع مسلم أبدًا أن يفصل بينهما، وهذا يغلق الباب أمام أي فهم عقيم يخالف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو في نفس الوقت يتصور أنه طائع لله تعالى، لن يكون ذلك أبدًا؛ التلازم بين الطاعتين واضح، وكذلك التلازم بين المعصيتين، باتفاق أهل العلم على ذلك، لا يخدعن الشيطان أحدنا عن هذا الفهم الذي ينبغي أن نكون عليه.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
(( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله )) ؛ لأنه هو المبلغ عن الله؛ لأنه هو الذي نقل لنا ما يريده الله تعالى من عباده، أتى لنا بالحنيفية السمحة وبالقرآن، والسنة ... إلى آخره.
أيضًا من الأحاديث الواردة في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي )) .
وقد أشار العلماء- ومنهم ابن حزم، ومنهم الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- في كتابه "حجية السنة"- إلى أدلة كثيرة تحتم اتباع السنة المطهرة، منها دليل الإيمان.
ودليل الإيمان معناه: أن كل الآيات وكل الأحاديث بينت أننا لن ينعقد إيماننا ولن يتم إلا إذا حكّمنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل شأن من شئون حياتنا.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
وقد مرت بنا هذه الآيات، وهذه الأحاديث، لكن لأن العلماء جعلوه دليلًا مستقلًّا وهو دليل الإيمان فإننا نشير إليه سردًا، حيث يقول الله تبارك وتعالى: (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )) [النساء: 59] نرى هنا أن الله -تبارك وتعالى- في القرآن الكريم قد علق الإيمان على رد التنازع إلى القرآن وإلى السنة، وكما قلت: نادنا أولًا بصفة الإيمان (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )) [النساء: 59].
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
فالله تعالى يطلب أن نطيع الرسول، وقبل ذلك طلب منا أن نؤمن بالرسول -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ )) [النساء: 136]، وفي قوله تعالى: (( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )) [الأعراف: 158.
ثم إن الإيمان يقتضي التصديق بكل ما جاء به هذا الرسول.
فهب أن واحدًا مثلًا يزعم أنه آمن بالرسول ثم لم يؤمن بكل ما جاء به هذا الرسول، هل تسلم له قضية الإيمان هذه؟ لا يمكن؛ لأنه جزء من إيماننا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- أن نؤمن بكل ما جاء به هذا الرسول، من القرآن من السنة، كل ما جاءنا به نصدقه، وإلا فلن يكون هناك مؤمن، بل لن تنسجم قضية الإيمان أصلًا إذا شك أو ارتاب أحدنا في شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
إذن هي قضية واضحة جدًّا، أولًا: أن الله علق الإيمان على طاعتنا للرسول صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك طلب منا أن نؤمن بالله وبرسوله -صلى الله عليه وسلم- وأنه ينبغي أن يكون في ذهن كل مؤمن أنه لن يكون مؤمنًا حقًّا إلا إذا صدق الرسول في كل ما أخبر به.
ولا ينسجم -كما قلنا- أن يتصور أحد أنه مؤمن ثم هو يكذب ببعض ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذن كيف تؤمن به؟ وما معنى أنك مؤمن بأنه رسول؟ تصديقك بأنه رسول يعني أنه من عند الله -تبارك وتعالى- ويخبر عن الله تعالى.
يقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في "الرسالة" وهي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر -عليه رحمة الله- وقد رقم فقراتها، في الفقرة 239 وما بعدها يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له: الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله لم يقع عليه اسم كمال الإيمان حتى يؤمن برسوله معه".
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
ولعل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقصد بكمال الإيمان هنا أي كمال انعقاده، فإن انعقاده ليس الكمال المعروف المضاد للنقص، بمعنى أن أصل الإيمان موجود، ثم قد يتعرض لشيء من النقص، فلا يكون كاملًا، لا، إنما المقصود بكمال الإيمان هنا؛ أي: انعقاد الإيمان؛ أي: كمال انعقاده، لن يكون إلا بالإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم.
فانعقاد الإيمان لا يكون إلا بذلك، ومن هنا قلنا قبل، وها نحن نكرر أن الإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- جزء من إيماننا بالله تعالى، والذي يكذب الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو في نفس الوقت يكذب الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي أرسله، ومن هنا وجبت طاعة الرسول بمقتضى هذا الإيمان في كل ما يبلغه عن ربه ما دمت قد آمنت بأنه رسول وصدقته واتبعته، فعليك أن تصدق كل ما أخبر به عن الله تعالى، ولا يجوز أبدًا لا في عقل، ولا في واقع، ولا في نقل أن يزعم أحد الإيمان ثم هو يكذب ببعض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
يقول الإمام الشافعي أيضًا في موطن آخر من مواطن رسالته: وكل ما سن- يقصد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته- أي طاعة الله -عز وجل- يعني اتباعنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- هي طاعة لله -تعالى- وجعل في اتباعه طاعته.
"وجعل في اتباعه" الضمير في اتباعه يعود إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- طاعته تعود على الله تعالى.
وكلام الشافعي: "وكل ما سن- أي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعها أي: المعاندة عن السنة معصيته- أي معصية الله -سبحانه وتعالى- التي لم يعذر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مخرجًا".
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
يعني: لا عذر لأحد أبدًا في مجانبة السنة وفي معصية الله تعالى المترتبة على معصية السنة، الله تعالى لم يقبل عذرا من أحد في تخلفه عن طاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن امتثال أمره، ولم يجعل لأحد أبدًا من اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مخرجًا.
إذن هذه أقوال تبين أن الإيمان دليل من أدلة أهل السنة على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
أيضًا من الأدلة الدالة على وجوب اتباع السنة ما ذكره الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- والذي سماه دليل العصمة، وخلاصته: أن الأمة أجمعت على عصمته -صلى الله عليه وسلم- عما يخل بالتبليغ.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
فكل الأمة مجمعة على أن الله قد عصمه أن يقع في شيء ما يكون سببًا في خلل التبليغ الذي أرسله الله تعالى به، والذي وضحه في كثير من آيات القرآن الكريم: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ )) [المائدة: 67]، وأيضًا (( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ )) [الشورى: 48] إلى آخر الأدلة التي تبين مهمة التبليغ للنبي -صلى الله عليه وسلم- لكي يؤدي النبي -صلى الله عليه وسلم- التبليغ على الوجه الذي يرضي الله -عز وجل- لا بد أن يكون معصومًا من كل شيء يخل بهذا التبليغ.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
فهل كان لا يؤمر بالتبليغ بشيء من أحاديثه ثم يقولها هو من عند نفسه؟ يعني هو مبلغ عن الله -عز وجل- وإن لم يبلغ فلن يكون قد أدى الرسالة، كما قال الله تعالى (( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ )) [المائدة: 67] فهل الله -عز وجل- لم يأمره بتبليغ بعض الأحاديث ثم هو بلغها؟ أو هو أتى بها من عند نفسه؟ ما حكمنا على من يقول بذلك؟
أظن الإجابة واضحة، إذن الله -عز وجل- عصمه أن يخل بأمانة التبليغ، لا بانتقاص شيء منها، ولا بإضافة شيء إليها، فكل ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- هو تبليغ عن الله تبارك وتعالى.
إذن: لماذا جعل الله طاعتنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- هي طاعة له عز وجل؛ لأنه يقول بأمر الله ويبلغ مراد الله ... إلخ.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
فهل هناك جملة من الأحاديث النبوية مثلًا بعضها أتى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- من عند نفسه، ولم يكن فيها مبلغًا عن الله تعالى؟ وهل لو قبل عقل ذلك يكون قد أيقن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام بمهمة التبليغ على الوجه الذي يرضي الله عز وجل؟
أعتقد أن الإجابة واضحة، لا يمكن أبدًا أن يقبل عقل مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قلت أنقص شيئًا من التبليغ، أو زاد شيئًا فيه من غير أمر الله تعالى.
إذن دليل العصمة هذا من الأدلة القوية على وجوب اتباع السنة؛ لأن السنة جزء مما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتبليغه، إذا لم نعتقد ذلك، فكأننا نقول بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحدثنا بشيء لم يؤمر بتبليغه؛ أي: يقوله من عند نفسه، وهذه طامة كبرى على من يتردى فيها، والعياذ بالله رب العالمين.
ومن الأدلة أيضًا على ضرورة اتباع السنة أنها وحي من عند الله، وما دامت وحيًا فقد وجب اتباعه، أما أن السنة وحي من عند الله -تبارك وتعالى- فهذا أمر قامت عليه أدلة كثيرة من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
فمن القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى: (( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى )) [النجم: 1-6] هنا الآيات تبين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا ينطق عن الهوى، وإن هو إلا وحي يوحى، والضمير في "هو" يعود على كل ما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم.
ويحاول البعض في محاولة يائسة زعم أن السنة لا تكون وحيًا وأن الضمير في قوله تعالى: (( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )) [النجم: 4] يعود على القرآن الكريم.
ونحن لو قلنا ذلك، فهذا تخصيص بدون مخصص، لم يسبق ذكر للقرآن الكريم في الآيات من مطلع السورة حتى يقال: إن الضمير يعود عليه وحده، بل إن الآيات في سياقها العام تؤكد أنها دفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى يقسم بالنجم إذا هوى: ما ضل صاحبكم صلى الله عليه وسلم.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
والتعبير القرآني البليغ العظيم آثر التعبير بقوله تعالى: (( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ )) ولم يقل: "ما ضل محمد" فالتعبير بالصحبة التي تعني الملازمة، وتعني الدراية الكاملة بكل أحواله، فالقرآن يؤكد أنكم تعرفونه، فقد صحبتموه وعاش بينكم قبل النبوة أربعين سنة، وجربتم أخلاقه وصدقه وأمانته، ولا يستطيع أحد فيكم أن يزعم أنه كذب في يوم ما، ولو كذبة صغيرة أو بيضاء أو سوداء، كما يحاول البعض أن يلون الكذب الآن بألوان متعددة؛ ليجيز بعضها ويمنع بعضها.
والدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقتضي بأن يكون السياق مقصودًا به القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإلا لو قصرناه على القرآن الكريم ما ضل صاحبكم في القرآن، وما شأنه في السنة، لو أراد أحدهم أن يقصر الكلام أو السياق على القرآن الكريم: (( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ... )) لو قلنا: القرآن فقط الوحي إذن السنة أو ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير القرآن فهل ضل فيه وغوى، والعياذ بالله، نسأل الله السلامة من هذه الأفهام التي تتعارض مع الإيمان بوضوح.
إذن (( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ )) أي: الذي ينطق به قرآنًا كان أو السنة المطهرة.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
إذن هذا دليل، ونلاحظ أن الآية في مطلع سورة النجم جاءت بأسلوب القصر، أسلوب القصر معروف عند البلاغيين، هو قصر شيء على شيء، ونفيه عمن عاداه، إذا قلت أنا مثلًا: محمد فاهم. هذه الجملة أثبتت الفهم لمحمد، لكنها لم تنفه عن غيره، فنقول: محمد فاهم وغيره أيضًا فاهم، لكن إذا أردت استعمالًا يثبت الفهم لمحمد وينفيه عما سوى محمد فلا بد أن آتي بالكلام في أحد أساليب القصر.
القصر أو الحصر كما قلنا: إثبات شيء لشيء، لو قلت في تعريفه إثبات شيء لشيء، وسكت، فهذا ليس بحصر أو ليس بقصر، كل إثبات شيء لشيء يدخل في هذا التعريف، لكن أنا أريد أن أصف شيئًا ما، أو أمرًا ما أو رجلًا ما، أو أي واحد قابل للوصف أصفه بصفة توجد فيه، ولا توجد عند غيره. أنا أريد أن أقول: إن هذا الشيء ليس موجودًا عند غيره، فأستعمل أسلوب القصر.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
أسلوب القصر له أساليب متعددة، يعني كيف آتي بالكلام في أسلوب القصر؟ عن طريق تقديم ما حقه التأخير، يعني أن يأتي المبتدأ مثلًا متأخرًا، والخبر أولًا، ترتيب الجملة نحويًّا أن يأتي المبتدأ أولًا ثم يأتي الخبر ثانيًا، أو أن يأتي المفعول مقدمًا على الفعل والفاعل، أو أن يأتي الفاعل مقدمًا على الفعل، كل هذه من أساليب القصر.
إذا لم يكن المانع الذي يمنع من ترتيب الجملة نحويًّا مانعًا آخر فإنها حينئذ تفيد القصر، مثلًا حين يقول الله تعالى: (( وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )) [الجاثية: 37] أصل الجملة: الكبرياء له. الكبرياء: مبتدأ. وله: جر ومجرور متعلق بمحذوف خبر، لو قلت أنا: الكبرياء له. من الممكن أن يقول قائل: ولغيره أيضًا. لكننا أردنا أن نحصر صفة الكبرياء لله -عز وجل- وأن نقصرها عليه -جل في علاه- فقال القرآن: (( وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ )) أي: أن صفة الكبرياء مقصورة على الله -عز وجل- ولا يحق لأحد من الخلق أن يتخلق بها أو أن يتصف بها، وإلا نازع الله تعالى في صفة من أخص صفاته التي لا يجوز لأحد من خلقه أن يتصف بها.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
في قوله تعالى فيما نقرأه كل يوم عدة مرات في سورة الفاتحة: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )) [الفاتحة: 5] إياك: ضمير مفعول مقدم. والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، ونعبد الفعل. وأصل الجمل نعبدك. لو قلنا: نعبدك. يقول قائل: ونعبد غيرك، فأراد الله -عز وجل- أن ينفي هذا المعنى، فأتى بالآية في أسلوب القصر.
أرجو أن يكون معنى القصر وضح من خلال هذه الأمثلة، كيف نقصر كما قلت عن طريق تقديم ما حقه التأخير، عن طريق أسلوب النفي والاستثناء الذي هو معنا الآن: لا فاهم إلا محمد، لا فاهم إلا محمد، لا إله إلا الله، (( إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير )) [فاطر: 23] (( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ )) [الشورى: 48] هذه كلها أساليب قصر عن طريق النفي والاستثناء.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
تقديم ما حقه التأخير، والنفي والاستثناء، أيضًا "إنما" إذا تقدمت الجملة تفيد القصر (( إنما الأعمال بالنيات )) أي: الأعمال مقصورة على نياتها، لا عمل يقبل من غير نية، إنما الفاهم محمد، حصرت الفهم فيه.
وأيضًا من طرق إثبات القصر: الجملة معرفة الطرفين يعني أن يكون المبتدأ والخبر كلاهما معرفة "الفاهم محمد" إذا أعربناها ممكن أن نقول: الفاهم: مبتدأ. ومحمد: خبر. إذن هذه جملة معرفة الطرفين، بعكس ما لو قلنا: محمد فاهم. الخبر هنا نكرة، فلا تفيد القصر.
فهنا في آية النجم قصر الله تعالى ما ينطق به النبي -صلى الله عليه وسلم- على كونه وحيًا، فلا يوجد في كلامه أبدًا شيء غير وحي، هذا معنى القصر: (( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )) لم يقل مثلًا هذا وحي يوحى، قد يقول: هذا وحي عن بعض كلامه، وبعض كلامه ليس وحيًا، لا، (( إِنْ هُوَ )) ما دام قلنا: إن الضمير في "هو" يعود على كل ما ينطق به النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: كل ما نطق به مقصور على كونه وحيًا من عند الله، فهو لا يقول شيئًا غير الوحي.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
هذه من الآيات الدالة على أن السنة وحي من عند الله -تبارك وتعالى- نحن نثبت أن السنة وحي؛ لكي نثبت وجوب اتباعها فنحن ما زلنا مع الأدلة على حجية السنة، ونقول: إن من بين الأدلة إثبات أن السنة وحي من عند الله؛ لكي نؤكد أنها ما دامت وحيًا فلا بد أننا نتبعها.
أيضًا من الأدلة على كون السنة النبوية وحيًا من عند الله -تبارك وتعالى- ما ورد في أكثر من آية في القرآن الكريم عن الكتاب والحكمة، وهذا المعنى ورد في سورة البقرة: (( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ )) [البقرة: 129]، وفي سورة آل عمران (( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ )) [آل عمران: 164]، وورد في الأحزاب (( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ )) [الأحزاب: 34].
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
إذن الحكمة ذكرت مع الكتاب وعطفت عليه، الكتاب والحكمة في الآيات هذه التي أشرنا إليها، هذا يقتضي أن الحكمة غير الكتاب، لماذا؟ لأنها معطوفة عليه، والعطف يقتضي المغايرة عند أهل النحو، أمر بدهي وواضح وجلي أن العطف يقتضي المغايرة، لا يصلح أن أقول: جاء محمد ومحمد، وأقصد أن محمدًا الثاني هو عين محمد الأول، لا يصلح، ولا يستقيم في الأذهان شيء أبدًا إذا قلنا بهذا الكلام، جاء أحمد وعلي، وعلي هو أحمد، ما هذا؟ هذا عبث في الفهم وفي النطق، ولو كان الأمر كذلك كل واحد يفهم الكلام على ما يريده وعلى ما يقوله، وهذا لا يؤدي إلى إثبات حقيقة من الحقائق أبدًا، وتلك هي السفسطة بعينها، كما عرفوها في تعريفاتهم.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
إذن ما دام الله تعالى قد عطف الحكمة على الكتاب، فإن الحكمة غير الكتاب (( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ )) [الأحزاب: 34] الحكمة غير الكتاب، إذن هذا يقتضي أن نؤكد أن الحكمة ليست هي القرآن الكريم، إذن هي شيء غير القرآن الكريم بدلالة العطف، ثم هذه الآيات التي أشرنا إليها يكمل معناها بآية أخرى، ولذلك هذا الدليل الذي هو إثبات أن السنة وحي من خلال وهذه الآيات إنما أيضًا يكمل بعضها بعضًا.
ثم ننتقل إلى آية النساء قال تعالى: (( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ )) [النساء: 113] ثم قال تعالى: (( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ )) [النساء: 113] فالحكمة والكتاب كلاهما نازل من عند الله تعالى.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
تأتي آية النساء لتوضح في جلاء لا يقبل الجدل أن الحكمة وحي من عند الله -تبارك وتعالى- لأن الله -وتعالى- قال (( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا )) [النساء: 113] إذن مجموع هذه الآيات أثبت أن الحكمة غير الكتاب، وأن الحكمة نازلة من عند الله -تبارك وتعالى- كما نزل الكتاب الكريم، أي: كما جاء القرآن الكريم تمامًا.
بقي أن نقول: إن الحكمة هي السنة؛ يعني يقول قائل صدقنا أن الحكمة غير الكتاب، وأن الحكمة نازلة من عند الله -تبارك وتعالى- فهل معنى ذلك أن الحكمة هي السنة؟ نعم، بعدة دلالات، أولًا: فهم الأمة، قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في "الرسالة" وفي غيرها من الكتب: "فسمعت من أرضى من أهل العلم يقول: إن الحكمة هي السنة" يعني الذي يرضاه الإمام الشافعي من أهل العلم أجمعوا على أن الحكمة هي السنة.
وهناك دليل عقلي في هذه المسألة، لو لم نقل بأن الحكمة هي السنة فبماذا نقول عنها؟ أو بماذا نعرفها؟ أو ما هي؟ لا بد بالضرورة أن تكون الحكمة هي السنة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأتنا بغير القرآن والسنة.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءنا بالقرآن الكريم فقط وبالسنة المطهرة فقط، وما دام لم يأتنا بغير هذين فإن الكتاب معروف ولا بد من حمل الحكمة على كونها السنة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأت بغير هذين الأمرين، وإذا كان البعض سيتوقف في هذا الفهم، فليدلنا، إذا لم تكن الحكمة هي السنة فماذا تكون؟ ولذلك قلنا: إن الأمر حتمي بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأتنا بغير القرآن والسنة، وفي هذا الأمر نقاط أو مسائل.
المسألة الأولى: أن السنة وردت في سياقات في القرآن الكريم مضافة إلى كثير من البشر أنهم قد أتوا الحكمة مما يجعلها في هذه السياقات غير السنة، نعم، إذا قال الله تعالى: (( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ )) [لقمان: 12] فلا يمكن أن نفهم أن الحكمة في هذا السياق هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن لقمان كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
وأيضًا حين يقول الله تعالى: (( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ )) [البقرة: 269] لتكن الحكمة في غير هذه الصياغات وفي غير هذه السياقات ما يكون، قل عنها ما شئت، هي الإلهام، هي حسن التصرف، هي كذا، كما يعرفونها في الكتب، لكن في الآيات التي قرأناها قبل، كل ذلك واضح في أنه لا يمكن حمل الحكمة هنا على غير السنة المطهرة.
إذًا لا يشكل على أن الحكمة جاءت في سياقات أخرى مرادًا بها غير سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليكن، والكلمة نستعملها في أكثر من معنى، والسياق هو الذي يحدد المعنى.
إذن لا يشتبه علي، ولا يشكل لي مشكلة أن الحكمة جاءت في تعبيرات كثيرة في غير سياقها مع القرآن الكريم لا بأس كل من آتاه الله تعالى الحكمة، ليكن فهم الحكمة في شأنه ما يكون، لكن الآيات التي نزلت على نبينا -صلى الله عليه وسلم- وحفظناها ووعيناها وقرأناها، وأصبحت جزءًا من ديننا تقطع بأن الحكمة في هذه السياقات لا بد أن تكون هي السنة.
إذن هذه آيات من القرآن الكريم بمجموعها وصلنا إلى أن الحكمة هي السنة، وتكون السنة وحيًا من عند الله تبارك وتعالى.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
عندي أيضًا جملة من الأحاديث، مثلًا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنهتني قريش عن ذلك، وقالت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشر، يتكلم في الغضب والرضا".
معنى أنهم قالوا ذلك لعبد الله بن عمرو بن العاص يعني احذر أنت تكتب كل ما يخرج من النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد لا يكون بعض هذا أو بعض ما يقوله ليس سنة، انتظر.
إذا كانوا قد قالوا له ذلك، فما الحل؟ هو رفع الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الأستاذ، وهو المعني بالمسألة نرفعها إليه فماذا يقول؟ فرفعوا الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (( اكتب فوالذي نفسي بيده، فما خرج مني إلا حق )) ، يعني كل الذي أنطق به حق من عند الله -تبارك وتعالى- هذا واضح حق.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
فنحن أمة الإسلام ليس لنا من حق إلا ما جاءنا من عند الله -عز وجل- فما دام النبي -صلى الله عليه وسلم- لا ينطق إلا بالحق، فهذا الحق له مصدر واحد، وهو الله -تبارك وتعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ولذلك هذا الحديث يقتضي أن نوقن بأن السنة وحي من عند الله تبارك وتعالى.
أيضًا الحديث الذي رواه الإمام أبو داود وغيره من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحديث المقدام بن معد يكرب أو كرب (( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه )) أوتيت الكتاب، وهو القرآن، وأوتيت هنا فعل مبني للمجهول تدل على أن هناك من جاء بالقرآن للنبي صلى الله عليه وسلم.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أتي بالقرآن إليه (( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه )) ولم يقل ألا إني جئت بالكتاب مثلًا أو إني أتيت بالكتاب، إنما أوتيت الكتاب ومثله معه.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
الكتاب معروف، وهو القرآن الكريم، فما هو ذلك المثل الذي معه؟ إنه السنة، وحتمًا لا بد أن تكون السنة، وإذا لم يقتنع البعض بهذا سنطرح عليهم السؤال مرة ثانية، إذا لم يكونوا مصدقين بذلك فليخبرونا ما هو هذا المثل الذي أعطاه الله تعالى لنبيه مثل القرآن الكريم تمامًا، لا شيء غير السنة (( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه )) هذه المثلية لا تحمل إلا على غير السنة المطهرة.
إذن هذه بعض الأدلة على أن السنة وحي من عند الله -تبارك وتعالى- بقي أن نقول: إن كانت السنة وحيا من عند الله -تبارك وتعالى- فهل يتحتم ألا ينطق بها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد مجيء الوحي إليه؟ بمعنى أنه لا يجتهد أبدًا، ولا يقول قولًا إلا بعد أن يأتيه الوحي في أي صورة من صور الوحي المعروفة؟
نقول: لا، الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد يجتهد في بعض الأمور، وعندنا سياقات ومواقف كثيرة تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تكلم باجتهاده مثلًا قصة المشورة في غزوة بدر، سواء في الأسرى أو في المكان الذي ينزلون فيه، وحين شاور النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، وحين جاءته الأخبار أن أهل مكة يستعدون لقتاله قبل أحد بقليل جمع الصحابة وشاورهم.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
هذا كله يدل على أنه لا يوجد وحي قبل الاستشارة، وإلا لما استشار النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في واقعة قال فيها الله تعالى ما يريده من خلقه.
نقول: نعم، هناك قسم من السنة قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- باجتهاده، لكن هذا القسم من الوحي أيضًا؟ كيف ونحن أقررنا بأنه قد يتكلم قبل مجيء الوحي؟ هو من الوحي لماذا؟
الذي قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- باجتهاده واحد من أمرين، إما أن يكون مصيبًا وإما أن يكون مخطئًا، فالوحي يقره، ولا يتركه، إذا احتاج الأمر إلى تصويب وتصحيح صحح له، وإن كان قد قال الصواب والحسن من أول الأمر انتهت القضية، إذا قلنا مثلًا (( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى )) [عبس: 2] على رأي من يقولون: إن الآية عتاب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نقول: إذن هو اتخذ هذا الموقف قبل مجيء الوحي، فلم يتركه الوحي، وإنما صوب له.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
وأيضًا في قصة أسرى بدر حين شاور أصحابه جاءه الوحي، وهكذا مواقف كثيرة تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال بادئ ذي بدء باجتهاده، لكن هذا القسم أيضًا مرده إلى الوحي باعتبار أن الوحي إما أن يوافقه فيما قاله أو يصحح له إذا كان الأمر يحتاج إلى تصحيح، وبالتالي فإن هذا القسم الاجتهادي، إن صح التعبير أو الذي قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- مرده أيضًا إلى الوحي، إما بالإقرار، وإما بالتصحيح على حسب ما يحتاجه الموقف.
أيضًا من أدلة حجية السنة كما قالها العلماء: فهم الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كل الأدلة الواردة عن الصحابة -رضوان الله عليهم- تبين في جلاء ووضوح لا يقبل أدنى مناقشة في أن السنة يجب اتباعها.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
مواقف كثيرة جدًّا، سأل فيها الصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حكم من الأحكام الشرعية لماذا اتجهوا إليه، ولم يبحثوا عنه في القرآن الكريم وينتهي الأمر بعد ذلك؟ كل الأحاديث التي نستشهد بها هنا في الصحيحين أو في أحدهما، حين تأتي أم سليم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يا رسول الله لا حياء في الدين هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت" هذا حديث مروي عن البخاري ومسلم في كتاب الطهارة، وكتاب الغسل؛ لماذا اتجهت أم سليم بالسؤال إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟
الأمر في القرآن (( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا )) ؟ (المائدة: 6) لكن ليس بهذا الوضوح من احتلام أو من غير احتلام، ربما يتصور الرجل أو المرأة أنها إذا احتملت فهي غير جنب، فلا يجب عليها الغسل، لذلك سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وأجابها النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين لها أنها إذا رأت الماء فعليها أن تغتسل أي إذا تأكدت من الاحتلام بنزول المني فعليها أن تغتسل.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
أيضًا مثلًا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين يرسل رجلًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله عن المذي يقول: "كنت رجلًا مذاء، وكنت أستحي من النبي -صلى الله عليه وسلم- لمكان ابنته عندي"، فبالتالي كلف من يسأل مكانه عن حكم المذي، وماذا يفعل صاحبه فيه؟
وهناك مواقف أخرى للصحابة تؤكد هذا الأمر أن الصحابة جميعًا قد فهموا أن السنة حجة، وأنه يجب العمل بها والرجوع إليها في كل شأن من شئون المسلمين.
وذكرنا الأدلة من القرآن الكريم وذكرناها من السنة المطهرة، وقلنا: إن هناك دليل الإيمان، وخلاصته: أن الإيمان لا يتم، وقد لا ينعقد إلا إذا اعتقد المسلمون حجية السنة، وحكموا الرسول في كل ما شجر بينهم، وهذه قضية أقسم الله تعالى عليها بذاته الشريفة (( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ )) [النساء: 65] من هذه الآية ومن غيرها من الآيات التي تعلق الإيمان على اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- استنبط العلماء وأخذوا الدليل على حجية السنة، وأسموه دليل الإيمان.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
وأيضًا قصة عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- في طلاق الحائض لما طلق امرأته، وهي حائض وأبوه عمر -رضي الله تعالى عنه- رفع الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له (( مره فليراجعها؛ ثم ليمسكها حتى تطهر ... )) ، ومحل الشاهد أن عمر -رضي الله تعالى عنه- رد الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليعلم منه الحكم الشرعي الصحيح.
وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة )) فهذا أمر منه -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون صاروا وانقسموا إلى فريقين في فهم الحديث، هناك من صلى في الطريق مخافة أن يخرج الوقت عن وقته المحدد أو أن تخرج الصلاة عن وقتها المحدد شرعًا، فصلوا في الطريق لأنهم فهموا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يريد إخراج الوقت عن وقته المحدد، وإنما يريد منهم الإسراع للذهاب إلى ديار بني قريظة، وفريق أجرى الحديث على ظاهره، ولم يصل إلا في بني قريظة، فرفعوا الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأقر كلًّا من الفريقين على فهمه.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
وأيضًا الرجل الذي ولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- قيادة بعث من بعوثه -صلى الله عليه وسلم- فكان يصلي به ويختم قراءته بـ (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) [الإخلاص: 1] ولما رجعوا أخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يفعل، فقال: (( سلوه لأي شيء يفعل ذلك؟ )) فقال الرجل: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( أخبروه أن الله يحبه )) .
هذه كلها مواقف وغيرها عشرات وعشرات، كلما حدث للصحابة أمر من أمور دينهم أو من أمور دنياهم أسرعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليسألوه لأنهم يعلمون أن قوله وفعله حجة، وأن ما يأمرهم به عليهم أن يسمعوا له وأن يطيعوا؛ في الصلاة: (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) ، في الحج: (( خذوا عني مناسككم )) في البيع، في الشراء، في النكاح، في معاملة الأهل، في البيت، في تربية الأولاد، كل ذلك يتعلمونه من النبي صلى الله عليه وسلم.
3.1 أدلة وجوب اتباع السنة من السنة
إذن الصحابة يعلمون أن السنة حجة، وأنهم لا بد أن يرجعوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل أمر من أمورهم.
أيضًا من الأدلة التي قالها العلماء على حجية السنة أنه يستحيل لا نقول يتعذر فقط، بل يستحيل إقامة الشرع من خلال القرآن الكريم وحده، والموضوعات التي تكلمنا فيها قبل ذلك من بيان علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة تؤكد ما كررناه مرارًا من أن فهم القرآن يتوقف على السنة، وأنه لولا السنة لما فهمنا القرآن الكريم.
إذن هناك أدلة كثيرة جدًّا على حجية السنة، الأدلة من القرآن الكريم، الأدلة من السنة المطهرة، دليل الإيمان، دليل العصمة، تمسك الصحابة وفهمهم للسنة ولدورها، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا بد أن يتبع في كل ما يأمر به وفي كل ما ينهى عنه، وأيضًا تعذر العمل بالقرآن الكريم وحده، بل استحالة ذلك، وأيضًا السنة وحي من عند الله -تبارك وتعالى- وما دامت وحيًا فقد وجب اتباعها.